قصة قصيرة: الثؤب

بقلم: السيد نجم

غالبا ينام و يستيقظ اهل البيت و الجيران على صوت تثاؤب "فكرى" فهو على حال التثاؤب قبل ذهابه الى سريره و بعد النهوض منه لمدة ساعة كاملة.
عرفوه بطقوسه التثاؤبية، معلقا بها بين ارجاء الشقة حتى نافذة الحمام المطلة على مسامع الجيران ..فأطلقوا عليه لقب"الثؤب".
منهم من يفسر تلك الحالة الغريبة بأن الرجل يعبر عن سعادته ومنهم من يؤكد انها تعبيرا عن حاجة الرجل الى النوم دوما .. والا بماذا نفسر ذبول جفونه المنتفخة تلك؟!
أما صاحب الحالة فله رأى آخر.. يقول: "أنا أتثاءب فى الصباح للتخلص مما يحدث معى ليلا وفى آخر الليل كى أنزع عن نفسى مما كان منهم طوال ساعات النهار..". و لما لمح البسمة المندهشة يسعى لأن يفسر.. فيؤكد أنه بتثاؤبه يلملم اشلاءه فتنداح البسمة ضحكة لا يقدرون على اخفائها.. يشعر بالهزيمة فيصمت.

فى صبيحة اليوم الاول لزواجه استيقظت العروس على شىء يشبه الرعد أو هكذا ظنت عندما سمعت صوتا مفاجئا قويا عميقا يأتيها. انتفضت وجدت نفسها عند زاوية الجانب الآخر من السرير مرتكزة على ركبتيها و راحتيها ممدودة الرقبة, مبحلقة الى ذاك الذى كان الى جوارها.
دوما تسمع صوت التثاؤب هنا أو هناك أو حتى لممثلى السينما و التليفزيون هى نفسها تتثاءب . ما حدث أنها للمرة الأولى تسمع هذا التثاؤب الغامض.. رجلها يطلق صوته فجأة قويا لا يخبوالا بعد أن تنتابه رعشة من التقلصات العصبية لساقيه و ذراعيه و كأنها صرخة "طرزان" فى الغابة.. و الا بماذا تفسر تلك النشوة التى انتابته حتى شعرت كأنها تفوق نشوته بعروسه الصغيرة!
مع ذلك لك أن تتساءل :كيف تنهض الزوجة فزعة الآن فور سماع صوت نهنهات أحد صغارها بالغرفة المجاورة بينما لم تعد تسمع صوت تثاؤب زوجها الا لماما.
بمضى الوقت لم تعد الزوجة تسمع صوت تثاؤب زوجها البته لم تعد تراه رجلا فارع الطول عريض المنكبين ذا صندوق منتفخ فى موضع الصدر وبطن ممتلىء ..أوجزته على هيئة الشفتين السوداوتين المكتنزتين وقد تكورتا للالتهام..اما على شكل القبلة أو لقضم الرغيف المبروم.
منذ زمن لم تسمع حديثا يجمعهما فى جلسة خاصة. تتذكر آخر ما كان بينهما بشأن طقوس تثاؤبه وقد نهرته غضبة فى اشمئزاز فما كان منه الا التمرد فى غضبة طفوليه يقول:" كى أتأهب اليك .. كنت أتثاءب قبل النوم "
ألمت بها بسمة مريرة مع الذكرى ....
تابع وحده: " كى استطيع الانزياح عنك.. كنت اتثاءب عند الاستيقاظ"
انتابت فكرى حالة جديدة للتثاؤب.. أن يتثاءب بلا صوت.. بلا شهيق عميق الى أغوار صندوق صدره ولا انفراجة متسعة لما بين شفتيه فى زفرة طويلة لكنه يخال نفسه على حال التثاؤب .. فكانت بلا صوت ولا صرخة طرزان و كأنه يخشى البقاء فى الادغال!.