قصة قصيرة: تنبؤات شهرزاد في مستقبل بغداد

بقلم: كلشان البياتي

نسج الحكايات ليست عملية سهلة ولا يجيدها أي شخص مهما بلغت درجة العبقرية والذكاء عنده، وشهرزاد بغداد، ناسجة الحكايات، كانت تعاني كل ليلة من نسج الحكاية، لإرضاء شهريار ذلك العصر، ولشطب الخيانات من ذاكرته، حتى تأمن نساء بغداد من غدر رجال بغداد فيما بعد، ويعشن في سلام ومودة، بعد أن فاحت رائحة الخيانات من قصور الخلافة، وخافوا من انتشارها داخل حجرات الرعّية وغرف نومهم.. كانت الأميرة شهرزاد تنسج أحلى القصص والحكايات عن بغداد، تحكي كل ليلة حكاية لتعتق رقبة امرأة من الذبح، تنسج حكاية ولكن ليس أي حكاية، بل حكاية تسحر قلب الملك شهريار، وتسلب لبه، وتجذب عقله قبل روحه.
حكت الأميرة الفادية والمضحّية بنفسها من اجل الجيل القادم من نساء بغداد، ونساء عصرها- حكايات جميلة وعذبة عن بغداد، واختارت شخصيات مؤثرة مثل الشاطر حسن، والتاجر سندباد، وحسن البصري، وعلي بابا وحرامي بغداد الأربعين، والعصفورة ياسمين، وعلاء الدين ومصباحه السحري، والأميرة شجرة الدر، والمغني المشهور عثمان الموصلي والمطربة سمر هد، والرشيد ومغامرته مع الجواري في قصور بغداد.
حكاياتها كلها، كانت عن بغداد في عز أمجادها وازدهارها، حكت عن انتصارات بغداد وزهوها أبان المنصور، والرشيد، وخلفاء بني العباس، وحكت عن بغداد أبان عهد شهريار نفسه وكيف أن التجارة ازدهرت، والأسواق عمرت، والبنيان ارتفعت، كانت شهرزاد تقرأ نفسية شهريار قبل قص أي حكاية ونسجها، وتقرأ أن الملك يقضي وقته في إدارة شؤون المملكة، ويصرف جهده في أمور الرعيّة، وعندما يأتي إلى فراشه في الليل، يريد مثل أي رجل أن يقضي وقتا ممتعا مع زوجته وحبيبته في الفراش، ويكره أن يعّكر مزاجه أي شي، فهو يؤمن مثل أي رجل بغدادي أن غرف النوم خاصة للمتع، والليل في إطارها يجب أن يكون ممتعا وشيقا، وكل الشؤون الخاصة بالرعيّة يتم تناولها وتداولها خارج الغرفة، ومن هذا الباب، امتنعت شهرزاد عن نسج أية حكاية محزنة ومؤثرة ممكن أن تؤثر سلبا على نفسية الملك، وتجعله يسترد وعيه ويقف على المؤامرة التي تدبرهّا له من خلف الستار، لكبح جماحه، وحمله على التخلي عن نيته السوء- بالانتقام من كل النساء وذبحهّن بعد كل ليلة طرية وشيقّة مثل الدجاج..
كانت شهرزاد تنسج حكاية في الصباح وترغب أن تقدمها للملك في الليل على كأس من الحب والهيام، لكنها كانت تغيّر الحكاية عندما يقتحم الملك عليها غرفة النوم، تنسج حكاية أخرى غير التي صاغتها في الصباح، كانت القوى تخونها، وتخشى أن يقف الملك على أصل الحكاية، ويكتشف إنها تدّبر لعبة إنقاذ بنات بغداد ونسائها من عملية غدر أكيدة يدبرها الملك خلف الكواليس في سبيل إنقاذ كرامة الرجال التي أهينت عندما شاعت خيانة الملكة بين الخدم والحشم.
وكان الملك يطمح أن يسمع حكايات جميلة عن بغداد، فهو رجل "عنيد"، ماكر، داهية كبيرة لا يسمع لأحد، ولا يتناقش مع احد، وبغداد في نظره كانت جميلة ولياليها مليحة، وبغداد منتصرة أبدا، والجيوش تحرس أسوارها أبدا، وحكايات بغداد كلها تسر، ولا يوجد في تاريخ بغداد، قصة نكبة، أو نكسة، ولا قصة حزينة واحدة تزعج الملك وتؤثر على نفسيته.
