قصة كتاب .. 'الإجماع النادر .. الشعراء ينشدون في تحية خليل مطران'

نصوص أنشدها الشعراء في تحية خليل مطران

صدر هذا الكتاب سنة عشر وألفين (2010) في سراييفو. وتعود قصة ظهوره وفكرة إعداده إلى سنة تسع وألفين (2009) حين تلقت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري دعوة من الدكتور حارث سيلاجيتش رئيس جمهورية البوسنة والهرسك آنذاك؛ لتنظيم الدورة الثانية عشرة لتوزيع جوائز المؤسسة بسراييفو. وكان من المقرر أن تعقد هذه الدورة في شهر أكتوبر/تشرين الأول من سنة عشر وألفين (2010)، فرحبت المؤسسة بالدعوة وبدأت في التفكير في اختيار الشاعر الذي تحمل الدورة اسمه.

وعلى الفور بدأ رئيس المؤسسة الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين مشاورات واسعة ﻻختيار شاعر الدورة وانتهى منها إلى اختيار شاعرين يطلق اسميهما على الدورة أحدهما الشاعر العربي المسيحي خليل مطران، واﻵخر الشاعر اﻷوروبي المسلم محمد علي (ماك) دزدار. وقد وجد هذا اﻻختيار قبوﻻ واسعا بين أعضاء مجلس أمناء المؤسسة التي كانت قد قطعت بالفعل خطوات واسعة في عقد ندوات حوار الحضارات والتقارب بين الثقافات إلى جانب ندواتها الشعرية التي أصبحت من التظاهرات الدورية الرئيسة في الحياة الثقافية العربية.

وبالفعل شرعت المؤسسة، وكنت نائب أمينها العام لشؤون البحوث والدراسات آنذاك - في اتخاذ اﻹجراءات اللازمة لتنظيم هذه الدورة، وفي مقدمتها تشكيل اللجنة العليا المنظمة للدورة. وهي اللجنة المسؤولة عن اختيار محاور الندوة ومطبوعاتها واﻹصدارات المصاحبة لها وبرنامج جلساتها والباحثين الرئيسين والباحثين المناقشين وترشيح ضيوف الندوة والمشاركين فيها وما إلى ذلك من أعمال .

وقد شرفت بعضوية هذه اللجنة وتشرفت بأن أزامل فيها نخبة من أبرز أستاذة اﻷدب العربي داخل الوطن العربي وخارجه منهم اﻷستاذ الدكتور أحمد درويش (جامعة القاهرة) واﻷستاذ الدكتور عبدالله المهنا (جامعة الكويت) واﻷستاذ الدكتور خليل موسى (جامعة دمشق) واﻷستاذ الدكتور أسعد دراكوفيتش (جامعة سراييفو) واﻷستاذ الدكتور محمد موفاكو (الجامعة اﻷردنية).

وكما هو معروف فإن من ثوابت اﻷصدارات المصاحبة لكل دورة من دورات مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للابداع الشعري، كتابا ذا طابع ببليوغرافي يرصد حضور شاعر الدورة في المؤلفات العربية المعربة. وكان أن كلفت المؤسسة الصديق العزيز والزميل الفاضل اﻷستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك بإعداد كتاب بعنوان "خليل مطران في المصادر العربية". وما إن انتهى الدكتور المرزوك من إعداد الكتاب حتى عهدت إلي المؤسسة بمراجعته تمهيدا للدفع به إلى المطبعة. غير أني ﻻحظت أن الكتاب يخلو من كثير من المواد التي تتصل بموضوعه وفي مقدمتها عشرات المقالات التي كتبها خليل مطران في الصحف والمجلات اﻷدبية والتي شكلت تراثا نقديا قيما كنت قد عكفت على جمعه وتوثيقه وإعداده للنشر بتكليف من المؤسسة وأصدرته بحمد الله تحت عنوان "خليل مطران .. الوجه الآخر .. الكتابات النقدية". فاتصلت بالدكتور المرزوك وعرضت عليه تزويده بهذه المواد التي في حوزتي ﻻستكمال كتابه، فإذا به يطلب مني نظرا ﻻنشغاله - أن أقوم بهذه المهمة على أن يكون الكتاب تأليفا مشتركا بيننا.

