قمة المناخ: أمطري حيث شئنا

أنهت قمة المناخ أعمالها بفرنسا بعد جولة طويلة وعسيرة من النقاشات حول السياسة المناخية التي تضمن للعالم المحافظة على درجة معقولة من الارتفاع الحراري إذ يمكن أن يُتحكّم في هذا الارتفاع لا حبّا في المناخ فقط بل حبّا في الحياة بجميع تفاصيلها بما في ذلك الاقتصاد. ومعلوم أنّ معاش الإنسان كان دائما معلقا بالسماء وليس فقط معاده.

وقال رولان فابيوس وزير الخارجية الفرنسي إنّ نصّ الاتفاق يقود، بعد ان وافقت عليه الـ 195 دولة، إلى "منعطف تاريخي". وقال باسكال كانفان الخبير في معهد الموارد العالمية والسياسي الفرنسي واصفا الأحوال البيئية الخطرة في العالم "إنّ الكأس مليئة إلى ثلاثة أرباعها" يعني أنّ الأزمة المناخية على درجة من الحدة الفعّالة؛ وقد أبْدى تفاؤله بأنّ النصّ المعروض للتوافق يمكن أن يضع حدا لمشاكل بيئية عويصة كان يُعتقد إلى حدّ قريب أنّه لا حلّ لها وأهمّها انبعاث الانحباس الحراري؛ ويرى أنّ المشروع الذي سيؤتي أكله في المدى البعيد يرمي إلى تحقيق صفر من الانبعاث الغازي وهو يعني تحقيق تعادل بين كمية الغازات المنبعثة وكمية الغازات التي تتشربها "أبآر الكربون". ويرى ملاحظون أنّ اتفاق باريس بعد ان جَمع حوله عددا كبيرا من المؤيّدين فإنّه سيقود إلى ضرب من السياسة يمكن أن تعرف بالحاكمية المناخية ويعنون بها أنّ الدول يمكن أن تسيطر على المناخ بأن تتحكم في الدرجات الدنيا والقصوى للحرارة وهذا مفتاح أساسي لكنه ليس الوحيد في التحكم بالموارد الحرارية والمائية وغيرها من موارد الطاقة المتجددة.

هكذا يفكّر أبناء اليوم في جيل الغد فالنتائج المرجوّة لن تتحقق بالتدرج إلا بعد سنة 2050 وعندها سيكون كثيرون منهم غير موجودين في هذه الحياة. هذا لا يهمّ عَالِمًا وسياسيّا يؤمن بتوريث الأجيال اللاحقة الرفاه والتحضر والمجد ولا يعنيه إن كان موجودا هو بنفسه أم لم يكن. هذا الجيل يعرف أنّه يركب اليوم طائرة اخترعها جيل الأمس وبما أنّ الطائرة التي يركبها هي التي تعدّ مصدرا مهمّا من مصادر تلويث الهواء وعاملا من عوامل الاحتباس الحراري فإنّه عليه، ولإيمانه بتجويد الحياة، أن يسعى إلى توريث بيئة نظيفة للأحفاد وأبنائهم.

ونحن؟ مازلنا نفكّر خارج هذا النظام ونؤمن أنّ عيش أجدادنا كان أفضل منّا وأنّنا كما قال لبيد بن ربيعة قد بقينا في خَلَفٍ كجلد الأجرب. نحن لا نفكّر في الاتجاه الصحيح اتجاه تجويد الحياة.. نحلم بمجد كان فيه هارون الرشيد يقول لسحابة مرّت به ولم تمطر: أمطري حيث شئت فخراجك عائد إليّ. نحن لا نفكّر في الكيفية التي بها يمكن أن نكون أفضل تفكيرا من ذلك بأن نجعل السحابة تمطر حيث شاء لها هارون الرشيد ولم يقدر عليه وقتها. عُذره أنّ الأرض ممتدة امتداد الأفق. ومهما ابتعدت السحابة فستقع في أرض هو خليفتها. لكن ما عذرنا إزاء تفكير الناس العلمي بأن يجعلوا السحابة تمطر حيث شاؤوا ضمن ما يعرف بحاكمية المناخ وهي سياسة مناخية قابلة لأن يتحكم فيها البشر.

في الوثيقة دعوة إلى سياسة بيئية عادلة وعلى "أساس الإنصاف" بأن تراعي كل الدول التي تنضوي في المعاهدة مسئوليتها التاريخية ودرجة الغنى التي عليها كي تنفق على دعم هذه السياسة إنفاقا يتجاوز حدودها بل ويتجاوز شمال الكرة الأرضية الغنية إلى جنوبها الفقير. هذا كلام فيه وعي بأنّ البيئة ملك مشاع للجميع وأنّ الأرض ومن عليها كالركاب في السفينة تحتاج سلامة الوصول أن يحافظ كل مسافر على سلامة المركب.

سيقول المنتقدون لهذا الكلام: ولكنّ كثيرا من بلاد الله الفقيرة هي مقبرة نفايات مصدرها البلاد الغنية. ونقول: سياسية كهذه فيها وعي علمي بأّنّ ردم النفايات في أيّ مكان من الأرض لن يمنع البلاد الأخرى من خطر تسلل الغازات السامة، فليس للغازات إن تسللت أن تمنعها حدود ولا جغرافيا وأنّ الأوبئة لا هوية لها تنتشر كانتشار النار في الهشيم لا تفرّق بين الأجناس والأعراق والحضارات. إنّ السعي إلى سياسة وقائية لا بدّ أن تكون عالمية هذا حلّ ليس منه مفرّ.

تفكير كونيّ كهذا يبتعد درجات وبأزمنة ضوئيّة عن التفكير الذي يقف وراءه التلويث الذي تشكو منه شوارع بلادنا فأغلبها نابع من اعتقاد لا وعي فيه من أنّ الشارع هو غير بيتنا وشقتنا وأنّ النظافة المحلية في الداخل هي المطلوبة. كثير من مشاكلنا البيئية مردّها الاعتقاد بأنّا حين نكون بالداخل سنكون بمنجاة من مشاكل المحيط الصحية. هذه طريقة من التفكير تحكم رؤيتنا للبيئة ولأنفسنا وللعالم: النجاة الفردية والخلاص الآنيّ. نحن نشكو توسيعا لآفاقنا الفكرية قبل أن نشكو من شيء آخر. التفكير في الكون الذي يجمعنا قد يكون حلاّ كونيا لمشاكلنا الكونية. قد تكون البيئة هي منطلق كلّ سلام كوني حقيقي.