عندما كان الملك يخلد إلى النوم، بعد كل حكاية ثرية تنسجها شهرزاد من مخيلتها، كانت تشعر بتأنيب الضمير والإحساس بالعذاب، وكانت تشعر إنها تخدع الملك، وتنام ليلتها مرهقة وخائفة، ومرعوبة، فقد يأتي يوم ما، ويكتشف الملك إنها كانت تنسج الحكايات من مخيلتها، وحكاياتها كلها غير واقعية، وتفتقر إلى الحقيقة، والصدق..
ليس كل الحكايات منسوجة من ذاكرة شهرزاد ومن بنات أفكارها، بل كانت تقتبس بعض الأفكار من الخدم الذين تجالسهم، ولاسيما بواب زنجي اسود "عرفان"، كان الملك قد عينه لحراسة باب غرفة نومها الذي كان يتجاوب معها، ويفتح لها الباب بين الحين والأخر، إذ كان قلبه يلين مثل سيده في بعض الأحيان، ويضعف أمام النساء الجميلات وباهرات الفتنة مثل شهرزاد، جميلات قصور الملك، وأجمل نساء المملكة. وكانت شهرزاد تبوح له بكل ما يجول في خاطرها من أفكار، إذ كانت مشكلتها الوحيدة هو العثور والوقوف على حكاية جميلة مُسلية ٌينسي الملك همومه، وينسيه قضية الخيانة، فكانت تستمع إلى البواب وتنصت إليه جيدا، إذ كان البواب ذكيا جدا، ولا بقا في الكلام، ويعرف الكثير عن بغداد، وله مغامرات نسائية كثيرة، وكان الملك قد خصه بحراسة أبواب عشيقاته وجواريه أثناء غزواته لفتح البلدان، والمماليك وضمها إلى مملكته، فكان هذا البواب يجالس نساء الملك، ويسمع منهن الحكايات والقصص فتكوّن عنده بمرور الزمن- مجموعة قيمة منها وكانت له قدرة كبيرة على صياغة الحكايات، ونسجها من مخيلته أيضا، وشهرزاد كانت تأخذ منه، وتعطيه أيضا، لكي لا يشعر بأنها واقعة في مأزق، وتحاول التخلص منه، فيبدأ بابتزازها والوشاية بها إلى الملك، فكانت تقتبس بعض الحكايات والتي كانت تعجز عن نسجها من مخيلتها.
ويحكى أن شهرزاد كانت قد نوت في ليلة من ليالي الإنس على قص حكاية حزينة للملك تكون حكاية حقيقية ليست من نسج الخيال، وليست مقتبسة من حكايات البواب "عرفان"، بل تحكي له عن الدمار والخراب الذي سيلحق ببغداد على أيدي بعض من الرعيّة، فبغداد جميلة، وتسّر النظر، ويهيم بها كل من دخلها وغادرها، وستصيب بغداد وتنالها (العيون) بالحسد، لذا فإنها ستطلب من الملك أن يعلّق في أبوابها (فردة نعال)، وبعض الحرز، ويحسن الملك اختيار حراّس أبوابها، وأسوارها -من خيرة الرجال، ويختار الملك لكل جندي باسل- جارية من الجواري تعمل على تنشيط قلبه وذهنه كي لا يترك البوابة دون حراسة، وان يمنح من الأجازات وقتا كافيا، يقضي فيه حاجته من المتع والأنس.
كانت شهرزاد قد نوت "فعلا" أن تحكي عن محن بغداد في سالف الدهر والأوان، وقالت: سأحكي له أن لكل عصر مغول، وما حدث لبغداد في فترة احتلال المغول الأولى، سيتكرر في عصر أخر، وابن العلقمي الذي قتله المغول بعد الاكتفاء من عمالته وخيانته لبغداد، بتسليمه لمفاتيحها، سيظهر له حفيد، بل أحفاد في عصر أخر، وسيقدمون بغداد ذبيحة مرة أخرى للمغول على طبق من ذهب.
كانت شهرزاد قد نوت وعزمت أن تحكي للملك عن اجتياح المغول لبغداد في فترة أخرى لكن البواب عرفان توسّل بها، وأقنعها أن تعدل عن رأيها، لأنه اعتاد إن يحرس بوابتها، واعتاد على رؤية وجهها الصبوح كل يوم، ولن يستطع أن يفارق ضحكتها، فالملك إذ سمع حكاية لا تسر عن بغداد، فربما سيهم بقتلها، وقتل كل نساء بغداد حتى وأن هام حبا بهّن، لكن شهرزاد رفضت، وأصرّت أن تحكي، لأن ضميرها يؤنبها، ولم تعد قادرة على حجب الحقيقة عن الملك، وتمضي في خداعه فترة طويلة، ولاسيما إنها تعشق بغداد وتخاف عليه من المغول والتتار..
