قلم نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه في المزاد العلني!

بقلم: محجوب حسين

المتأمل في سيرورة وتتبعات الحقل السياسي السوداني وبعد مضي أكثر من نصف قرن ونيف من الزمن يستطيع أن يوثق في أن الكيان السوداني الغير متفق عليه شكلا ومحتوى يعيش في هذه المساحة التاريخية من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أحد مظاهر الإحتباس السياسي التاريخي من تأريخه الحديث،ه ذا الإحتباس كاد أن يصل مفارقاته ومفاصلاته وتشكيلاته العقلانية أو غير العقلانية ليرسم أو يحدد الملامح العامة لبداية تاريخ أو تكوين أو تنشئة جديدة وهي بلا شك تختلف ميكانيزماتها التحتية والفوقية والوظائفية عن ما هو سائد أو أريد لها أن تسود، لتنتج وطنا أو أوطان مختلفة أو متواءمة ومتسقة مع معطياتها وأدواتها المكونة، وهو الشيء الذي دفع بالعقل الجمعي السوداني هذه الأيام وفي إتجاه مواز الى تحليلات وتمنيات وجدليات ومساءلات عنيفة بدأ يطرحها التفكير الجمعي السوداني في شارعه العام ولدى أنتلجنسيته الثقافية والسياسية والفكرية والدينية، وهي أنتلجنسيا المؤسسة التي حكمت ووظفت السودان لصالح أجندتها السياسية والثقافية والإجتماعية والدينية والمعرفية طوال تأريخ السودان.
إلى ذلك أيضا هذا الإحتباس السياسي وجد إمتداداته في منتوج المؤسسة المسيطرة في السودان، فبدأت اليوم من خلال ما تطرحه وتقدمه من منتوج نلحظها تمارس نقدا للذات، في ردة سياسية لكل مسوغاتها وتابواتها الأيدولوجية والثقافية السابقة وكأنها بذلك تطلب صكوكا للغفران والرحمة من ماضوية كانت رثة ومخلة، حولت فيها كل إستحقاقات الإستقلال السوداني في العام 1956 وصانعوه الى ملهاة ومتاهة إنسانية، فكان رد الفعل السياسي والإجتماعي والديني والثقافي في السودان عنيفا تجاه مؤسسة التمركز الرسمية والفاعلة تاريخيا في السودان وإن إختلفت قنوات شرعنتها ونعوتها ما بين الطائفية والعسكرتاريا المؤدلجة، ستظل كذلك ما لم تصل مجموع الثقافات السودانية والشعوب والتواريخ السودانية الى عقد إجتماعي جديد يؤمن لها الوطن والمواطنة والوطنية بشكل مغاير. جلد الذات التاريخية وفي إطار رزمانة نقد المؤسسة السودانية الرسمية النافذة تاريخيا لذاتها، بل جلدا لها، جاءت على شكل إعتراف أو إعتذار أو مراجعة لماضيها المؤسسي في إدارة الدولة السودانية، وعلي غير المألوف قدمت فضائية "الشروق" السودانية التي تبث من دبي سلسلة من الدراما السودانية المحلية جاءت تحت عنوان "حكايات سودانية" أو بالأحرى هي محن أو عقد أو أمراض منتوج المؤسسة الرسمية التاريخية في السودان، هذه الدراما جاءت نقدية لبعض الأفكار السائدة في السودان والتي تقسم الشعوب السودانية الى نافعين وأخرين غير نافعين، مواطنين سودانيين وآخرين غير مواطنين أو مواطنين بالهبة، مواطنين يتمتعون بالتاريخ والثقافة وآخرين لا يمتلكون تراثا بل حتى وجودا في سلم القيم الإنسانية...إلخ.
