قصص جمال فايز كما رأتها لودميلا سفرجالي

بقلم: حسن توفيق
جمال فايز يرقص على حافة الجرح

في كل زمان ومكان، يتفاوت الناس فيما بينهم، ففيهم الأقوياء والضعفاء جسدياً، وفيهم الأذكياء والأغبياء عقلياً، وفيهم من لا يسكتون على أذى أو إهانة، وفيهم من يتجرعون الصبر دون أن تنطلق من أعماقهم ولو صرخة احتجاج واحدة. وهناك الإنسان- الوردة، الذي يحب أن يبث عطره دون انتظار لأن يشكره أحد، وهناك الإنسان- الثعلب، بما يحوكه من حبائل وفنون خداع، وهناك الإنسان- الحرباء الذي يتلون ويتشكل وفقاً لما يحقق له رغباته ومصالحه، وهناك الإنسان- اللبلاب، الذي يتسلق على أكتاف الآخرين، لكي يحقق ما يبغيه دون أن يقوم بأي جهد يذكر.. وهكذا.. هكذا.
أعرف الصديق جمال فايز منذ خمس عشرة سنة وربما أكثر، لكنني لا أستطيع التحدث عنه إلا من زوايتين، لاواحدة، فهناك جمال فايز - الإنسان، وهناك جمال فايز- الكاتب الفنان من قطر. وأرجو ألا يندهش أحد حين أصف الإنسان في جمال فايز بالطيبة وحب المرح والرغبة الصادقة في مساعدة الآخرين، والقيام بما يتحمس له من تفريج كُربة كل محتاج، أما الكاتب الفنان فيه، فإنه يتميز بالمكر والدهاء والقدرة على التغلغل في أعماق الناس والتغلغل في جوهر الحياة، وحين أتحدث عن الإنسان يستند حديثي الى الصداقة الطويلة، أما حين أتحدث عن الكاتب الفنان، فإن الحديث يستند الى قراءة ما أبدعه في فن القصة القصيرة، وأحياناً القصيرة جداً والتي لا تتعدى بضعة سطور.
المعاصرة حجاب .. هذه مقولة تراثية عربية، يتأكد عمقها وصدقها باستمرار، حين ندرك أننا قد ظلمنا القريبين المعاصرين لنا، لمجرد أنهم قريبون ومعاصرون، حيث تبعدنا الألفة الشديدة عن رصد امكانياتهم وقدراتهم ومواهبهم، بينما قد نهتم بالبعيدين وبالغائبين بحكم الرهبة المبثوثة في أعماقنا تجاههم، وفي هذا السياق فإني أتصور أن كتابنا ونقادنا العرب الذين أتيح لهم أن يتابعوا أعمال جمال فايز القصصية قد أجمعوا - دون اتفاق بينهم وخاصة أنهم ينتمون لأقطار عربية متعددة- على أن هذه الأعمال تستحق الإشادة بها، وتثير في النفس الإعجاب بموهبة صاحبها، ولكن حين تأتي الإشادة ويأتي معها الإعجاب من باحثة ليست عربية، تعيش في أرض بعيدة عن أرضنا العربية، فهذا ما ينبغي أن نسعد به حقاً، وهذا ما كان، حين حصلت الباحثة الأوكرانية لودميلا سفرجالي على درجة الماجستير بامتياز عندما رصدت العلاقات الاجتماعية كما تتضح في قصص جمال فايز.
بحصول الباحثة الأوكرانية لودميلا سفرجالي على درجة التخصص في اللغة العربية وآدابها بعنوان العلاقات الاجتماعية في قصص القاص القطري جمال فايز تكون دراستها التي نالت بها درجة الماجستيرهي الأولي من نوعها التي تتناول موضوعها دراسة الأعمال القصصية لكاتب قطري.
أشرف على الرسالة التي حصلت عليها الباحثة الأوكرانية بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف وباللغة الروسية الاستاذ أسامة قنوع أستاذ اللغة العربية في جامعة سمفربول، والمشرف الاستشاري الاستاذ عبدالرحمن محمود المحمود المحاضر في تاريخ الأدب العربي في جامعة كييف الوطنية للغات قسم اللغة العربية.
وتعكف لودميلا سفرجالي حاليا على ترجمة الأعمال القصصية للقاص جمال فايز تمهيداً لطباعتها وتوزيعها في كتابين باللغة الروسية.
يعد القاص جمال فايز صوتا مميزاً في القصة القصيرة الرمزية المعاصرة.. تميز قصصه الجمل القصيرة، والإيقاع السريع، واللغة المكثفة، وشاعرية اللغة.. واهتمامه بالموروث الثقافي القطري الحاضر في أغلب أعماله القصصية.
