قمة دار الفتوى: لقاء سياسي بأزياء دينية

بقلم: حسان القطب

يحرص النظام السوري وأتباعه في لبنان على الإشارة إلى أن نظام الأسد هو نظام علماني منفتح على كافة الطوائف ولا يميز بينها على الإطلاق، وأن سقوطه يعني سقوط مفهوم العيش المشترك والانفتاح بين المذاهب والأديان، وان بديله لا شك سيكون هو التشدد والأصولية المتطرفة، وليست أية أصولية، بل الأصولية السنية التكفيرية المتشددة بالتحديد في إشارة تحذيرية إلى بعض الطوائف التي يغالبها الشعور بالضعف كونها أقلية في هذا الشرق، ولتعميق خوفها من الآخرين ومن المصير الذي ينتظرها في حال سقط حامي الأقليات في الشرق!

المطلوب هو أن يشكل موقفها هذا المدافع عن نظام الأسد سلاحاً سياسياً يستعمل لتثبيط التأييد الدولي والعربي للحراك التحرري في العالم العربي وبالتحديد في سوريا.

مع ذلك فإن النظام السوري العلماني الذي يقدم نفسه بهذا الشكل ويحذر من خطورة هذا الفريق، لم يجد وسيلة مثالية لشكر البطريرك الماروني بشارة الراعي على مواقفه المؤيدة لما يرتكبه هذا النظام "العلماني" إن صحت تسميته بهذا الاسم، والذي حذر من انتصار الأكثرية وعلى رأسها الطائفة السنية في سوريا، سوى مفتي دمشق السني، وهو ممثل الطائفة المستهدفة بتصريحات البطريرك وغيره من رموز النظام السوري وأتباعه..(استقبل البطريرك الراعي في بكركي بعد ظهر أمس، مفتي دمشق الشيخ عدنان أفيوني على رأس وفد، يرافقهما السفير السوري علي عبدالكريم علي. وضم الوفد أمين دار الفتوى السورية الشيخ علاء الدين الزعتري، ومدير الإعلام في وزارة الأوقاف السورية هيثم جلول، ومطران السريان الأرثوذكس في دمشق جان قواق، والشيخ محمد خير الطرشان وهو خطيب في مساجد دمشق، ورجل الأعمال سيمون بشارة نقولا. وهنأ الوفد البطريرك على مواقفه مؤكدا ان "الزيارة للبنان لن تشمل إلا البطريرك الـراعي".).

فالنظام العلماني في سوريا يستعين بمن يحذرنا منهم دائماً، وهو يستند في تعزيز حضوره خارج سوريا المعزولة اليوم على تصريحات صادرة عن مرجعيات دينية من المفترض أنه يرفض تدخلها في الشأن السياسي الداخلي فكيف بالخارجي؟

ومنذ أيام عقد في دار الفتوى لقاء روحيا موسعاً كما أطلق عليه شمل كافة الطوائف اللبنانية، اسم اللقاء ومكان انعقاده وطبيعة عنوان اللقاء (لقاء روحي) تجعلنا نفترض أن بياناً يتضمن إرشادات وعبارات ونصائح تعكس روحية اللقاء ودور الشخصيات الحاضرة ومهامها المفترضة، يوجه لكل اللبنانيين ولا بأس من أن يتضمن تأكيداً على تعزيز العيش المشترك والحرص المتبادل على حماية السلم الأهلي بين الطوائف كافة..ولكن ما قراناه في نص البيان وما سمعناه عن بعض ما جرى خلال اللقاء جعل اللقاء يخرج عن روحيته لينغمس في أجواء سياسية بحتة. فقد نقلت صحيفة "اللواء" عن مرجع روحي شارك في القمة الروحية (التي انعقدت في دار الفتوى) قوله إنّه "مقابل استبعاد موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عن البيان الختامي، بناء لرغبة من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ قبلان، تمّ استبعاد موضوع السلاح والمقاومة، بناء لرغبة أكثر من مرجع مشارك، على اعتبار أن هذه الموضوعات هي محور الانقسام الداخلي". فالشيخ قبلان كان ممثلاً لمواقف حزب الله وحركة أمل في هذا اللقاء معبراً عن مواقفهم الرافضة للمحكمة الدولية، لأنه ليس مهماً أن نعرف من قتل شهداء لبنان أم لا طالما أن سلاح حزب الله خارج النقاش وخارج الحوار وموجود لتأديب أو لتهديد من يخرج على طاعة ولي الأمر.

