قمة الرياض، أو الحجر الأساس في مشروع الشرق الفوضوي الجديد؟

علمتنا تجارب العمل السياسي وخبراته أن ثمة بونا شاسعا بين ما يصرح به السياسيون وبين ما يخوضون فيه من مخاضات أشبه ما تكون بكواليس المسرح الحقيقية، حيث تبدو واجهة المسرح وحلبته مجرد واجهة جميلة لستار ناعم ولامع يتوزع بالقرب منه وعلى ضفتيه ممثلون يلبسون زخرف الثياب ويتحركون بين منظومة عجيبة من الديكورات تزيدها عدسة المحترفين من المصورين جمالية بفنون اللقطات الموضوعية والذاتية والرأسية والأفقية والمنحرفة بحسب ما تقتضيه فنون وابداعات الاخراج، ذاك هو المشهد الأول من القمة العربية في ذاك القصر الفاخر بالعاصمة الرياض حيث بدت الجموع العربية في محفل يوم الزينة قمة في التنظم والترتيب والشياكة واللباقة وفنون الاستعراض التشريفاتي وسط قصر ضخم يندر أن ترى له مثيلا حتى في عواصم الغرب: خدم وحشم وما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات وخادمات وغلمان يتوزعون على مساحة واسعة لاستقبال ضيوف القمة العربية، غير أن وراء هذا المشهد الاحتفالي الذي نقلته لنا عدسات التلفزيونات العربية وصور وكالات الأنباء العالمية مشهدا ثانيا أشبه ما يكون بخرائب المسرح المخفية وراء ستائر وألواح تخفي دهونا وأزوقة متوزعة بطريقة بشعة وفوضوية غير خلاقة وسط قطع خشبية مترامية ذات اليمين وذات الشمال وأخرى من بقايا نشر الخشب قصد تصدير الواجهة الخارجية للمسرح على أجمل شاكلة فنية وابداعية...، ذاك هو في تقديري وفي غير تشاؤم أو مبالغة حال ما سبق وسيلحق بأشغال القمة العربية حيث ينتظر الجمهور العربي انكشاف الستار الخلفي للمسرح لتتبين للرأي العام قصة هرولة تطبيعية باسم السلام مع تعجيل بالتنازل عن الحقوق العربية في موضوع الاحتلال للأراضي الفلسطينية وقضايا أخرى ذات علاقة استراتيجية وعلى رأسها قضية حق العودة بالنسبة للاجئين، هذا اذا لم تتكشف خشبة المسرح الورائية والتي تعد ورشة أعمال المسرح الحقيقية عن خطة تآمرية من أجل ضرب استقرار منطقة الشرق الأوسط والاستقرار العالمي من خلال التمهيد لأعمال تآمرية قد يكون ظاهرها استهداف القدرات النووية الايرانية ولكن باطنها سيحمل للعالم مزيدا من الماسي والكوارث البيئية والبشرية بالشكل الذي يدخل المسرح السياسي والاقتصادي والاجتماعي العالمي في حالة من الفوضى التي تؤذن بانهيار اخر قواعد السلم والأمن الدوليين.
بعين موضوعية لا أظن أن الحمامة وغصن الزيتون العربيين الذين كانا مدار حديث القادة في قمة الرياض، سيقابلان بترحاب وابتهاج اسرائيليين طالما تمسك الملك عبد الله وزملاؤه من القادة بموضوعة حق العودة للفلسطينيين، اذ أنه من المسلم به لدى قادة الدولة العبرية أن الاختلال الديمغرافي لابد أن يستمر لفائدة العنصر اليهودي المهاجر والمستوطن بالأرض العربية في مقابل عدم السماح بعودة العنصر الفلسطيني من أجل الحفاظ على مناطق عبرية ذات كثافة سكانية تكون عماد التحصين العسكري والبشري لدولة اسرائيل.
أما عن الموقف الأميركي فعموده الفقري كما تؤكد على ذلك كل التقارير السياسية والاعلامية الواردة من واشنطن، فهو بلا شك تيار الصقور في ادارة البيت الأبيض، هذا التيار الذي يتزعمه ديك تشيني بصفته واحدا من أبرز الزعامات المحافظة التي تحظى بثقة اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة.
