قطار الإصلاح السياسي في مصر يغادر محطة السكون

بقلم: مهدي بندق

لا يماري أحد في أن التغيير هو قانون الكون وسنة الحياة لا مهرب منه البتة. ربما يتلكأ التطبيق لفترة تطول كما هو الحال في النمط الآسيوي للإنتاج، قرين المجتمع الزراعي الراكد والمعتمد على رسوخ حكومة مركزية قادرة على سحق معارضيها، لكن غبار الزمن لا غرو يفعل فعله بما يؤدي إلى تآكل ملامح هذا النمط، سيما حين تدخل البلاد(ولو على استحياء) عصر الصناعة، وعندئذ تأتي الرياح بما يهدم قلاع الجمود وحصون الثبات.
وعليه نقول إن تعديلات الدستور التي أجريت عام2007 - ورغم أوجه قصور بها لا تنكر- قد برهنت على صحة هذا القانون الكوني، ودليلنا: إعادة هيكلة المنصب الأعلى في البلاد؛ فلأول مرة في تاريخ مصر القديم والحديث يجرى اختيار رئيس الدولة بطريق الانتخاب بين عدد من المرشحين، ودليلنا الثاني ما تضمنته تلك التعديلات من إمكانية إعادة تشكيل الثقافة السياسية برمتها، حيث نصت المادة الأولى من الدستور بعد تعديله على أن مبدأ المواطنة هو أساس الانتماء للدولة، إضافة إلى حظر استخدام الدين في ممارسة النشاط السياسي بموجب نص المادة الخامسة. القطار يطلق صفارته لذا كانت هذه التعديلات الدستورية بمثابة تشغيل المحرك التوربيني في قطار الحراك السياسي، فما لبث المصريون حتى فتحوا ولأول مرة في تاريخهم فضاء الممارسة المجتمعية لحق الاعتصام والتظاهر رغم وجود قانون حالة الطوارئ الشهير الصادر برقم 162 لعام 1958 مما ترتب عليه استجابة رئاسة الدولة لهذا الحراك، بل والترحيب به لدرجة إصداره القرار الجمهوري الخاص بتمديد قانون الطارئ لعامين أخريين مدرجاً في مادته الثانية النص التالي: يقتصر تطبيق الأحكام المترتبة على إعلان حالة الطوارئ خلال مدتها على حالات مواجهة أخطار الإرهاب وتمويله وجلب وتصدير المواد المخدرة والاتجار فيها. كما يقتصر اتخاذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام في مواجهة الأخطار المشار إليها في الفقرة السابقة على نطاق التدابير المنصوص عليها في البندين (1)، (5) من المادة (3) من قانون حالة الطوارئ المشار إليه دون غيرها.
بهذا فإن أجهزة الأمن، بعد إلغاء البنود 2، 3، 4 الواردة بالمادة (3) لم يعد من حقها أن تباشر مراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها. ولم يعد حقا ً لتلك الأجهزة تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها، وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها، ولم يعد ممكنا ً لها الاستيلاء على أي منقول أو عقار أو الأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات.
وسواء من جانب الجماهير أو من ناحية النظام السياسي نفسه، فما من شك في أن هذا الحراك الشبيه بـ "تمطع" القائم من النوم، ما كان ليبدأ ما لم يكن قد سبقته تحولات على مستوى البنية التحتية المتمثلة في الواقع الإنتاجي ذاته. وكان كاتب هذه السطور قد بين بمقالته المنشورة بهذه الصفحة من جريدة القاهرة بتاريخ 10/4/2007 تفصيلا لهذا الربط الديالكتيكي ما بين الاقتصاد والسياسة، موضحا ً كيف استطاعت الدولة في مرحلة ما بعد الكولينيالية (منذ 23 يوليو 1952) أن تستعيد كامل هيمنتها علي البلاد، من خلال قيامها بتأميم الشركات الصناعية والبنوك والتجارة الخارجية، معيدة بذلك وضعية الفرعون الأب البونابرتي المسئول وحده عن أبنائه الرعايا، الذين سيكتفون بالهتاف له، معرضين طواعية أو كرها ً، عن تنمية قواهم الذاتية. وكان ذلك الإعراض المأساوي – بجانب عوامل أخرى خارجية وداخلية - قميناً بجلب الهزيمة العسكرية، وما تلاها من رزح البلاد تحت وطأة الديون. وما أدراك ما الديون!
