قطر في ميزان الربح والخسارة...لا عزاء للقطريين

سبق وأن كتبت مقالا عن العبث الذي تقوم به دولة قطر منذ أن تقلد أميرها السابق مقاليد الحكم إثر انقلابه على أبيه الذي لم يتوانَ بدوره في اختطاف الحكم من عمه مع أول فرصة سنحت له.

وكأنه قدر كتب على هذه الإمارة الصغيرة أن يتوالى عليها الحكام بذات السيناريو الدراماتيكي والذي يفضح الذوات الغارقة في أطماعها إلى الدرجة التي يغدر الابن بأبيه دون أن يؤنبه ضميره قيد أنملة!

كنت قد أشرت في ذلك المقال إلى أن أكبر الخاسرين سيكون الشعب القطري، وهو نتيجة حتمية في ظل السياسات العبثية غير المسؤولة التي تنتهجها حكومة قطر.

وأذكر جيداً أن الكاتب الكبير قينان الغامدي كتب سلسلة من المقالات عن الدور القطري في التآمر على دول المنطقة عبر إعلامها المأجور والموجه لتأزيم الأوضاع الداخلية لدول الجوار غير عابئة بكل روابط الأخوة والدم التي تجمع شعوب منطقة الخليج العربي.

وحينها دفع قينان ثمنا باهظا لشفافية طرحه آنذاك، لأنه ادرك أن التسامح والتغاضي عن سياسة قطر العبثية ستكون عواقبه وخيمة ليس على شعوب الدول المجاورة فحسب بل حتى على القطريين أنفسهم!

من المنطقي جداً أن يكون وجود قاعدة عسكرية لأقوى دولة في العالم مصدر اطمئنان واستقرار لأي دولة مهما كان حجمها وثقلها، فالقواعد الاميركية في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من البلدان أسهمت كثيرا في تنمية تلك البلدان حيث حققت نجاحات اقتصادية مبهرة للغاية رغم غياب الموارد الحيوية عن خارطتها الجغرافية!، لأنها كرست جهودها في بناء الإنسان واستثماره على نحو يثير الدهشة والإعجاب لتصبح بعد ذاك في مصاف الدول المتقدمة في شتى المجالات.

إذ لم تدع لاختلاف وجهات النظر مع جاراتها حول بعض الأمور أن تأخذ أبعادا تأثر على القيم الإنسانية المشتركة بين شعوبها. على عكس ما قامت به قطر من انهماك وانشغال بحياكة الدسائس والمؤامرات لجيرانها سعياً وراء أحقادها وأطماعها غير المنطقية والتي دائما ما تأتي على حساب الشعب القطري الشقيق.

كنت رغم يقيني بحكمة واعتدال قادة دول المنطقة لم أستبعد أن تقدم دول الخليج على سحب سفرائها من الدوحة في يوم ما لأنه من الطبيعي أن تتجاوز الاستفزازات القطرية كل حدود العقل والمنطق بسبب التغاضي والتسامح الذي تبديه دول الخليج!، والذي لا يبرره سوى تمسكها الشديد بوحدة المصير الذي تفرضه القواسم المشتركة من دين ولغة وعادات قبل الحيز الجغرافي الذي يربط قطر بشقيقاتها الخليجية.

فالخطأ منذ البدء ـ في تصوري ـ كان في انتهاج سياسة الاحتواء على نحو خاطئ، لأنها أوهمت القيادة القطرية بأنها سياسة نابعة من ضعف الأطراف الأخرى، مما أعطاها دافعا لأن توغل في الإساءة والاستفزاز بحثا عن زعامة وهمية شوهت كثيرا صورة المواطن القطري على امتداد خارطة العالم العربي الكبير.

كانت التوقعات والآمال كبيرة جداً بأن الأمير الجديد سيعمل جاهدا على تصحيح مسار السياسة القطرية تجاه دول الجوار إلا أن النهج التآمري ظل مهيمنا على التوجهات العامة للسياسة القطرية، وهو ربما يعود لهشاشة القاعدة الشعبية لدولة قطر التي استوردت الكفاءات بطريقة أساءت كثيرا للمواطن القطري الذي أقصي من الميادين الحيوية في بلده حتى على المستوى الرياضي وهي بهذا لا تقتدي بالدول التي حققت من خلال احتضانها للمواهب والكفاءات انجازات هائلة دفعتها لمقدمة الركب مثل الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول والتي لم يكن استقطابها للكوادر البشرية على حساب أبنائها بل الكفاءة هي المعيار الحقيقي لمنحهم شرف تمثيلها في المحافل الدولية.

فقطر رغم ضخ الأموال الهائلة في ماكينة اعلامها الموجه المتمثل في قناة الجزيرة فقد فشلت في أن تكون أنموذجاً في تأسيس البناء المعرفي والحضاري داخل محيطها الصغير حيث خلقت أنماطا وأشكالا غير معهودة على الاطلاق في علاقة القيادة مع مواطنيها، إذ لم تقبل أي اعتراض أو عتب أو حتى خطأ من مواطن تسكنه هواجس الشك والريبة في مستقبل وطنه المحاصر بكم هائل من الامتعاض والكره جراء سياسة حكومته تجاه أحداث المنطقة والعالم العربي، وهي التي تروج لدمقرطة العالم العربي بأسلوبها الرخيص جدا.

الحقيقة بأنني متألم للغاية من سحب السفراء كسابقة في تاريخ العلاقات الخليجية إلا أنني متأكد تماما من تفهم الإخوة القطريين المعتدلين لدوافع هذه السابقة، وهي اجبار قطر على التوقف في التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون، والعالم العربي بصورة استفزازية تهدف لبث مسببات الفرقة والتناحر الطائفي بعدما تملصت من التزامها ببنود الاتفاقية الأمنية التي وقعت عليها، وبعدما أوصلت الجميع إلى طريق مسدود قد يجر المنطقة إلى التشرذم والفرقة.

اجزم بأنه لا يخفى على أي مواطن قطري ما تقوم به حكومته من أدوار دنيئة في تعكير صفو دول الجوار حيث لا يغيب عن الذاكرة تطبيعها (التجاري) مع العدو الصهيوني على نحو مستفز ومن ثم المتاجرة بالقضية الفلسطينية بزيارات صورية لبث المزيد من الفرقة والتناحر بين الإخوة الفلسطينيين!

بقي السؤال الكبير الذي عجزت كل الاجابات أن تكون ملائمة له! هو ما هو الهدف الذي تحاول السياسة القطرية أن تبلغه؟ فعلا يجد المرء نفسه يقع في مجاهيل الدهشة والاستغراب لمجرد التفكير في البحث عن إجابة لذاك السؤال!

وهل المواطن القطري يعيش في رغد ونعيم وهو يجد نفسه في معزل عن محيطه الذي يشترك معه في أدق تفاصيل الحياة اليومية بكل تشعباتها وطقوسها المتشابه؟

وما قيمة كل منجز تحققه الدول اذا شعر مواطنوها في دواخلهم بسهولة تجريدهم من الهوية والانتماء لمجرد خطأ عابر قد يرتكبه البعض تحت سطوة الغضب والحماس؟

بالتأكيد لست سعيداً بتحقق توقعاتي بتدهور علاقات دول الجوار مع دولة قطر الشقيقة ولكني متفائل بعودة قطر إلى محيطها الهادئ والمساند لكل المشاريع الداعمة لوحدة واستقرار الدول الشقيقة والصديقة.