صدرت للقاص على مدى ثلاثة عشر عاماً ثلاث مجموعات قصصية، هي على التوالي: المجموعة القصصية سارة والجراد عام 1991م، وتنتمي الى المدرسة التقليدية. والمجموعتان التاليتان الى المدرسة الرمزية وهما المجموعة القصصية الرقص على حافة الجرح وصدرت طبعتها الأولي في الدوحة عام 1997م، والطبعة الثانية في القاهرة عام 2001م ويتوقع ان تصدر الطبعة الثالثة في بيروت خلال شهر أغسطس القادم، كما انها نشرت في شبكة الإنترنت وباللغتين العربية والانجليزية.. وتم إعداد قصتين من قصص المجموعة في عملين مسرحيين على مستوي المسرح الشبابي. وأخيراً مجموعته القصصية الثالثة الموسومة الرحيل والميلاد التي صدرت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث عام 2003م.
وبالرغم من قلة الإصدارات الأدبية للقاص جمال فايز إلا ان مجموعاته القصصية حظيت باهتمام الكتاب والنقاد العرب بين دراسات نقدية ومقالات أدبية.. منها: دراسة نقدية مطولة بعنوان آليات التشكيل السردي في القصة القصيرة المعاصرة في التسعينات الرقص على حافة الجرح نموذجاً للدكتور مراد عبدالرحمن مبروك.. ودراسة نقدية بعنوان يتجول داخل ذاته ويتأمل عالما يقتضي لحظاته -رصد دقيق لبيئة الخليج القديمة في مجموعة الرحيل والميلاد للشاعر والناقد زهير غانم ومقالة بعنوان جمال فايز والخروج من مأزق النص التقليدي للناقد المرحوم أنور جعفر ومقالة الكلمات تحولت على يديه الى باقة ألوان- جمال فايز ينطلق من البيئة القطرية الى شمول الروح الانسانية للناقدة الأديبة والشاعرة عزة رشاد ومقالة التّركيز الآسر عند جمال فايز للمستشار الشاعر حسين نجم ومقالة جمال فايز في مجموعته الرحيل والميلاد لغة حكائية رشيقة مفعمة برمزية الحياة والموت للناقد والمخرج المسرحي أكرم اليوسف، ودراسة نقدية بعنوان بين ميلاد يبشر بالبدايات ومجهول ينذر بالنهايات جمال فايز كاتب متمرد على الرتابة ويتشوق لكل جديد للناقد شعبان يوسف، ودراسة نقدية بعنوان عناصر الثبات والتغير في تجربة جمال فايز القصصية للدكتور الناقد صالح هويدي.. وغيرها كثير من الدراسات والمقالات الأدبية والنقدية.
يذكر ان القاص جمال فايز الذي يكتب القصة منذ العام 1986م .. ومنح العضوية الشرفية من نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي عام 1995م.. ورشحت مؤخراً إحدي نصوصه القصصية ضمن قصص خليجية للسلسلة الإذاعية قصص خليجية والمسلسل من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
لكل فن أدبي ملامحه الخاصة التي تميزه عن سواه،لكن الفنون بشكل عام، والفنون الأدبية بشكل خاص،تتقارب وتتآلف فيما بينها، وعلي سبيل المثال فإن الشعر الملحمي القديم يقترب في بعض ملامحه من الرواية حينا ومن القصة القصيرة حينا آخر،كما أن في القصة القصيرة المكثفة والمصفاة من الشوائب رائحة الشعر، وفي بعض المواقف المبثوثة في ثنايا روايات عديدة نجد الشعر متغلغلا فيها، وعلي الرغم من أن جمال فايز لم يزعم أبدا أنه شاعر، ولم يكتب الشعر وإن كان يحبه ويتذوقه،فإن قصصه القصيرة تبدو قريبة من الشعر الجميل، بما يتجلي فيها من تركيز آسر ومن تكثيف ساحر ومن بلورة للجملة من أية شوائب قد تعلق بها ومن رسم للصورة الفنية الباهرة أحيانا والساخرة أحيانا أخرى، والتي تتواجه فيها المتناقضات والمفارقات، لتشكل- في تواجهها- ملمحا من ملامح الحياة النابضة بالصراعات.
أما ما يجعلني أصف جمال فايز بأنه كاتب ماكر، فيتمثل في موهبته التي أتاحت له أن يرصد ما هو عام وإنساني من خلال ماهو خاص وجزئي، ولهذا السبب فإن قصص جمال فايز ليست قطعا من الشكولاتة التي تذوب في الفم بسرعة، بقدر ماهي أشبه ما تكون بالوجبات الدسمة التي تتطلب استغراقا في المضغ، وتمهلا عند الهضم، ولأن جمال فايز-كما قلت- كاتب ماكر، فإن الذين يحبون الشكولاته يجدون مبتغاهم حين يقرأون قصصه بصورة متسرعة،كما أنهم الذين يقبلون على الوجبات الدسمة يجدون ما يطلبون عندما يعيدون قراءة هذه القصص بدل المرة مرات ،حتي يتمثلوا ما تضمه من دلالات، وما قد تتضارب بشأنه التفسيرات ،ونلتقي الآن مع بعض الذين قرأوا قصص جمال فايز، ممن يحبون الوجبات الدسمة.
