قمة المعلومات في تونس مطالبة بالاجابة على تساؤلات حاسمة

كتب: خالد البرماوي
المعلوماتية للجميع، وليس للاثرياء فقط

عقبتان أساسيتان وقفتا أمام تحقيق أهداف قمة المعلومات WSIS في مرحلتها الأولى التي عقدت بجنيف ديسمبر 2003. أولهما هو وجود آلية لتمويل صندوق تضامن دولي لسد الفجوة الرقمية بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير بعدما قوبل هذا المقترح بالرفض الشديد من الدول الغنية متحججة أن هنالك صناديق دولية ومنظمات تمويلية عديدة يمكنها أن تفي بهذا الغرض فتم تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بتشكيل لجنة لبحث افضل الآليات المقترحة للتمويل المقترحة ليتم عرض نتائجها وتوصياتها أمام المرحلة الثانية من القمة التي ستعقد بتونس 16-18 نوفمبر 2005.
وهكذا تم ترحيل حسم قضية التمويل للمرحلة الثانية ونفس هذا السيناريو تكرر مع قضية إدارة شبكة الإنترنت وتوزيع مواردها ومسؤولياتها على كل دول العالم بالتساوي وهو المطلب الذي تمسكت به دول الجنوب خاصة الصين وأيدتها العديد من دول أفريقيا وآسيا وأمريكيا اللاتينية بينما انقسمت دول أوربا على نفسها بين معسكر الجنوب ومعسكر الشمال الذي تزعمته أمريكا لتبني مقترح بان يكون التعاون فيما يخص مسائل الانترنت بصورة ثنائية بين الدول.
ومع أن دول الجنوب تمسكت بموقفها بشدة إلا أنها لم تستطع أن تجبر القمة على اتخاذ خطوة إيجابية في هذا الصدد ولكنها استطاعت أن تنزع اعتراف دولي بأحقيتها في ممارسة حقها في إدارة شبكة الإنترنت ولكن متى؟ وكيف؟ ومن؟ هذا ما كلف به أيضاً الآمين العام للأمم المتحدة بتشكيل مجموعة عمل تحت اسم WGIG تم تشكيلها سبتمبر 2004 وتأتي أهمية موضوع أيجاد إدارة دولية لشبكة الإنترنت في الوقت الذي تقترب فيه الاتفاقية التي تعطي لمنظمة ICANN بالإشراف على النواحي الإدارية والفنية لتشغيل شبكة الإنترنت من نهايتها بحلول عام 2007 وهو الاتفاق الذي منحته لها الحكومة الأمريكية ورضخت له كل دول العالم الغنية والفقيرة. أسئلة حائرة وهكذا خرجت المرحلة الأولى من القمة مفرغة من مضمونها دون أن تجيب على سؤال التمويل الدولي للفجوة الرقمية؟ وسؤال إدارة شبكة الانترنت؟ وخرجت الدول الفقيرة من المرحلة الأولى القمة غير راضية عن النتائج التي وصلت إليها وهي التي كان لديها آمال عريضة في اقتناص أي التزامات من الدول الغنية تمكنها من تضيق ما عرف بالفجوة الرقمية ذلك المصطلح الذي بات شعبيا يتداول حتى بين الطبقات البسيطة في العديد من دول العالم النامي وأجلت تلك الدول طموحاتها للدخول في بوابة مجتمع المعلومات العالمي للمرحلة الثانية تونس 2005 لعلها تتمكن في أن تحصل على ما لم تستطع أن تحصل عليه في المرحلة الأولى من القمة.