ففي سلسلة هذه الدراما شاهدت حلقة تحكي وتجسد الهم الجمعي في المفارقة التي يمكن تقع بين الشمال السوداني وجنوبه وقد تمتد، كانت أحداثها تدور بين صديقين حميمين من الشمال والجنوب يسكنان منزلا واحدا ويعيشان مع أبنائهما، فإذا بموضوع الإستفتاء وحق تقرير المصير دفع بأبنائهما الى التفكير جديا في بيع المنزل أو بناء جدار فولاذي بينهما ومساءلات نقدية كثيرة لواقع الحال والمآل، فرفض الأبوان الفكرة وهجرا المنزل وبدا كل منهما يقدم نقدا لأسس التعايش الماضوي وبناءاته في أسلوب حكائي بسيط وحزين وسوداوي وفي رمزية سياسية تحمل دلالات ومضامين توحي بمراجعة المؤسسة الرسمية الثقافية لذاتها بعدما وصل الطوفان أشده، في محاولة لمعالجة الخلل الكبير والذي سوف يؤدي الى السقوط الكبير لماهية السودان وهذا معناه تعريفا جديدا للسودان وأسسه وأطره ومكوناته والتي تدفع جميعها تجاه إعادة قراءة التاريخ ومراجعته وتركيبه من جديد، بمعني تقرير مصير السودان والشعوب السودانية المنضوية تحت لواءها من كل أشكال الهيمنة والإستبداد والإستعلاء والتهميش كأركان وأعمدة أساسية لأية كولونيالية داخلية او خارجية.
هذه الثيمة الدرامية والتي تحمل معها عاطفة حزينة هي جزءا من ثيمات عديدة سوف يعرفها المشهد السوداني في جزئياته وكلياته خلال الفترة القادمة من سنوات الحسم، كانت ذات علاقة وإرتباط وثيق بإحدى المشخصات الصورية والتي باتت العنوان الابرز للصحافة المرئية والمكتوبة السودانية خلال هذه الأيام، وأعني بها صورة توقيع إتفاق سلام الجنوب في العاصمة الكينية نيروبي قبل خمسة سنوات والتي جمعت بين موقعا الإتفاقية وهما النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك علي عثمان طه وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق وإيماءاتهما، ويتوسطهما الرئيس السوداني والرئيس الكيني وخلفهما حشد دولي وإقليمي كبيرين. مسلم وبخاري السودانيان ففي مقاربة جدلية بين المشهدين، مشهد الثيمة الدرامية النقدية والمحزنة لمصير تقسيم الوطن ومشهد صورة توقيع الإتفاق وإيماءات موقيعها وقلميهما الموقعان به، فثمة قراءة تقول أن المشهدين منتجان لبعضهما البعض بل مكملان لهما، فالدلالة الأولي تفيد عندما مهر الزعيم جون قرنق إتفاق سلام الجنوب بقلمه ومداده لا يعني إتفاقا فقط لحسم المعضلة الجنوبية السودانية بل يعتبره مدخلا لإرساء أسس تعايش جديد في الكيان السوداني وما الجنوب إلا مدخلا موضوعيا للمعالجة السودانية بنقد ابستمولوجي كامل لما رواه مؤسسة " البخاري ومسلم " السودانية الرسمية طوال تاريخ السودان الحديث في تجاوب عملي مع النص الدرامي الناقد لمنظومة الفعل السودانية، بل جاء - أي النص الدرامي - متماشيا مع الحتمية لبلوغ معاني السودان الجديد، والذي يحمل قيما إنسانية للإنسان السوداني في إنتمائه ووجوده بمعاني فلسفية وتاريخية وثفافية وإجتماعية ودينية وإقتصادية وكشرط ضرورة لأي ترتيب وحدوي مرتقب في بقاء السودان ككيان جامع ليس على مستوي توظيف اللغة النمطية للخطاب السياسي وإنما تطبيق نمطية الخطاب السياسي على مستوي الفعل اليومي والحياتي للإنسان السوداني.
