قنابل في انتظار تدخل الجيش المصري

منذ أوائل هذا الشهر نشرت الجرائد المصرية ومواقعها على الإنترنت أخبارا عن العثور على قنابل أو الاشتباه في وجودها، وقد توزع الأمر ما بين سيناء والدلتا والقاهرة، الأولى عثر عليها في مدينة العريش ونشر موقع التليفزيون المصري أنها قنبلة "إسرائيلية" تزن نحو 120 كيلوغراما على قنبلة، والثانية بحسب بوابة الأهرام ومواقع إخبارية أخرى ألقيت على سيارة شرطة أمام مديرية الأمن بالشرقية، والعناية الإلهية حالت دون انفجارها، والثالثة بحسب بوابة المصري اليوم لم توجد ولكن اشتبه في وجودها بعد أن ألغت السفيرة الأميركية في القاهرة آن باترسون زيارتها للسفارة الفلسطينية الكائنة بحي الدقي بعد الاشتباه في وجود قنبلة.

لم يتوقف أحد أمام هذه الأخبار أو يعلق عليها، على الرغم من أن تقارير ما استقبلته مصر من أسلحة مهربة خلال العامين الماضيين أكدت أنها بلغت 10 مليون قطعة سلاح، وقد وصلت هذه الأسلحة إلى الداخل المصري متجاوزة الحدود، ولا يكاد يمر أسبوع الآن إلا وهناك محاولة لإدخال السلاح إلى إحدى المدن، وما أكثر الضبطيات التي تمت أخيرا وألقي فيها القبض على مهربين بحوزتهم أسلحة وذخائر، هذا فضلا عن بدء دخول بعض ورش الحدادة في صناعة الأسلحة النارية والخرطوش في المدن البعيدة عن الرقابة الأمنية المشددة.

فهل تم البدء بالفعل في استخدام السلاح؟ أم أن المسألة مجرد جس نبض أو تلويح بتهديد قادم؟ من يريد إيصال هذه الرسالة ولمن يريد إيصالها؟

المؤشرات جميعها التي يمكن أن ترد على هذه التساؤلات تصب في جماعات وتيارات الإسلام السياسي، فقد وضح فشلها في حكم وإدارة مصر وتأكد عدم قدرة عناصرها على الانسجام داخل نسيج المجتمع المصري المتسامح والمعتدل، أو خلق جسور تواصل مع ثورته التي خرجت في 25 يناير 2011 للمطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، واقتصر سعيها على محاولات الاستيلاء على مقدرات وممتلكات ومكتسبات المصريين التاريخية والحضارية والثقافية والإبداعية، وذلك في محاولة لهدم البلاد وإعادة بنائها وفقا لرؤية رجعية ظلامية.

وعلى ذلك خرج الشعب المصري عليها ليربك حساباتها ويصيبها بفقدان التوازن ويخرج ما تحمله من نوايا خبيثة له ولمصر، لتفقد السيطرة عليه، وليرتفع معدل رفضه لها ومواجهتها ومطالبته الجيش المصري بالنزول والسيطرة على البلاد وإزاحة حكمها بل إزاحتها تماما من المشهد ورد قياداتها ورموزها المتطرفة إلى السجون.

إذن يمكن قراءة هذه القنابل في إطار ما شرعت جماعات وتيارات الإسلام السياسي المتحالفة مع الرئيس الإخواني التهديد به في حال المساس بشرعيته والخروج عليه، أو حدوث انقلاب عسكري.

القنابل ليست ببعيدة عن تصريحات جماعة التكفير والهجرة الجهادية التي هددت "إذا لم يتم مساعدة إخواننا في غزة، فإننا سنقوم بتدمير كافة المنظومة الدفاعية والصاروخية للحكومة المصرية والدبابات والأسلحة الثقيلة" وأضافت في بيان لها نشر في التالي ـ 2/ 3 ـ للعثور على قنبلة في مدينة العريش "نحن لدينا قدرة تسليحية كبري علي ضرب العمق المصري الكافر وضرب الشعب المصري الكافر بكل طوائفه ومذاهبه الدينية ولن نترك أي اثر إلا وهو مدمر تمامًا".