أهمية وضخامة السؤالين المطروحين إمام المرحلة الثانية من القمة لا يجاريهما إلا ضخامة علامات الاستفهام في آخرهما فالعالم يمر بمرحلة تاريخية يعتبرها الكثيرون مرحلة الحسم لإعادة رسم خريطة العالم وعبور الفجوة التنموية التي تفصل شطر العالم الغني عن الشطر الفقير تلك الخريطة التي ثبتت معالمها منذ عقود طويلة وبالتحديد منذ موجة الاحتلال التي مارسها جنوب العالم على شماله في القرن الثامن والتاسع عشر وهذا ما دعا العديد من دول العالم النامي أن تعطي لقمة المعلومات أهمية بالغة وتعتبرها مرحلة حاسمة في تاريخ البشرية ليس فقط لأسباب تكنولوجية ولكن لعوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية، لذا كثرت المؤتمرات والاجتماعات والتربيطات العلنية والسرية استعداد للمرحلة الثانية بتونس نوفمبر 2005. التحضير العربي والدول العربية مثلها كمثل دول العالم النامي تحاول أن يكون لها صوت مؤثر يدافع عن مصلحة شعوبها هذا هو المنطقي! والمتوقع! لذا تم توجيه دعوة من جامعة الدول العربية ومن وزارة الاتصالات والمعلومات المصرية لانعقاد المؤتمر التحضيري الثاني رفيع المستوى في مايو 2005 والذي سبقه مؤتمر أول عقد من قبل استعداد للمرحلة الأولى جنيف 2003 وكان من المتوقع أن يكون المؤتمر التحضيري الثاني اكثر أهمية لأسباب عديدة لعل ابسطها أن دولة عربية وهي تونس هي التي ستستضيف المرحلة الثانية للقمة – وهي التي دعت لفكرة قمة المعلومات في الأساس - وهذا السبب له دلالته ليس فقط على النطاق التونسي بل والعربي أيضا.
ولان هذه سبب منطقي فكنا نتوقع مشاركة عربية قوية في المؤتمر العربي التحضيري المعني بإخراج ورقة عمل توضح تصور العرب للموضوعات التي ستناقشها المرحلة الثانية وأهمها قضية التمويل وإدارة شبكة الانترنت وكلها قضايا ساخنة تهم مستقبل الشعوب العربية ولكن جاء الحضور العربي في هذا المؤتمر التحضيري اقل من أن يقال عليه انه ضعيف! فلم يشهد المؤتمر غير حضور أربع وزراء عرب (مصر الدول المضيفة – تونس صاحبه القمة – والأردن – والسعودية) مع تمثيل شكلي من المغرب والإمارات وسوريا آما بقية الدول العربية في كان شعارها الغياب التام ولا حتى على مستوى المندوبين الدائمين لجامعة الدول العربية. مشاركة دولية والعجيب... انه في الوقت الذي غاب فيه العرب عن مؤتمرهم شهدت جلسات المؤتمر حضور مكثف وقوي من العديد من الدول الأفريقية بصورة تفوق التواجد العربي بدعوة من تونس ومصر في محاولة إقليمية لاتحاد موقف الكتلة العربية والأفريقية أمام قضايا القمة وهناك تشابه كبير في التحديات والرؤى. وبجانب الحضور الأفريقي القوي شهد المؤتمر أيضا حضور من بعض الدول مثل الأرجنتين والبرازيل وبلغاريا وكندا واستراليا مع حضور ملفت من كبار المسؤولين في العديد من المنظمات الدولية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات ITU و مؤسسة ICANN التي تدير شبكة الإنترنت وجمعية الإنترنت العالمية ISOC ومجموعة عمل الأمم المتحدة WGIG المعني بإيجاد تصور مستقبلي لكيفية إدارة شبكة الإنترنت ومؤسسة شبكة الإنترنت لأفريقيا AfriNIC والتي يدعو لها الاتحاد الأفريقي لتكون بديل للمراكز الموجود بأمريكا وأوربا.
ورغم غياب التواجد العربي المؤثر في فعاليات المؤتمر باستثناء مصر وتونس والسعودية إلى حد ما شهدت جلسات القمة التحضيرية نقاشات هامة للغاية فتم في بداية المؤتمر استعراض آليات للتمويل المقترحة لصندوق التضامن الرقمي وتم اقتراح آلية مبادلة الديون بين الدول الغنية والفقيرة وهذا النظام يقضي بتنفيذ مشروعات في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالدول المدينة تقوم بها شركات من الدول الدائنة – المتقدمة تكنولوجيا- ويتم سداد ديون تلك المشروعات بالاتفاق بين حكومات تلك الدول وتم استعراض تجربة مصر والأرجنتين لتنفيذ هذا المقترح ولكن لم توضح الجلسات كيف يمكن تطبيق هذا على نطاق عالمي وكيف تأخذ طابع الالتزام دون فرض ديون تكبل الدول الفقيرة ولكنه بلا شك مقترح جدير بالعرض على القمة.