هذا التكامل التاريخي مع المشروع الفكري والسياسي للمفكر قرنق برز وتبين بشكل جلي عندما إصطف الملايين من سواد الشعب ومؤسساته لإستقباله في الخرطوم في قطيعة تاريخية لكل منطلقات السودان الآثم، أو كما أعتقد كثيرون بمثابة الفتح الجديد للسودان كما "فتح" عبدالله بن السرح السودان لنشر الدين الإسلامي وفي رواية أخرى تقول - "غزوا" - للسودان وليس فتحا، دون تعليق! لتبقى طروحات قرنق ومشروعه السياسي هو الموضوع الرئيس لعصر الأنوار السوداني وهو المحفز لوحدة بين أجزاء السودان المختلفة، هذا من جانب تطابق الرؤى الدارمية الناقدة الجديدة ومشروع السودان الجديد الذي يطمح إليه قلم الدكتور قرنق أثناء توقيعه للإتفاق من طرف أول.
فيما الطرف الثاني فمثله نائب رئيس الجمهورية علي عثمان طه، فمهر بقلمه التوقيع نيابة عن الحكومة السودانية والمؤتمر الحاكم، وبذلك تري المؤسسة وموقع الإتفاق بأنهما أنهيا حربا عميقة بين الشمال والجنوب ولتفتح معه أسئلة عديدة، كما يعتبر إمتصاصا لأزمة مستعصية ومهددة لنظام الحكم في البلاد، ليزيد من قوة ونفوذ حكومته فيما عرفت بعد ذلك بثقافة الشريكين السودانيين المختلفين منهجا لإدارة دولة متعددة السياقات التاريخية والثقافية،إلي ذلك أيضا صور بعض السودانيين نائب الرئيس طه بأنه "المهدي المنتظر" لحسم إشكال الجنوب عبر مؤسسته والتي كان نافذا فيها على حد بعيد، حيث لولا نفوذه لعرقل له صقور المؤتمر الوطني المضي قدما فيها، حيث ما زال البعض منهم يتحدث عن إتفاق الجنوب بإعتباره "ورطة" أدخلهم فيها طه، رغم هالة التهليل والتكبير وسياسية الكل لله على طريقة المؤتمر الوطني " حيث يضعون فيها الأيدي في إتجاه الجيوب،في إشارة رمزية الى كل شيء الى الجيب من أموال ونفائس ليأتي عكس الشعار والخطاب القائلين كل شيء لله! فضلا عن التمجيد والتباهي بصناعة سلام السودان وفك لغز الجنوب السوداني، ليبقى أمر سلام الجنوب في شروطه الدولية والإقليمية المساعدة أو الضاغطة أو الوطنية وبغض النظر عن من وقعه وكيف ولماذا هو إنجازا، ليتجاوز اليوم الإنجاز والفعل الى منهج لإدارته لخلق وحدة مكتملة ومعممة على أجزاء الوطن قبيل إنفراط العقد.
هكذا يرى موقع الإتفاق ومؤسسته الحاكمة رغم علامات التغيير التي بدت في خطاب موقع الإتفاق بعدما لازم قرنق طوال فترة مفاوضات نيفاشا ومشاكوس، أن تغييرا طرأ عليه، حيث بدا مقتنعا بشكل محدود بالحراك السوداني رغم أنه يمثل أحد وجوه مركزية الحزام العرقي والديني المهيمن والرافض لكال نتاجات المحيط السوداني، فأعتقد اليوم أن قلمه الذي وقع به الإتفاق مساءلا سؤالا ذاتيا وعميقا لصاحبه بالدرجة الاولى ومساءلة شاملة أيضا على مستوى الوطن، فهل القلم الذي وقع به نائب الرئيس علي عثمان نجح في أرساء أسس جديدة لوحدة السودان مع قلم قرنق الذي ذهب وبقي مشروعه حيا، أم أن قلم طه هو القلم الذي دفع بإنفصال الجنوب عن الشمال أو الشمال عن الجنوب، وفي كل الأحول وحدة أو إنفصالا كما يتراءى للعيان، من المفترض أن يوضع قلم طه في أسواق المزاد العالمية، فأبحثوا أيها الموثقين السودانيين من اليوم عن قلم نائب الرئيس السوداني بعد التاسع من يناير من العام القادم ستجدونه في المزاد العلني! مع العلم أن قلم الزعيم قرنق فقد هو وطائرته. محجوب حسين
نائب رئيس حركة التحرير والعدالة للشؤون السياسية والإعلامية - لندن