وقبل يوم من إلقاء القنبلة الثانية على مديرية أمن الدقهلية ـ 10/ 3 ـ خرج حازم أبو إسماعيل في مؤتمر إعلامي لتدشين "تحالف الأمة الإسلامي" والذي يضم سبعة أحزاب إسلامية، ليحذر من أية محاولات لإعادة حكم العسكر أو إسقاط النظام الإخواني، وقال "إننا سنواجه أية محاولات لإعادة حكم العسكر أو فرض أية حكومة من المعارضة بمقاومة شعبية إسلامية".

وقبيل نشر خبر إلغاء السفيرة الأميركية زيارتها للسفارة الفلسطينية، صدر قرار النائب العام المصري بمنح الضبطية القضائية للمواطنين العاديين في ظل تصاعد إضرابات الشرطة في المحافظات والمدن، لتخرج الجماعة الإسلامية في الصعيد معلنة تأسيس ما قالت عنه "شرطة إسلامية" وأيضا إعلان حزب "الأنصار الإسلامي" أنه تم الاستقرار على عدد كبير لما وصفه بأعضاء في "الشرطة البيضاء".

يضاف إلى ذلك ظهور مليشيات جماعة الإخوان المسلمين تدعمها مليشيات حلفائها منذ المظاهرات الأولى التي خرجت باتجاه قصر الاتحادية في 24 أغسطس مطالبة بسقوط "حكم المرشد"، وقد تورطت بعد ذلك في العديد من الأحداث كفض اعتصام قصر الاتحادية بالقوة ومحاصرة المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامي وأحداث مسجد القائد إبراهيم، وكافة الصدامات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين.

إنه إعلان غير مباشر لخطة الانتشار والتدريب على ارباك الجيش وقمع القوى الثورية والشعبية لمنعها من السيطرة على البلاد في حال قيام وامتداد الثورة الشعبية وتدخل الجيش لحمايتها أو نصرتها، أو وقوع انقلاب عسكري.

الخطة ليست بعيدة عن مكتب الإرشاد، فهؤلاء سواء الجماعة الإسلامية أو حازم أبو إسماعيل أو جماعة التكفير والهجرة الجهادية وغيرهم جزء لا يتجزأ من عباءة جماعة الإخوان المسلمين، إذ نشأت في رحمها وتحمل نفس فصيلة الدم، والجميع يرون أن في سقوط الحاكم الإخواني سقوط للمشروع الإسلامي الذي يهدفون جميعهم إلى إقامته وإن اختلفت أشكاله، فالإخوان يريدون الخلافة الإسلامية، والجماعة الإسلامية تريدها إمارة إسلامية والسلفيون يريدون المشروع السعودي، والأقل طموحا بين هؤلاء يريدون المشروع التركي.

لماذا نذهب بعيدا وقيادات مكتب الإرشاد بدءا بالمرشد محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر نائب المرشد وقيادات المكتب محمد البلتاجي ومحمود عزت وعصام العريان.. إلخ، هددت وتوعدت بالدم والحرق والتكفير كل المعارضين لاستمرار تابعهم في قصر الاتحادية.

هناك خطة، نعم، بدأ الإعداد لها مبكرا وساهمت منابر المساجد والجوامع والزوايا دورا بارزا تمكينها، حيث دعت إلى التكوين المليشي للدفاع عن المشروع الإسلامي في مواجهة اللبراليين والعلمانيين، ويجري الآن الشروع في تنفيذها على الأرض. ولنضرب مثلا بالشيخ محمد محروس، خطيب وإمام مسجد النبي موسى بالسويس الذي خرج يوم الجمعة يوم 19/1 الماضي ليعلن عن تجهيزه فرقاً أمنية شعبية مسلحة لـ"إقامة شرع الله" في كل حي بالسويس، وقال إن هناك ما لا يقل عن 500 شاب "ينتظرون كلمة مني".