واستعرضت جلسات المؤتمر مع منظمة تكنولوجيا المعلومات من اجل التنمية IT4DEV كيف يمكن مساعدة الدول النامية في التمويل والتنفيذ لبرامج تنموية باستخدام حلول وأدوات تكنولوجيا المعلومات في مشروعات استكشافية لها صفة الاستدامة والاستمرارية Sustainability على أن تقوم الدول بأنفسها بتكملة مراحل المشروع وترددت مشروعات في التعليم ومحو الأمية والتدريب وتطوير القدرات والحكومة الإليكترونية. جلسات ساخنة نأتي إلى الجلسات الأكثر سخونة والتي كانت عن إدارة شبكة الإنترنت والتي شهدت حضور بارز من اللجنة التي المكلفة بدارسة افضل الحلول التي يمكن إدارة شبكة الإنترنت من خلالها وهي اللجنة التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة WGIG وظهر جليا من خلال مشاركة العديد من أعضاء تلك اللجنة أن التجانس يفتقر هذه المجموعة التي اتهمها البعض أنها لم تراعي في تشكيل أعضائها 16 توازن القوي بين دول الشمال والجنوب وبين ممثلي المجتمع المدني والقطاعات الخاص ولفت النظر عدم وجود تصور ولو مبدئي بين أعضاء اللجنة متفق عليه للصورة التي ستكون عليها شبكة الإنترنت بعد عام 2006 واكتفت اللجنة بالتأكيد أنها ستنتهي من وضع كافة تصورتها بحلول سبتمبر القادم لتكون جاهزة لعرضها على المؤتمر التحضيري الأخير للقمة PrepCom الذي سيعقد بجنيف.
ولم تخلو جلسات القمة من بعض الأمور التقنية فتم استعراض مميزات بروتوكول الجيل الجديد لشبكة الإنترنت Ipv6 الذي بات مطلب من العديد من دول العالم بعد القصور الواضح في البرتوكول القديم الذي تعمل به شبكة الإنترنت Ipv4 الذي لا يتسع للكم الهائل المتزايد لعناوين الإنترنت IP Address وهذا الجيل الجديد يتيح حوالي 1500 عنوان لكل متر على سطح الأرض مما يعني استيعاب ملايين من المستخدمين ومليارات التطبيقات الجديدة وجاءت قضية المحتوي الإليكتروني وهيمنة اللغة الإنجليزية على شبكة الإنترنت ضمن القضايا الهامة التي ناقشتها القمة ولكنها لم تذكر أي مبادرات أو خطط واضحة المعالم حتى موضوع كتابة أسماء النطاقان Domin Name باللغة العربية تم ذكره على استحياء ولم يكن هناك أي شكل من التعاون بين الدول العربية متفق عليه ليعرض على القمة. توصيات القاهرة آما عن توصيات المؤتمر والتي خرجت على شكل ورقتين الأولى توصيات القاهرة الخاص بالدول العربية... والثاني إعلان أفريقي عربي جاء مؤكدا على أهمية التكامل الإقليمي العربي والأفريقي الذي سيكون بمثابة طريق لخفض تكاليف خدمات الاتصالات والمعلومات عن طريق مشروعات يتعاون فيها الجانبين مع الاعتماد اكثر على الموارد الذاتية والمشتركة قدر الإمكان وجاء فيها أهمية تطوير البنية التحتية والمحتوي وتوفر وسائل وأدوات النفاذ المعلوماتي والاهتمام بتعميم فكر الخدمة الشاملة التي تقضي بالاهتمام بتوصيل الخدمات والبنية التحتية إلى البيئة الريفية والنائية بنفس قدر الاهتمام بالدمن والحضر ولم تذكر هذه الورقة أي أفكار أو مشروعات محدده قابلة للتنفيذ المشترك عربيا وأفريقيا.