ولم يكتف الشيخ قبلان بهذا فقط، فقد نشرت الصحيفة عينها، أنه دافع عن تسمية بشار الأسد بالديكتاتور متجاهلاً الدماء التي تسيل بغزارة في سوريا على يد هذا الحاكم وجلاوزته وحلفائه. (وأشار المرجع الروحي إلى أنه "خلال إلقاء البطريرك الراعي مداخلته، حصل نقاش بينه وبين الشيخ عبد الأمير قبلان، عندما كان يشرح ما جرى بينه وبين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حيث أبلغه المسؤول الفرنسي الكبير أن النظام الديكتاتوري في سوريا لن يفلت من العقاب، فاعترض الشيخ قبلان مصححاً العبارة، فرد الراعي قائلاً: "إنني أنقل ما يقوله الفرنسيون وهذا ليس رأيي"، مكرراً هذه العبارة مرتين في موقعين مختلفين). كما ناقش الحاضرون في القمة "الروحية" قانون الانتخابات التشريعية. إلى ذلك، ذكرت الصحيفة أنّ "النقاش خلال القمة تجاوز قانون الانتخاب العتيد نظراً لغياب الإجماع حول المشاريع المقترحة، سواء بالنسبة إلى النظام النسبي أم لحجم الدوائر الانتخابية التي تباينت المواقف منها، من دائرة صغرى إلى متوسطة على مستوى محافظ."

إذاً ماذا ترك ممثلو الطوائف لرجال السياسة والأحزاب والشخصيات وممثلو السلطة الرسمية لمناقشته أو تدارسه؟

البطريرك الراعي رسم في فرنسا سياسة خارجية خاصة به وبمرجعيته تتعلق بالشأن اللبناني والعربي وبالتحديد سوريا بمعزل عمن اجتمع بهم في دار الفتوى وجاء إلى القمة فقط ليشرح لهم موقفه ويبرر وجهة نظره، لأن زيارة الوفد السوري لبكركي جاءت لتؤكد ترابط المصالح والرؤية بينهما على حساب الشعبين السوري واللبناني. والشيخ قبلان نائب رئيس المجلس الشيعي، ما برح يرفض المحكمة الدولية وهي التي تحولت إلى شأن دولي، ويعلن عن تأييد النظام السوري رغم ما يرتكبه بحق شعبه، ويهاجم نظام البحرين ويدين ما يجري في العراق ويتجاهل ما يجري في سوريا من ممارسات مشابهة، ويدافع عن سلاح حزب الله وحركة أمل في الداخل اللبناني، وصولاً غل مناقشة قانون الانتخابات دون وجود خبراء قانونيين أو دستوريين مختصين، مما أعطى انطباعاً بأن سائر المرجعيات الدينية الروحية الأخرى، بما فيها سماحة مفتي الجمهورية، كانت شاهد على ما يقال ويرسم ويعلن، دون أن يكون لها مشاركة تذكر أو وجهة نظر تعلن عنها، سوى في صياغة بيان فضفاض الشكل وسطحي المعنى، والحوار الذي جرى لم يكن نقاشاً جدياً بل هو أقرب إلى السرد والمجاملة التي لا تعالج شأناً ولا تفك توتراً ولا تقرب بين وجهات النظر المتعارضة. ويؤكد هذا الحال أن البعض الذي فشل في تأمين تحالف سياسي واسع لخدمة مشروعه، يسعى لتركيب تحالف جديد بين المرجعيات الدينية بعد أن تعذر عليه تأمينه داخل طائفته، رغم اللقاءات المتكررة، وزيارات السفير السوري الرعوية والرعائية والدعائية المتعددة لهذه المرجعيات خير دليل على وجهة وهدف هذه اللقاءات والتصريحات وأبعاد هذه الزيارات غير البريئة.

ما ورد في البيان الختامي للقمة الروحية من احترام للمناصفة ورفض التوطين واحترام الكرامة الإنسانية يتطلب أمرين أساسيين: أولاً، وجود دولة قوية قادرة على تنفيذ هذا الأمر. وثانياً، سحب كل السلاح غير الشرعي وحل الميليشيات الموجودة بقوة الأمر الواقع حتى يتساوى المواطنين اللبنانيين أمام القانون وأمام مؤسسات الدولة بكافة تفاصيلها وإلا فإن ما ورد في البيان الأخير هذا لا يعدوا كونه تكريس لواقع مرفوض اعترف به سياسيين غير محترفين يلبسون زياً دينياً.

حسان القطب