وكان هذا اﻻتفاق سبباً في أن أعود مرة أخرى إلى مراجعة عشرات المصادر والدوريات العربية التي يظن أنها تشتمل على مواد تتصل بمطران سواء ما كتبه هو أو ما كتبه عنه غيره ، إلى أن منَّ الله تعالى علي بإنجاز هذا العمل.

ولكن ما لفتني في جمع المواد الببليوغرافية الخاصة بخليل مطران هو وجود ذلك الفيض الهائل من القصائد التي كتبها شعراء عصره احتفاء به وتكريما له في حياته وبعد وفاته. وهو ما دفعني إلى تحري هذه القصائد وجمعها وتحقيقها واقتراح نشرها في كتاب مستقل يصدر بمناسبة انعقاد دورة خليل مطران ومحمد علي (ماك) دزدار.

وقد صدر هذا الكتاب في ستين وثلاثمائة صفحة (360)، مشتملا على خمس وتسعين قصيدة ومقطوعة (95) تشتمل على خمسين وثمانمائة وألفي بيت من الشعر (2850) أنشدها ثلاثة وسبعون شاعرا (73)، جلهم من أعلام الشعر العربي في القرن العشرين؛ إعجابا بمطران وتحية لفنه وشخصه.

ومن يقرأ نصوص هذا الكتاب يلحظ أن معظمها يرتبط بأربعة سياقات تستحوذ على ثمانية وسبعين نصا شعريا (78)، أنشدت احتفاء بمطران في أربع مناسبات رئيسة:

أولها: إنعام الخديو عباس حلمي الثاني على خليل مطران بالوسام المجيدي سنة اثنتي عشرة وتسعمائة وألف (1912).

وثانيها: في عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف (1947) حينما أنعم عليه الملك فاروق اﻷول برتبة البكوية.

وثالثها: عند وفاة مطران سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف (1949) .

ورابعها: في احتفال المجلس اﻷعلى لرعاية الفنون واﻵداب والعلوم اﻻجتماعية بالجمهورية العربية المتحدة (زمن الوحدة بين مصر وسوريا ) عام تسعة وخمسين وتسعمائة وألف (1959) بمرور عشر سنوات على وفاة مطران.

وقد آثرت أن أرتب هذه النصوص جميعاً ترتيبا تاريخيا كاشفا عن فكرة اتصال اﻻحتفاء بمطران وتكريمه على امتداد ما يزيد على نصف قرن من الزمان عبر مناسبات مختلفة في مختلف العصور فقد كرم مطران تحت سلطة الدولة العثمانية وسلطة الملكية المصرية وكرم اسمه في عصر الجمهورية كذلك.

غير أنّ ما يجدر اﻻنتباه إليه وتأكيده في هذا الصدد، هو أن كثيراً من هذه النصوص الشعرية التي كتبت احتفاء بمطران، قد استطاعات أن تتخطى مأزق المناسبة وأن تتجاوز حدود المباشرة والسطحية التي يفرضها شعر المناسبات؛ بل يمكن لمن يقرأ هذا الكتاب أن يلحظ بوضوح أن عددا غير قليل من هذه القصائد تمثل قطعا فنية خالصة ونماذج إبداعية فريدة، وذلك ﻷن الشعراء الذين أبدعوا هذه القصائد كانوا يؤمنون بأنهم ينصرفون في قصائدهم إلى تمجيد القيم السامية التي يمثلها خليل مطران، مع قناعة راسخة بقيمة ما قدم مطران الفنان واﻹنسان على حد السواء.

ومن أبرز الشعراء الذين جمع هذا الكتاب أشعارهم في اﻻحتفاء بمطران أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإسماعيل صبري وولي الدين يكن وشبلي الملاط وعباس العقاد وبشارة الخوري (اﻷخطل الصغير) وشفيق جبري وعدنان مردم بك وأحمد زكي أبوشادي وخليل شيبوب والعوضي الوكيل ومحمد عبدالغني حسن وصلاح اﻷسير وصلاح لبكي وسعيد عقل وغيرهم من أعلام الشعر العربي في القرن الماضي، في إجماع نادر على شخص مطران وفنه؛ وهو الملحظ الذي لفتني إليه الكاتب المسرحي الكبير اﻷستاذ عبدالعزيز السريع أمين عام مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري آنذاك وكان سببا ﻻختيار هذا العنوان الدال الذي تصدر ما جمعت من نصوص أنشدها الشعراء في تحية خليل مطران.