قطع اليورو .. متحف متنقل لتاريخ اوروبا

باريس - من ايمانويل دوفولوا
اليورو في اليونان (يسارا): اسطورة الشابة اوروبا التي خطفها زيوس

في حين تصور الاوراق النقدية باليورو جسورا ونوافذ ومشاهد وهمية لقارة مجردة، تستعرض الاوجه الوطنية للقطع النقدية، التي سيبدأ مواطنو 12 دولة بتداولها اعتبارا من اول يناير، 25 قرنا من التاريخ الاوروبي.
وخلافا للاوراق النقدية السبعة باليورو المتشابهة كلها، قرر الاتحاد الاوروبي عام 1996 ان يكون للقطع النقدية من الفئات الثماني (1 و2 و5 و10 و20 و50 يوروسنتيم و1 و2 يورو) وجها "وطنيا".
فليأخذ هواة جمع القطع النقدية علما بالامر: هناك 12 دولة تشملها العملة الموحدة، تضاف اليها موناكو وسان ماران والفاتيكان التي اذن لها باصدار نقد باليورو، ما يوازي مجموع 120 قطعة نقدية مختلفة يبدأ التداول بها في 1 كانون الثاني/يناير لتنتقل بعدها من دولة لاخرى.
وخلافا للرسوم التجريدية التي اختارها حكام المصارف المركزية لتزين الاوراق النقدية، تم اختيار النقوش على ظهر القطع النقدية من التراث الوطني لتعكس تاريخ القارة او فنونها او جغرافيتها.
وهذا الامر ينال استحسان الرسام البلجيكي جان ميشال فولون الذي انتقد في مقالة كتبها مؤخرا حول ايطاليا اوراقا نقدية "لا تعرف ان موزارت او مايكل انجيلو او مونتينيه او دانتي وجدوا حقا (..) ولا تتحدث عن الثروة الحقيقية، تلك الكامنة في تنوع ثقافاتنا".
اما القطع النقدية باليورو، فتعرف جيدا ان موزارت ودانتي انتجا تأليفا موسيقيا وكتابة تمثل بعض اجمل روائع التاريخ الاوروبي.
واختارت النمسا صورة موزارت للقطع النقدية من فئة 1 يورو في حين اختارت ايطاليا دانتي لقطع 2 يورو.
ايطاليا بلاد الفنون استعرضت كبار فنانيها واعظم حقب تاريخها فاصطفت منها على سبيل المثال الكوليزيه الروماني و"المقاييس المثالية للجسم البشري" لليوناردو دا فينتشي و"ولادة فينوس" لبوتيتشيلي.
واختارت النمسا واسبانيا كذلك الفنون والحضارة فعمدت الاولى الى نقش صروح فيينا على القطع النقدية في حين اختارت اسبانيا واجهة كاتدرائية سان جاك دي كومبوستيل ووجه ميغيل دي سيرفانتيس صاحب رواية دون كيشوت دي لا مانشا المعروفة عالميا.
وعلى سبيل المثال اختارت اليونان البومة رمزا من تراثها العريق والغني فطبعت على ظهر قطعة اليورو الواحد، صورة البومة التي نقشت في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح على القطع النقدية بقيمة 4 دراخما في اثينا.
كذلك اختارت اثينا، صاحبة اقدم نقود في العالم اذ ظهرت الدراخما في القرن السابع قبل الميلاد، صورة الشابة اوروبا التي خطفها زيوس لتطبعها على القطع النقدية بقيمة 2 يورو، في اشارة الى شخصية الميثولوجيا التي اعطت اسمها للقارة.
وفضلت دول اخرى تأكيد سيادتها. وكانت دول بينيلوكس الثلاث الاقل مخيلة بين دول الاتحاد الاوروبي اذ اكتفت بنقش صور ملوكها على جميع القطع النقدية: ملكة هولندا بياتريكس وملك بلجيكا البير الثاني ودوق لوكسمبورغ هنري.
وتزين صورة خوان كارلوس رمز انتقال اسبانيا الى الديموقراطية في حقبة 1975-1981 قطع 1 و2 يورو، في حين فضلت البرتغال العودة الى القرن الثاني عشر الذي شهد استقلالها، مع نقش اختام ملكية تعود الى 1134 (الختم الاول) و1142 و1144.
المانيا نقشت نسرها التقليدي على القطع النقدية. اما فرنسا، فاحتفظت بماريان الشابة المندفعة بحزم. ايرلندا ابقت على قيثارها السلتي. النمسا ابرزت "واجبها البيئي" فاختارت ثلاث ازهار من جبال الألب هي الادلفايس والجنطيانا وزهرة الربيع.
كذلك عمدت كل من المانيا وفرنسا وفنلندا، حرصا منها على ايجاد استمرارية بين النقود الوطنية والنقود الاوروبية، الى نقش رسوم معروفة كغصن شجرة البلوط المنقوش على الفينينغ والبذار على الفرنك الفرنسي والاسد على الماركا الفنلندي.
غير ان النمسا هي التي قامت بالخيار الاكثر رمزية وان لم يكن الاكثر شيوعا، اذ صورت على قطعتها النقدية من فئة 2 يورو بيرتا فون سوتنر وهي ناشطة من اجل السلام، واول امرأة تمنح جائزة نوبل للسلام عام 1905.
وتتباين وتتعدد الاختيارات بين مائة وعشرين قطعة نقدية اوروبية، لكنها تبقى دليلا على شدة ثراء الثقافة الاوروبية وعمق جذورها وتعدد ابداعاتها.