'قصر الأحلام' .. التنقيبُ عن وجه آخر للصراع

تتوزعُ الرواية على وحدتين أساسيتين

على الرغم من حالة طغيان العلم على حياة الإنسان ومُحاولة تفسير الظواهر المحايثة للكائن الإنساني، وفقاً للمنهج العلمي ونزع طابع الغرابة والسحرية من نشاطاته، غير أن هناك جوانبَ لا يُمكنُ معرفتها بالاعتماد على المُعطيات العلمية مع أن لها جذورا في تجارب بشرية، إذ يُعَدُ الحلمُ بعالمه الفضفاض وكثافته ولغته المختزلة ومكوناته المتنافرة جانباً محجوباً من التاريخ الإنساني.

قديماً حاول الإنسان ربط هذا النشاط بقوى ماورائية، كما وجد فيها إشارات من قوى غيبية تنبئ بما تحمله الأيامُ الآتية، إضافة لما يتمتعُ به الحلم من الاهتمام في الثقافة الشعبية، كذلك فإنَّ النصوص الدينية لم تُهملْ ظاهرة الحلم والرؤيا، بل توجدُ إيماءات حول دور الحلم في تحديد مصائر بعض شخصيات دينية، بجانب ذلك فقد وردت الإشارة إلى الحلم في سياق الأعمال الأدبية، إذ برع وليام شكسبير في توظيف الحلم ضمن أعماله، لاسيما في مسرحية «وليام قيصر».

كما أبدع نجيب محفوظ بدوره في استثمار تقنية الحلم في مُعظم مؤلفاته خصوصا الأخيرة، لكن ما يفرقُ الكاتب الألباني إسماعيل كاداريه عن غيره في مُعالجته لموضوع الحُلم هو انعكاساته في الصراعات السياسية، إذ يتخذُ صاحب «الجسر» من الحلم ثيمة أساسية في روايته «قصر الأحلام» منشورات الجمل 2016 ويكشفُ ما بلغ به اهتمام السلطات الإمبراطورية بتفسير الحلم، بحيث جندَّت حشداً من الكوادر لفرز وكتابة وتفسير هذا النشاط النفسي، فضلاً عن تقديم تفاصيل الطقوس المرافقة لتقديم الحلم الرئيس إلى السلطان، إذ تنتشرُ في كل أنحاء الإمبراطورية مكاتب تتمثلُ وظيفتها في كتابة أحلام الناس، ومن ثُم يتمُ نقلها إلى العاصمة ليشتغلَ عليها موظفو قصر الأحلام، ومن يديره تفوق معرفته ما يعرفه إيبنوس عن سرائر الحلم، تَمرُ هذه الأحلام بأقسام معينة قبل أن تصل إلى قسم التفسير وهنا تبدأُ عملية اختيار الحلم الرئيس.

• سليل النبلاء

ينطلقُ السردُ مع انضمام مارك عليم إلى قصر الأحلام وهو من أسرة آل كوربيلي العريقة، ويتضحُ السبب وراء اتفاق أفراد أسرته حول ضرورة وجود أحد أبنائها داخل هذا المبنى المليء بالأسرار مع تعاقبِ الأحداث، ومن ثَّم يتوغلُ البطلُ في طبقات هذا العالم ويختبر طبيعة العمل داخل أقسامه المُختلفة، بما فيها قسم الأرشيف المخصص لأحلام السلاطين، إذ يراجع موظف قسم التفسير الأحلام المُؤرشفة لمُقارنة مادته الحُلمية بما يماثلها في حيثياتها السياسية والاقتصادية، إذ يصورُ الراوي العليم المُتَموضع في زاوية نظر البطل سير العمل في أقسام هذا المبنى، وأساليب فرز الأحلام ومعرفة ما هو جديرُ بإحالته إلى قسم التفسير وتشخيص الأحلام الناشئة عن أوضاع صحية غير سوية.

الأكثر من ذلك يدرك مارك عليم العلاقة بين الحلم والتحولات الموسمية، إذ في موسم الخريف تزدادُ الأحلام ما يُثقل مهمة عاملين في سرايا طابير، كما يعودُ بك الراوي إلى إكرام أحد السلاطين لمن طلع حلمه صحيحاً وخدم الإمبراطورية، ولا ينتهي العملُ بتلقي الحلم أو تفسيره فقط، بل أحياناً يُمثلُ صاحب الحلمِ في سرايا ويخضع للتحقيق. وذلك ما يتنبه إليه مارك عليم عندما يجوب في طوابق القصر.