آما الإعلان العربي الذي جاء تحت اسم "توصيات القاهرة" فجاء كلاسيكيا اكثر من ألازم فأكدت الأمور المؤكدة وطالبت بالعديد من النقاط اغلبها محل اتفاق عالمي فمثلا فيما يخض قضية التمويل ذكرت التوصيات أن مسألة سد الفجوة الرقمية بين الدول الغنية والفقيرة هي المدخل الرئيسي للتنمية في العالم ‍مع اعتبار أن بناء جسر لعبور هذه الفجوة مسؤولية المجتمع الدولي مع إشارة بسيطة إلى إمكانية الاعتماد على برنامج مبادلة الديون كآلية للتمويل.
أما فيما يخص شبكة الإنترنت فلم توضح التوصيات أي تصور يكشف عن وجه نظر العرب لمستقبل إدارة شبكة الإنترنت ولكنهم أكدوا فقط أنها يجب أن تتفق مع المبادئ المذكورة بالفقرة 49 من إعلان جنيف 2003 وهي الفقرة الخاصة بالسيادة الوطنية للدول على شبكة الإنترنت! ولكن كيف سيكون شكل السيادة؟ وكيف سيتم الحيلولة دون استغلال الدول سلطاتها في تقيد الحريات على شبكة المعلومات الدولية؟ لم توضح التوصيات أي نقاط أساسية أو مدخل يمكن أن نري من خلاله وجه نظر العرب لمستقبل الانترنت بينما أوضح الوزراء العرب الذين شاركوا في القمة أن توصيات القاهرة ما هي إلا نقاط مبدئية‍! ستعرض على اجتماع وزراء الاتصالات العرب الذي سيعقد في الجامعة في يونيو القادمة لتخرج ورقة عمل الدول العربية التي ستعرض في تونس وهكذا جاءت باقي التوصيات شبيه إلى حد كبير بتوصيات القمة التحضيرية الأولى يوليو 2003.
ومع اهتمام توصيات القاهرة بالتأكيد على مشاركة المجتمع المدني العربي والقطاع الخاص العربي وجاء صراحة في التوصية بان يتولى المجتمع المدني زمام المبادرة للاستفادة من منجزات ثورة ICT ومع هذا لم تكن مشاركة ممثلي المجتمع المدني مؤثرة مع انهم جاءوا بورقة عمل جيدة إلى حد ما إلا أنها لم تأخذ حقها في العرض والمناقشة ولم يتم أي إشارة إليها في توصيات القاهرة.
أما القطاع الخاص العربي فاستمر في مسلسل غيابه عن القضايا الوطنية العربية فلم يشهد المؤتمر سوء حضور القليل من رجال الأعمال ممثلين للقطاع الحكومي!! مع رجل أعمال وحيد ممثل لأحد شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية ولا اعرف هل هو غياب متعمد من رجال الأعمال أم أن الحكومات العربية لم تكن جادة في دعوتهم وهي مسائلة بالغة الخطورة ففي ظل غياب القطاع الخاص العربي مع تهميش دور المجتمع المدني ستسمر الحكومات العربية في تيسر كافة الأمور دون مراعاة الأبعاد الاقتصادية التي يجب ان يضطلع به القطاع الخاص أما الأبعاد الاجتماعية يجب أن تؤول مسئوليتها للمجتمع المدني العربي أما الحكومات فيجب أن تهتم بالأساس بالسياسات و لأمور التشريعية والتنظيمية ولكن لا تزال حلقات هذه الأطراف بعيدة كل البعد عن التلاقي أو حتى الملامسة.
وهكذا لم تأتي القمة التحضيرية رفيع المستوى بجديد يذكر مع أن الجلسات شهدت حضور دولي مكثف ربما لأول مرة يجتمع كل هذا العدد من المنظمات الدولية الهامة في أحد الأقاليم التي تنتمي إلى العالم النامي ومع هذا التواجد كنا نتوقع إجابات توضح ماذا سيفعل العالم في قضية صندوق التضامن الرقي بين دول الشمال والجنوب لسد الفجوة الرقمية وفي إدارة شبكة الإنترنت التي يجب أن تكون محل تعاون وتنمية لا صراع وخلافات وليس أمامنا إلا أن ننتظر ما ستسفر عنه المرحلة الثانية من القمة التي وصفت بمرحلة الحلول والحسم. خالد البرماوي
كاتب صحفي مصري متخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات Khaledbaramawy@yahoo.com