قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية

المنهج الإعلامي الذي تبنته قطر منذ اندلاع الأزمة معها قام على إنكار جميع الاتهامات التي وجهت إليها، والهجوم على الدول العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) ومحاولة تفريغ الاتهامات من المضمون الذي يدين الدوحة في مسألة دعم الإرهاب والعنف والتدخل في شؤون هذه الدول.

الطريق الذي سارت عليه آلة الأدوات الدبلوماسية، مشى أيضا على منهج سياستي الإنكار والهجوم، وعندما تيقنت الدوحة أن الموقف المناهض لتصوراتها وممارساتها متماسك ومن الصعب تفتيته، بدأت تتخلى عن جوانب من سياستها الفاشلة وراحت تعترف صراحة ببعض الاتهامات، وتلجأ إلى أسلوب الدفاع عن مواقفها ومغالطاتها.

الاعتراف والتخلي عن الهجوم، ظهرت لكل منهما ملامح لا تخطئها العين، وصرح الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثان وزير خارجية قطر في روما مؤخرا، أن بلاده "في ذيل الدول التي تدعم الإرهاب"، وهي خطوة مهمة تمهد لخطوات أكبر.

بصرف النظر عن مكانة قطر في المقدمة أم الذيل، في النهاية اعترفت أنها قدمت دعما للإرهاب، وهذا غاية المراد الذي يؤكد صواب موقف الدول الأربع، وأن سياسات الدوحة تمثل تهديدا حقيقا على أمنهم.

التخلي عن الإنكار، كشفته تصرفات عدة تصب في خانة الاعتراف، منها اختفاء كثير من الرموز الإسلامية على شاشة قناة الجزيرة، وتقليص مساحة الاهتمام بجماعات العنف والإرهاب في دول مثل سوريا والعراق وليبيا، ومغادرة عدد من القيادات الإسلامية الدوحة بلا ضجيج، وهي كلها استجابات ضمنية لجوهر المطالب العربية.

بالتزامن مع هذه التوجهات، تفرغت قطر للدفاع عن رؤيتها بدلا من الهجوم على الدول الأربع، ثم انتقلت إلى مربع ثالث يشير إلى الإيحاء بالتفاوض، عقب تقديم قائمة تتكون من 13 بندا عبر الوسيط الكويتي، ومطلوب من قطر تنفيذها كاملة، وحاولت تفنيد هذه المطالب وجميعها يدور في فلك ضرورة تصحيح سياستها الإعلامية وتصويب أخطائها الأمنية والتخلي عن كثير من رؤاها السياسية.

الرد الذي قدمته الدوحة بشأن منحها مهلة لمدة 48 ساعة إضافية، بعد انتهاء مهلة الأيام العشرة الأساسية، أوضح لأي درجة خابت ظنون قطر في تفكيك موقف الدول الأربع، وأكد أن سقف الرهان على بعض الدوائر الإقليمية والدولية بدا أعلى من الاستجابة، وثبت فشل اللجوء إلى التسويف كأسلوب للتعامل مع قضايا مصيرية.

في المجمل كانت هناك تنازلات قطرية متدرجة منحت الدول التي قدمت وقائع وشواهد عدة ثقلا سياسيا ورواجا معنويا ومصداقية إعلامية، ضغطت على الدول الداعمة للدوحة لتغيير موقفها، وفرضت على المترددين حسم رؤيتهم لصالح الاحتفاظ بمسافة أكبر بعيدا عنها.

الدروس التي تنطوي عليها الأزمة كثيرة ومتشعبة، وسوف يتم التوقف عندها باستفاضة من قبل دارسي العلوم السياسية والمهتمين بإدارة الأزمات، لأنها مست عصب ثوابت راسخة في أذهان دوائر متعددة، ودللت على عدم جدوى سياسة الإنكار وأنها لن تقلل من الخسائر أو تفت في عضد الخصوم، كما أن الدوحة اضطرت للاعتراف بأخطائها وأخفقت سياسة عدم تقديم التنازلات في حمايتها، وهي الآن قدمت حزمة منها ومرجح أن تستجيب لأخرى قريبا.