في دراسته لمجموعة الرحيل والميلاد تغلغل الشاعر والناقد زهير غانم في الرموز المتنوعة الشفافة التي استخدمها جمال فايز ليقدم من خلالها رصدا دقيقا لبيئة الخليج القديمة، ويقول زهير غانم: ..يبدو أن القاص جمال فايز آثر أن يتطارح في قصصه الناس الهامشيين الطيبين الوادعين المستسلمين للحياة كما هي،والذين عاصروا مرحلتين ،مرحلة الطبيعة والغوص، ومرحلة النفط والتحول.
أما الدكتور صالح هويدي، فإنه يري: إذا كان الحس المأساوي والنغمة السوداوية هما اللذان يميزان العالم السردي لمجموعة الرقص على حافة الجرح من جهة وهيمنة تكنيك القصة- العظة،فإن ملمح تكثيف البنية السردية تكثيفا ملحوظا يبدو واضحا هو الآخر، حتي ان عددا من هذه القصص لايمكن تصنيفه إلا ضمن النمط المعروف بالقصة القصيرة جدا، وهو التكنيك الذي نلحظ امتداده في قصص مجموعة الرحيل والميلاد بالقدر نفسه من الحرص.
أما الشاعرة والكاتبة عزة رشاد، فإنها تري ان الكلمات قد تحولت على يدي جمال فايز الى باقة ألوان، وأن الكاتب الفنان ينطلق من البيئة القطرية الى شمول الروح الإنسانية، ونقرأ ما كتبت:
.. لا يستطيع قاريء المجموعة القصصية الرحيل والميلاد للقاص والأديب المتميز جمال فايز إلا أن يظهر اعجابه بأشياء كثيرة يزخر بها إبداعه سواء في الشكل أو المضمون.
فبالنسبة للشكل فإن ما يميزه هو هذا البناء الفني للنص الذي اختاره الكاتب لكل قصة كي يحقق مضامين معينة لا يصلح لها ولا يبرزها إلا هذا البناء.
أما المضمون فأهم ما يميزه هو تناوله لأحداث تتنوع تداعياتها وفكرتها وهي حقائق واقعة في كل مجتمع أيا كانت ثقافته لأنها تمس الإنسان وتهم الإنسان سواء على الصعيد الثقافي أو الاجتماعي والأسري.
ومن أجمل ما يميز هذه المجموعة القصصية الرحيل والميلاد انها احتوت على ست عشرة قصة جاءت في ايقاعات سريعة وبجمل قصيرة وحوارات قصيرة مكثفة ودالة بالمضمون الذي يبتغيه القاص، وتتراوح هذه القصص بين ثلاثة محاور أو مضامين.. الأول هو الجانب الموروثي والآخر هو الاجتماعي والثالث هو الإيحائي أو الرمزي.
ففي قصة ما تبقي من شظايا المحار نجد ان الذات الكاتبة تختفي تماما لتجعل من الكاتب مصورا وفنانا تشكيليا يجعل من الحروف ألوانا فيصور لنا مشهد هجوم الآلات الحديثة التي تلوث بضوضائها هدوء الشاطئ وجماله فتحجب جمال البحر وتجثم على رماله الناعمة الذهبية ما تبقي من شظايا محار وتحاول ان تغطي على الصوت الرخيم الشجي الذي يغريك سماعه.
ومن خلال هذه اللوحة الفنية تصلنا رسالة الكاتب جمال فايز وفكرته الواعية فهو يقصد بهذه الآلات الحداثة.
أما البحر فهو الاصالة والجذور وأن ما حدث على الشاطئ انما هو تحديث وليس حداثة هو الدعوة للدوران في مدارات العبث والانفلات من جذورنا الاصيلة من المنطق السليم نحو الهذيان وليس التجميل، ولأن الحداثة لا تعترف بالميراث فجاءت بهذه الرافعات الحديثة لترص أحجارها لتحجب به البحر وما تبقي من شظايا المحار.
وكما استخدم المؤلف عنصر المكان والزمان في القصة ليفصح عن اتجاه الوعي فهو استخدم ايضا المجاز والرمز واللون لتبدو لنا تلك اللوحة التشكيلية التي اختتم بها القصة.
التفت ناحية الغرب حيث تسير الشاحنات بعضها وراء بعض، تصغر، تختفي في قرص الشمس الأحمر القاني.. .
(التفت ناحية الغرب) أي مبعث الحداثة التي جاءت شاحناتها منه لتدمر البحر ثم تعود.
فالحداثة بمثابة محاولة يائسة للهروب من الحاضر ومن المجتمع.. .
وبعد فقد كانت هذه السطور بمثابة تحية من القلب لجمال فايز - الإنسان الطيب والمرح، والكاتب الفنان الماكر، وأتمني أن يتدفق مكره عبر مجموعة قصصية مقبلة، كما أتمني أن تتم ترجمة دراسة الباحثة الأوكرانية لودميلا سفرجالي عن العلاقات الاجتماعية في قصصه الى لغتنا العربية، حتى يتسنى لنا أن نرى ملامحنا كما رسمها لنا الآخرون. حسن توفيق