تيار الصقور في مدرسة المحافظين الجدد سوف لن يصغي بحسب ما تفيد به كل المعطيات الى نداءات الأمير عبد الله والموقف السعودي المدعوم من أنظمة المنطقة الخليجية وبعض البلاد العربية الأخرى، حيث أن ارتباطا تاريخيا ودينيا وسياسيا سابقا جمع بين المصالح الاسرائيلية ومصالح النخب الحاكمة في الولايات المتحدة سوف يرفض في كل الحالات ما يرى فيه هدية للمصالح العربية...، فعلى مدار ستين سنة مضت تحولت صناعة الطبقة السياسية في الدولة الأعظم صناعة خادمة لمصالح الدولة العبرية برغم توفر عنصر التأثير المادي لكثير من الأنظمة العربية في الاقتصاد الأميركي من خلال عنصري التدفق النفطي والمالي، الا أن هذا التأثير لم يتجه الى وجهته الحقيقية في تشكيل جماعات ضغط للمصالح العربية والاسلامية بقدر ما أنه توجه الى عمليات استرضاء واستجداء للقرار الأميركي في علاقته ببعض الأنظمة المتخبطة في أزمة الشرعية.
اليوم لم يتغير في الوضع العربي شيء ايجابي بحيث تتدعم الأنظمة بشرعية انتخابية جماهيرية تسندها في العمليات التفاوضية الدولية الصعبة، أو بالأحرى لم تتكتل المجموعة العربية في كيان سياسي اتحادي معاصر يسمع صوتها الى المجتمع الدولي، بل ان سيف التمزق العربي زاد في بطشه عبر النزاعات الحدودية والصراعات المذهبية وتعفن الصراعات بين الحكومات ومعارضاتها، الشيء الذي زاد من اضعاف هيبة المفاوض العربي وجعل منه مسخرة في اعين الاعلاميين والساسة الغربيين.
أخطر ما في الأمر ليس الرفض الاسرائيلي لغصن الزيتون ومن ثمة استهزاء الطرف الأقوى في معادلة الصراع بالحمامة البيضاء التي حلقت في سماء قصر قمة الرياض دون مجيب، بل ان الأخطر ما سيفوح بعد القمة من محاولات امعان الطعن بالخنجر في محور الممانعة العربية وبالتالي نوع من تطور العلاقات العربية الاسرائيلية الى نوع من مزيد تمزيق الجبهات الداخلية في مواجهة سياسات التوسع والهيمنة على حساب مصالح أساسية عربية واسلامية لا يمكن التنازل عن الحد الأدنى فيها.
بوضوح، وبصراحة، فانه اذا كان من حق العرب وسكان منطقة الشرق الأوسط المطالبة باخلاء المنطقة من اسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها الأسلحة النووية، بما يعنيه ذلك من تجريد لدول ايران وإسرائيل ودول مجاورة مثل الهند وباكستان من هذه الأسلحة تمهيدا لرسم سياسة عالمية تضع حدا نهائيا لهذه الأسلحة التي تتهدد العالم والمصالح البشرية والكونية، فان هذا لا يبرر اطلاقا المزيد من اشعال نيران وفتائل حروب جديدة يبدو أن الدور القادم فيها سيكون على ايران من أجل اضعاف التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية في منطقة عانت بما فيه الكفاية من الحروب والدمار والمغامرات العسكرية التي مهدت لاحقا لبروز ظاهرة الارهاب الدولي والجماعاتي القبيح.
ان العالم بأسره مسؤول اليوم بمختلف دياناته الكبرى المسيحية والاسلامية واليهودية والبوذية والكونفوشوسية عن حفظ دعائم الاستقرار في المنطقة عبر حل النزاعات باساليب الضغط الدبلوماسي والسياسي والاعلامي والاقتصادي ان لزم الأمر، من أجل تجنيب منطقة الشرق الأوسط وما جاورها من بلدان افريقيا واسيا وأوروبا أزمة عسكرية اذا ما اندلعت نيرانها فاننا نحسب من باب قراءة علوم التاريخ والتأمل في قدرات اطراف النزاع العسكرية والمادية والتقنية والعقائدية، نحسب أنها سوف لن تكون محصورة في رقعة جغرافية يمكن السيطرة عليها وذلك لتشعب التحالفات الاقليمية والدولية التي تغذي أطرافها الكبرى في النزاع...ومن ثمة فان الخيار الأصلح لعواصم القرار الدولي هو تحريك ملفات النزاع الاستراتيجي في كل من فلسطين والعراق ولبنان وبعض مناطق الاحتكاك العسكري والسياسي على أساس من الفهم الرصين والبعد النظري الذي يقوم بتسوية النزاعات ليس على اساس من منطق القوة الضاربة والمدمرة وانما على اساس حفظ مصالح الشعوب والدول وحقها في تقرير المصير من أجل ايجاد مناخ دولي قائم على أساس التعارف والتعاون واقتسام المصالح بعيدا عن اساليب الابتزاز والتهديد والاستعراض التي لا تصمد طويلا في مواجهة سنن التدافع بين قوى الظلم الباطش وقوى المطالبة بالحقوق المنبعثة بقوة كطائر الفينيق من تحت الرماد. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية reporteur2005@yahoo.de