أضف إلى ذلك أن المؤلف يتناول العلاقة القائمة بين الإمبراطورية وأسرة آل كوربيلي، حيث شهدت حالات من الهبوط والصعود، ولم يحمِ وصول شخصيات من آل كوربيلي إلى مواقع مرموقة فى الدولة من تدبير مؤامرات ضد أبنائها، وآخر من يذهبُ ضحية لهذه الدسائس هو كورت خال مارك عليم، ما يعطي زخماً لحادث إعدام كورت أنَّه يُعتقلُ خلال إحياء حفلة احتفاءً بتاريخ الأسرة العريقة، وتُشارك في المناسبة فرقة (الرابسود) التي تُنشِدُ أغنية قديمة «موشح الجسر ذي القناطر الثلاث» إذ تمجدُ هذه الأنشودة مؤسس أسرة كوربيلي، حيث بنى جسراً وذلك اقتضى وجود التضحية لكي يكون الجسرُ متيناً.

• تجاهل الإنذار

تتوزعُ الرواية على وحدتين أساسيتين الأُولى تدور حول أسرة آل كوربيلي، والثانية تتبعُ آلياتِ العمل في سرايا طابير، إذ يكون البطلُ هو الرابط بين الحقلين، وما يعرفهُ مارك عليم من خاله الوزير عن محاولات لنقل صراعات سياسية إلى أقبية قصر الأحلام وذلك عن طريق دس أحلام مؤلفة بغرض تصفية شخصيات معينة يكشفُ معتركاً جديداً في فضاء السياسة، وهذا ما يروم المؤلف إماطة الغطاء عنه عبر بناء الحدث القائم على أركان الحلم، إذ يتجاهلُ ماركُ حلماً يمرُ عليه أكثر من مرة أثناء عمله في قسم الفرز.

وصاحب الحلم هو بائع الخضار مع أنه يحاول فهم رمزية الحلم وتفكيك عناصره، لكنه لا يتعمق في دلالته، كما لا يدور بخلده أنَّ هذا الحلم من شأنه أن تكون له تداعيات على أسرته، وتركيبة الحلم هي الآلة الموسيقية المجهولة، الثور الهائج، الحقل المُغطى بالنفايات، الجسر العتيق. إذ تقع عينا مارك على الحلم نفسه في قسم التفسير، كما تتكرر الإشارة إلى هذا الحلم أكثر من مرة ما يجعله مُحركاً في منظومة الحدث الروائي، إذ عقب إعدام كورت ومقتل المُنشدين وتلطيخ آلاتهم بالدم داخل قصر آل كوربيلي، يتوقع مارك إقصاءه من المؤسسة الحساسة، ويمرُ بحالة نفسية متأزمة، لاسيما بعد إبلاغه بأنَّ عملية مداهمة الحفلة جاءت بناء على تحليل الحلم الذي فات مارك عليم إدراك أبعاده.

وبذلك موقع المؤسسة التي تغص بما يراه الناس في منامهم ودورها على خريطة السياسة، إذ يرمز الجسر في الحلم إلى أسرة مارك عليم، كما أن الآلة الموسيقية إشارة إلى ما ورد من ذكرهم في الأناشيد، فيما يوحي الثور الهائج بوجود قوة، وما يثير القلق أكثر لدى مارك هو أن يُفسر إهماله لتفسير الحلم بأنَّه عمل مُتَعَمَد، هكذا تتالت وقائع الرواية إلى أن يرتقي مارك عليم خلافا لما كان ينتظرُ إلى منصب نائب المدير العام لمؤسسة سرايا طابير، بعدما ترجح كفة الصراع لخاله الوزير، فالأخير زود ابن اخته بمعلومات عن مفاعيل الأحلام في الصراعات السياسية، إذ أن حلماً وحيداً قد أدى إلى مذبحة الزعماء الألبان في مونا ستير، كما وضعت الأحلام نهاية لحياة بعض شخصيات سياسية.

تردُ أحلام بأشكال وتركيبات متنوعة في سياق هذا العمل الذي يقومُ على جملة من الثيمات السجالية مثل الهوية وصراع النفوذ والعوائل في إطار الإمبراطوريات العملاقة، يُذكرُ بأن من مناخ الرواية يتبين بأنَّ الأحداث تدور في مرحلة ما قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية، وما يؤكدُ هذا الإحساس هو إيراد الإشارات عن ظهور التنظيمات السرية وانتشار الفوضى في أجزاء معينة من الإمبراطورية، ما ينطبعُ في ذهنك بقراءة هذا العمل أن ما يقلق السلطة ليس انتفاضات الشعوب فحسب، بل ما تحلمُ به أيضاً يُشكلُ مصدراً للتوتر.