قل ما شئت عن الدهْشَة في حضرة 'حنين'

مزج الموهبة الاستثنائية بالخبرة العلمية الأكاديمية

هل كان يظن الفنان محمد كامل الحديدي يوما وهو يلهو صبيا أن يدهشنا حقا بأسئلته الفنية المتمثلة في أعماله التشكيلية من خامات الحديد والمعادن؟

بالقطع أصابعه أباحت بالدهشة وهو يخط سطورا عجيبة يمكن توصيفها طبقا للنقد التشكيلي بعصيان المعدن.

هو محمد كامل الأكاديمي بكلية التربية الفنية بجامعة المنيا، والفنان غير التقليدي الذي منحته الأيام فرصة مزج الموهبة الاستثنائية بالخبرة العلمية الأكاديمية فكانت الأعمال وكان الحدث على موعد مع الحضور في معرضه الأخير الراهن بقاعة المعارض بكلية الفنون الجميلة والذي اختار لمعرضه اسم "حنين"، والذي افتتحه رئيس جامعة المنيا المستنير المثقف الدكتور جمال الدين أبو المجد الذي دوما ما يراهن على إبداعات أبناء الجامعة الاستثنائية.

وبغير اقتناص إحداثيات معرضه الموسوم بحنين لاشك أنه منحنا فرصة سانحة لأن نسافر صوب الزمن المنصرم الفائت ليلقي كل منا بخبراته ومظانه وبعض هواجسنا غير المحققة على كل عمل من أعماله متعللين بالمدلول والدلالة.

وهكذا يصر محمد كامل الحديدي الفنان الذي أبى أن يقبع في ظل التوصيفات التجريدية غير المفهومة للعامة في الفن من أمثالي بل انطلق إلى فضاءات الآخر، الأمر الذي جعل من أعماله وعيا جمعيا مشتركا أي استطاع أن يشاكل بين واقع فنه الاستثنائي ووَجْدِ الآخر الذي استحال جزءًا أصيلا من الأعمال الفنية.

وإذا كانت كتب الفنون جميعها وهي تؤطر لتشكيل المعادن تصر على حقيقة واحدة بغير استثناء ألا وهي أن تشكيل المعادن أو تطريقها، عمليّة يخضع خلالها المعدن إلى تأثير معيّن من أداة ما تكسبه شكلاً وأبعاداً حسب المطلوب حسب الاستعمال المطلوب، سوا كان وظيفيّاً أو جمالياً. وأن عمليّة تشكيل المعادن تعتبر حرفة متوارثة عبر الأجيال، وهي نوع من أنواع التراث في بعض مناطق ودول العالم، فإن محمد كامل الحديدي الذي جرفنا بعيدا ليس فقط صوب حنينه الفني بل إلى ذكرياتنا البعيدة التي تحمل طابعا فلسفيا بات من الصعب ألا نجتر حكايانا القديمة تجاه الأعمال الفنية المعروضة.

فبين أعمال كثيرة متميزة تضمنها معرضه المقام بقاعة المعارض بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا تصور ملامح متعددة من حنيننا لماضٍ ليس ببعيد مثل الكرسي، والجالس بجوار المقعد المكسور، وأعمال أخرى تدفعنا لاكتمالها ذهنيا داخل كل إنسان يراها، يجئ محمد كامل الحديدي ممزوجا برائحة الفلسفة التي اقتضت وجودها بالأعمال ليفجؤنا بدلالة جديدة غير تلك الدلالات المكرورة والعقيمة التي اعتاد التشكيليون توصيفها الخامة واللون والأسلوب والتقنية.

ولاشك أن الحديدي قد أرهق منافسيه من التشكيليين زملاءً وأساتذة وهواة ومحترفين، لأنه لم يدع فرصة للمشاهد تأويل العمل بعيدا عن الرصد الفني الذي حدده من قبل الفنان، بل اعتماده على تقنيات ذهنية بداخل كل مشاهد للمعرض جعله ينفرد عن أقرانه بتيمة فنية جديدة وهي "الحراك التشكيلي" بمعنى أن الأعمال المعدنية المتقنة الصنع لم تعرض بصورة ساكنة يابسة، بل كان وكانت أعماله على موعد مع الثقة، نعم ثقة الرائي لتلك الأعمال التي تختبئ فلسفة وراءها فجاء الحراك الذهني للمشاهد بديلا حقيقيا عن توصيف الفنان نفسه لأعماله.

وقديما كما جاء في كتب الفن المدرسية والتي اعتاد أرباب الصناعة تقديمها بأن الفن ما فوق الخيال أو الخروج عن الواقع، فإن محمد كامل الحديدي الذي نريد أن نلقي ليس ضوءًا واحدا على معرضه بل أضواء متعددة خرج عن سياج الخيال الذي لم يعد خيالا في أعمال كثيرين اليوم بل مجرد توهيمات فنية تثير الشفقة أكثر مما تؤدي إلى الإمتاع، فإن الحديدي امتاز وحده أن يصير فيلسوفا فنيا بأعمال قد تبدو ناقصة التشكيل عن قصد وعمد مستهدفا إيجابية المشاهد وهو ما دفع رواد المعرض إلى إكمال العمل وفقا لإحداثيات ذكرياته صوب الشكل والتقنية.

هكذا بدا الفنان محمد كامل الحديدي منفردا كعزف كلاسيكي خاص لا يعرف للتشابه سبيلا، ولا يؤمن بالتقليد طريقا، بل جاءت أعماله من كتاب فلسفة قديم ممتزجة بسحر خاص لا يقاوم، هذا السحر بدأ بذكرياتنا المرتبطة بأشكال عايشناها ونحن صغارا ولا نزال، وانتهت حقا بسؤال: إلى أين تأخذنا دهشة الحديدي بأعماله؟

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل - مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية - كلية التربية ـ جامعة المنيا