لم يكن ثمة مهرب من السعي لكسب ود أعداء الأمس دائني اليوم: أمريكا وأوروبا، فُقبلت "روشتة" البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ونادي باريس، على مضض أولا ً ثم بتسليم كامل ثانيا ً، حيث اضطرت الدولة للتخلي عن ملكيتها (القطاع العام) سداداً لاستحقاقات الدائنين من ناحية، ومن أخرى استجابةً لضغوط الفئات "المريّشة" الجديدة والمرتبطة بالغرب في صورة الوكلاء التجاريين (الكومبرادور) وكان ذلك كله خليقاً بمولد حياة سياسية مختلفة، حلت فيها الأحزاب محل التنظيم الواحد، وانتقلت بها الدولة من موقع المهيمن الأوحد إلي موضعٍ من بين مواضع إنتاجية يسيطر على بعضها المستثمرون الأجانب والعرب، وعلى بعضها الآخر رأسماليون "مصريون" انفتحت شهيتهم على وراثة أملاك الدولة بقدرتهم على سداد رسوم التسجيل! هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم اسم اللبراليين الجدد. وهكذا باتت الدولة تتنافس مع هؤلاء جميعاً حيناً، وتهادنهم أو تتغاضى عنهم أحياناً، وربما شجعتهم في أحيان ثالثة تحت شعار "المستثمرون أولى بالمعروف" خاصة بعد تسلل ممثليهم إلى حزب الدولة وبسط نفوذهم على العديد من أجهزتها المختلفة. ليبرالية ناقصة وجماهير بائسة كان المفترض أن يواكب تخلي الدولة عن احتكارها لملكية وسائل الإنتاج بما أطلق عليه "الإصلاح الاقتصادي" انتعاش الفكر الليبرالي بما يسمح بإصلاح سياسي مواز ٍ، لكن ذلك لم يحدث، لأسباب أهمها تهميش طبقة الرأسمالية الوطنية وحليفتها طبقة البورجوازية البيروقراطية، مقابل توحش الرأسمالية الكومبرادورية التي لا ترحب إلا بمصالحها الآنية على حساب بؤس الجماهير، أضف أن الدولة بتراثها التاريخي المعروف في مصطلح علم الاجتماع باسم "دولة الطغيان الشرقي" لم يكن سهلا ً عليها التنازل عن سلطاتها الواسعة بجرة قلم. وهكذا ظلت الليبرالية ناقصة، وبقيت الجماهير تعاني البؤس والفاقة حتى إذا لم يبق في القوس من منزع انطلقت السهام من كل مكان وفي كل اتجاه. صحيح أنه لا يوجد حتى الآن ربط لدى الجماهير بين ما هو فئوي معيشي وبين مجمل السياسات الحكومية المتردية، وصحيح أن المعارضة السياسية مازالت منحصرة بين النخب، لكن ذلك لا يعني بقاء الفجوة بين هؤلاء وأولئك على حالها إلى الأبد. ذلك لا غرو مناقض لطبيعة الوجود. ثمة حراك سياسي قادم لا ريب فيه مما يدعو للتفاؤل الحذر أنه في هذه المرحلة الفارقة من مراحل تطور مصر نحو الديمقراطية، ثمة ما ُيجرى وينبغي
العض عليه بالنواجذ، فلقد وضح للجميع حكومة ومعارضة أن الولاء السياسي للوطن ينبغي له أن يعلو الحكومات والأحزاب والأيديولوجيات ودليل ذلك اعتراف الحزب الحاكم بحق الجماهير في التظاهر حتى أن نوابه قاموا رسميا ً بتوبيخ النائب البلطجي الذي طالب بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، فضلا عن قيام رئاسة الدولة بتحجيم قانون حالة الطوارئ – كما أشرنا آنفاً، والدليل الثاني انطلاق الحوار بين الأحزاب "العلمانية" وجماعة الأخوان المسلمين (المتطلعة للنموذج التركي!) بغض النظر عن إخفاق
الجماعة في مسعاها لتغيير صورتها كتنظيم فاشي، لكن مجرد إطلاق الحوار كفيل بإحداث تغيرات هيكلية خاصة داخل الأجيال
الشابة المنتمية للجماعة. ومن ناحية أخرى فلقد شحبت "الإسلاموفوبيا" (وحقيقتها الخوف من عودة الدولة الدينية) حيث تبين
للعلمانيين وللأقباط وللمسلمين أن الدولة المدنية هي الضمان الأوحد لحرية الفرد والفكر والعقيدة، كما تحقق الجميع أن ما أشار إليه الدستور في مادته الثانية من كون "الإسلام دين الدولة" لا يعني الحكم الديني. حيث المخاطب بهذه المادة ليس القاضي بل
المشرع الذي عليه أن يتجنب ما لا يرتضيه الإسلام كإباحة البغاء أو تعدد الأزواج.. الخ وقد أكدت المحكمة الدستورية
العليا انعدام الأثر "القانوني" للنص على ديانة رسمية للدولة بما أكدته المحكمة من أنه لا يجوز في مفهوم حرية العقيدة أن تيسر
الدولة سرا ً أو علانية ً الانضمام إلى عقيدة ترعاها إرهاقاً لآخرين من الدخول في سواها، أو يكون تدخلها بالجزاء عقاباً
لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها، وليس لها إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض دون إخلال بحق الدولة في
إقامة الاحتفالات الدينية المتعلقة بالإسلام، واعتبار أعياده الدينية عطلة رسمية.ومن جانبها رأت الدولة أن يكون يوم 7 يناير
مولد المسيح عليه السلام عيدا ً رسمياً مراعاة للشعور الديني للمواطنين الأقباط، بما يبرهن على أن الوحدة الوطنية حقيقة واقعة.
ولعل تجذر هذا الفهم الدستوري، بجانب العوامل أخرى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المستحدثة والتي أشرنا إليها هو ما
دفع بالقطار السياسي للتحرك مبشراً بالوصول إلى غايته المرجوة: التغيير الشامل. مهدي بندق