قالت شهرزاد نقلا عن سكان بغداد الاصليين أن المغول عندما اجتاحوا بغداد للمرة الأولى عاثوا فيها فسادا، ودمروها بالكامل، رموا الكتب بالترع، وفي نهر دجلة، بعد أن احرقوا المكتبات، قتلوا الرجال، والأطفال، وسبو النساء، وهدموا المساجد وبيوت الله، واستمروا بإهانة الناس، واذللهم فترة طويلة إلى أن انتهى حكمهم، وولى زمانهم، وفقدوا أمجادهم.
وسأحكي للملك شهريار هذه الليلة حكاية بغداد مع المغول بعد كذا سنة عندما يجتاحها مغول مرة أخرى، وبمؤازرة أحفاد "ابن العلقمي" - سيدخلون بغداد، وينهبون المكتبات، والمتاحف، سينهبون الكتب، والأثار، والتحف، يهينون الأطفال والنساء، ويداهمون البيوت والمساجد، ويعتقلون الشباب والرجال، سيحصل لبغداد مثلما حصل لها في الاجتياح الأول، وسأقص عليه، وأقول له دون خوف أو وجل: "لأن المؤامرات يا مولاي، لا تتوقف على بغداد، والدسائس تحاك تحت العباءات وفوقها، وفردة النعال، والجنود- لا تحمي بغداد من العيون والحسد، لذا ينبغي قطف رؤؤس العملاء من الجذور كي لا تمتد أغصانهم، وتفوح رائحتهم وتنتشر أمدا طويلا، فتنتقل عدوى العمالة بين الرعية.
شربت شهرزاد فنجان قهوة من يد البواب عرفان، وتأملت فيه المستقبل، وقرأت عن مصير بغداد عندما يجتاحها المغول في المرتين الأولى والثانية، وقالت لعرفان: سأقص على الملك حكاية تسره، وتنسيه هموم الخيانات كلها، أقص عليه صولات وبطولات الفتيان في ارض (شنعار)، فرسان بغداد يجهزون بكل قوة على جرذان المغول، ويفتكون بهم، وينالون منهم، وسيجبرون على ترك ارض (شنعار) إلى الأبد..
قال البواب عرفان للأميرة شهرزاد: أن الملك لا يؤمن بالتنبؤات، وهو لا يستاء إلا من العّرافات، فإذا علم أن مولاتي الأميرة تجيد فنون قرأة الكف، والفنجان سيأمر بقتلها حتما، وقتل النساء عند مولاي أسهل من ذبح دجاجة.
قالت شهرزاد: لكن الملك سيستمع إلى أخبار انتصارات بغداد بعد كذا سنة، والخبر هذا سيدخل الفرح إلى نفسه، وليس الغم، لأن الملوك لا يفرحون إلا إذا استمعوا إلى أخبار انتصارات دولهم، ومماليكهم، حتى بعد موتهم.
وقالت شهرزاد: قصصت على الملك في الليالي التي انقضت حكايات عن ما مضى، لكني أريد أن أطلعه علما -بما يجري في سالف العصور والزمان.. بغداد ستمر بنكبات كثيرة، ويجتمع عليها- أعداء كثر، وستجتاحه مغول ما في كل عصر، ويحدثون فيها الدمار والخراب لكنها ستستيقظ وتنهض من جديد، وستسترد رونقها وبهائها، وتعود إليها نضارتها، في أخر اجتياح لها، ستحقق انتصارات كبيرة وتهزم أساطيل المغول في البحار، وطائراتها في السماء، ومشاتها في الأرض.
دخلت شهرزاد غرفة نوم الملك، وكانت مٌصرة أن تحكي وتسرد له حكاية بغداد في سالف العصور والزمان، لكنها أبصرت البواب عرفان وهو يسترق إليها النظر من خصاص الباب، ويؤم إليها أن لا تفعل، وكان يرسل إليها اللمزات، والغمزات من الثقوب والفسحات، فداخل الخوف قلبها، وشعرت أن البواب عرفان يهيم حبا فيها، وإذ حكت الحكاية، سيقع (البواب) صريعا من الخوف عليها، وينتبه الملك إلى وجوده، فيحسبها تخونه"أيضا"، فغيرّت الحكاية، وحكت عن ليالي الإنس في بغداد، أيام الرشيد وزوجته زبيدة بنت جعفر.

كلشان ألبياتي
كاتبة وصحفية عراقية Golshanalbayaty@yahoo.com