الالتزام بالتعامل مع الأنظمة الشرعية، من العبر التي يمكن استخلاصها من الأزمة، فالقنوات الخلفية التي فتحت مع حركات متطرفة وجماعات إرهابية في دول مختلفة، حققت قدرا من التفوق النسبي لقطر في وقت سابق، لكنها أصبحت وبالا عليها حاليا، وتحول التحالف مع جهات خارج الشرعية في بعض الدول من نعمة إلى نقمة.

المشكلة كانت في صعوبة التفرقة لدى بعض الدول بين جماعات المعارضة التي تحظى بشرعية قانونية وتلك التي تعمل خارج هذا الإطار، والآن من الممكن إعادة الاعتبار للأولى، والدول التي تحايلت وقدمت دعما لجماعة الإخوان أو غيرها، بوصفهم من الفصائل السياسية (خارج الشرعية)، لن تنطلي حججها على كثيرين، فهناك قناعة جديدة بأن هذه المسألة تترتب عليها تداعيات سياسية وأمنية تدفع تكلفتها الدول التي تتبنى هذا المنهج، والحالة القطرية ثم البريطانية كاشفتان في هذا الإطار.

كما أن الإعلام الذي يمكن اعتباره سلاحا لتحقيق أغراض معينة، يمكن أن يتحول إلى سلاح مضاد ومدخل لتلقي الضربات، فعدد كبير من الوثائق والأدلة التي قدمتها مصر وتثبت تورط قطر في دعم الإرهاب، جاء من مواد أذاعتها شبكة الجزيرة في أوقات متباينة، وفيها يظهر التحريض على العنف داخل مصر واضحا، كما أن الأفلام التي قدمت عن الجيش، وهي مليئة بالمغالطات، كشفت لأي حد بلغ الاستهداف القطري مداه في خلط الأوراق.

من هنا يتبين أن دعم العنف أو الاتهام به كفيل بخسارة أي معركة، لذلك لم تتمكن الدوحة من الصمود أمام الهجوم الذي تعرضت له وهو مليء بالأدلة، ولم تفلح جميع الحيل في إبطال مفعوله، ورسخ في وجدان وعقل كثيرين أن الارتباط بالإرهاب أو التناغم معه عملية خطرة يدفع أصحابها أثمانا باهظة.

لعل ما يجري من إعادة نظر في مواقف دول كثيرة بشأن العلاقة مع حركات إسلامية، متشددة أو تزعم أنها معتدلة، يعزز رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي التي عرضها في قمة الرياض في أبريل الماضي، عندما حذر الدول الداعمة لهذا التيار، بأطيافه المختلفة، من مغبة تصرفاتهم، وهو ما يؤكد أن الصمت الذي كان خيّم على بعض الدول في الماضي لم يعد مقبولا في الحاضر، ويدخل في عداد التأييد الضمني، ولن يستطيع أحد تحمل تبعاته.

مهما كانت نتيجة اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية والإمارات والبحرين في القاهرة أمس، وآلية التعامل مع الرد السلبي القطري، فالأزمة لن تتوقف ما لم تنصاع الدوحة للمطالب العربية كاملة، لأن هناك رؤية إستراتيجية متماسكة لم تتزحزح أمام المناورات السياسية والألاعيب الإعلامية طوال الأيام الماضية.

بالتالي فالمعطيات القطرية المباشرة ستحدد نوع الخطوة التالية خلال الفترة المقبلة، لأن الدعاية السياسية أو محاولات القفز فوق الأزمة، بالتعاون مع تركيا أو التلويح بالالتصاق مع إيران، لن تجدي أبدا، وكلاهما تعمل لمصالحها وليس دفاعا عن الدوحة ومواقفها.