قصة قصيرة: غيبوبة

بقلم: محمد عطية محمود

انعكست الأنوار المنبعثة، من مخادعها بترابيع السقف الصناعى، على الحوائط اللامعة، وأرضية ممر "العناية المركزة" المزججة. اصطدمت بالخطوات الملهوفة للأحذية المدببة الكعوب.. يتباين ايقاع تقابلها مع الارض، نحو الباب العريض المغلق في نهاية الممر.. يشع من خلال زجاجه ضوء فسفوري خافت.. تبرز اسفله عبارة "ممنوع الدخول".
في التفاتتين متقابلتين تلاقت الاعين المذعورة المعتصرة.
من خلف نظارة سوداء مذهبة الاطار، تسللت العينان الخضراوان.. تتفحصان قواما خمريا لدنا،لا يحجبه سوى فستان من الحرير الشفاف.. يتألق علي الكتفين والظهر شعر اسود كثيف، يخفي ذراعي نظارة شفافة.. ترتكز على انف دقيق، امام عينين زائغتين يتداخل فيهما اللون الاسود مع العسلي.. تقتربان من القد الممشوق الاهيف.. تتحققان من الوجه المشرب بحمرة زادها الاعتصار توهجا، تحت مظله شعر ذهبي ملموم.
همست كلتاهما في ذات اللحظة " هي... !! ؟ "
امسكت الشقراء حقيبتها بكلتي يديها، فاردة بهما ذراعيها لصق اعلي فخديها. يستلقي ظهرها الي احد جانبي الباب.. تجتاحها النهنهات و الزفرات الخافتة.. يتأرجح رأسها المثقل بين الحائط، وصدرها المهتاج.
حلقت "الاخرى" في محيطها.. يكتنفها توتر متزايد، تزيح السكون الممض.. تثير فيها نهم التحقق من هويتها.. تخلط اوراقها التي ما تكاد تتجمع حتى تتفرق...
"مازالت صورته المتلألئة تتصدر خيالك، وضوء لمعانه يغزو فكرك وكيانك.. نجما يزغو وسط النجوم.. تتشبع به زوايا نفسك.. كم الهبتك مغامرتك للايقاع به، والهبته سياط انوثتك المبهرة علي اغلفة المجلات، وكم خمدت مع ورقته المطوية تحت وسادتك الباردة.. تؤرق عليك لحظات التنعم الفاتنه.. تجرك نحو مصير لا تدرينه، مرهون خلف باب مغلق حيث يرقد بلا حراك".
ايقظتها نظرات الاخرى.. تثقب جدارها المتداعي.. تدنو منها للحظة، بعبق انثوي مختزل.. يطوف في ذاكرتها.. يختلط بعبقه المتميز.
انقبضت. فرت منها نظره مسعورة نحوها. قابلتها "الاخرى" بنظرة حائرة قلقة.
خلف زجاج الباب، تداخلت اخيلة.. اثارت احتكاكا خفيفا بالارض ؛ فاندفعتا تكادان تلتصقان بالباب. اصطدمتا، ثم ابتعدت احداهما قليلا.
انتفض عليهما الباب؛ فابتعدتا ليغادر الطبيب بخطوات حازمة، وبقسمات وجه ترفض السؤال.
التقت اعينهما.. تملؤها الدهشة والريبة، ولم تجرؤ اي منهما على فض بكارة صمتها.
انتقلت الخمرية، فلزمت احد جانبي الممر.. تجتر اللحظة الي اعماقها المتناهية..
"بعد ان عصفت بك عيناه الصافيتان المؤنستان، اعتادت دقات قلبك ان تقودك في اتجاهه.. دفء صوته المتسلل عبر اسلاك التليفون، يحول بينك وبين كل ما حولك.. جعلك تغوصين في اعماق الانسان ؛ فزهدت نفسك كل شئ سواه، حتى صار لك صوتا وصورة، وتعلقت باحباله الواهية، رغم ما تعلمين، وما ينغص عليك حلمك من عقبات".
تسلطت نظرة كل منهما نحو الاخرى.. تغزو كل ما فيها بلا تحديد...
غافلهما الباب؛ فانفتح مرة اخرى على امرأة قتلها النحيب.. تستند الى مرفق احدى الممرضات، ثم اغلق تماما على عتمة احتوت كل ما بالداخل. محمد عطية محمود
الاسكندرية - مصر