وفي نفس التوقيت قال الشيخ وحيد إمام- القيادي بالجماعة الإسلامية، من أمام مدينة الإنتاج الإعلامي "أبشروا أيها الأحباب النصر قادم والإسلام قادم، وابشروا، فإن لكم أخوة مئات الألوف مستعدون منتظرون في أماكنهم لساعة الصفر" وقد تم ترتيب الأمر. وأضاف "اطمئنوا لأن إخوانكم في أماكن متعددة من القاهرة وفى اجتماعات في أماكن معروفة ينتظرون "ساعة الصفر" وإخوانكم في الصعيد في انتظار ساعة الصفر، قائلًا "فليدخل الفئران إلى جحورهم".

بدأ الاستعداد مبكرا وحين احتد الموقف وبدأ النظام الإخواني في الترنح خرج حليفهم الشيخ حازم أبو إسماعيل، ليعري النوايا الخبيثة حين أعلنها صريحة "إن كافة محاولات المعارضة لفرض حكومة ائتلافية، أو إعادة حكم العسكري، سيتصدى لها شعبياً". وأضاف "خلال الفترة المقبلة سنواجه كافة المحاولات التي تسعى لإعادة المجلس العسكري مرة أخرى للحياة السياسية".

هكذا يريدونها في قبضتهم كاملة غير منقوصة، لذا أسرعت المليشيات بالانتشار في المدن المصرية، وتأسيس ونشر اللجان الشعبية وتحقيق تواصل مع المتعاطفين معهم في كافة أنحاء البلاد، وكما نعلم أن لدى الإخوان وحلفائها من جماعات وتيارات الإسلام السياسي وسائل تعبئة واستنفار واستدعاء تستخدم أحدث أساليب الاتصال، ويملكون وسائل نقل خاصة لسهولة الانتقالات بين مناطق المدينة الواحدة أو بين عدة مدن ومحافظات، وقد دعمت وجودها بفضل سيطرتها على مفاصل العديد من الوزارات وأجهزة الإعلام والمؤسسات التعليمية ومراكز الشباب والرياضة، وتجنيد الكثيرين ودفعهم للعمل لحسابها مقابل إغراءات مالية ومعنوية.

كل هذا ينتظر متأهبا لساعة الصفر وبدء الهجوم، والتي ألمح إليها وأعلن عنها الكثير من قيادات الإخوان، وهي مرتبطة بتهديد استمرار دولة الخلافة الإخوانية التي يتم بناؤها على قدم وساق الآن على أنقاض ما جرى ويجري هدمه من أسس وقيم وثوابت.

لن يتورع الإسلاميون على اختلاف مسميات جماعاتهم وحركاتهم وتياراتهم في قتل وسحل وانتهاك واغتصاب من سيقف في وجههم من أبناء الشعب المصري ومن بينه الجيش المصري، ومن ثم لا يستبعد أن تشتعل الحرب الأهلية، مصر وشعبها وجيشها في مواجهة الإسلاميون ومليشياتهم، وانتشارهم الآن في المدن على شكل لجان شعبية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بدءا لساعة الصفر.

إنها رسالتهم إذن: نحن هناك متواجدون في كل مكان ننتظر ساعة الصفر، وسنتجاوز في معركتنا ـ يراها المرشد العام الانتصار أو الشهادة ـ مجرد الضرب الهراوات والسحل والانتهاك أو الاغتيال الفردي والاغتصاب إلى القنابل والأسلحة الثقيلة والقتل الجماعي.

من هنا أجدد أن دعوتي لتدخل المؤسسة العسكرية والجيش المصري والتي أطلقتها مبكرا في أكثر من مقال، وكانت تنبع من حقائق تجري على الأرض تؤكد خطورة استمرار هذه الجماعات في الحكم على مصر أمة وشعبا وتاريخا إنسانيا، وقد لامني البعض عليها وعادوا الآن يتبنونها يدعمون وجهة نظري بضرورة تدخل المؤسسة العسكرية والجيش ويرسلون لهما رسائل رجاء وتوسل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصر قبل الانهيار التام.

الآن ينتظر المصريون على اختلاف شرائحهم الاجتماعية تدخل الجيش، وهو التدخل الذي سيحظى بمساندة وحماية شعبية كبرى، حيث ستلتف الإرادة الشعبية حوله وتدعم قوته لإزاحة النظام الإخواني، ووقف النزيف الإنساني والأخلاقي والاقتصادي والسياسي والأمني والاجتماعي للمجتمع.