قصة قصيرة:الهــزّة

بقلم: علا سمير حمامة

فجأة .. وجدتني أترنح وأنا في بداية الممر المؤدي إلى مكتبي...استندت بكف يدي المطبق إلى الحائط...ترى هل اهتزت ذبذبات اتزاني إلى هذا الحد بكلماتك الحانية الواعدة.
يدي المأسورة بنبضات سلامك لا تقوى على إلصاقي بالحائط.. ساعدتني يدي الأخرى الحرة على أن أغير اتجاهي.. نعم.. سأعود أدراجي إلى من تركته من عدة ثواني.. سأعود إليك.
سأعلن لك عضويتي الرسمية في جمعية محبي الرمح الذي لم ينثني أمام أية تحديات أو سلطات.
أعرف إنك لن تدهش.. فمن يحتفظ بتقدير الأضداد مؤيدين ومعارضين لن يدهشه وَلَهُ تلميذة عملية.
لا أعرف لماذا يطول الممر المهد وأصبحت كأني أشق طريقي بين مرتفعات ومنخفضات.. لا أعرف لماذا يترنح باقي المحررين.. هل ينظرون إلى بدهشة.
أكاد أراهم يتبادلون النظرات المضطربة… هل شحوبي وهزالي وهيامي بك سيكون عنوان الطبعات الصباحية؟ لا شــيء أكبر من خفقاتي تهزهم.. تشتتهم .. ثم تجمعهم فيتبادلوا كلمات سريعة مضطربة لاهثة وما يلبثوا أن يتفرقوا في اتجاهات متباعدة.. بعضهم يشير إلى.. يصرخ في .. أطبق على أذني فلا أريد أن أسمع شيئاً بعد كلماتك الثابتة… الأصوات ترتفع بصراخ.. عويل.
فجأة كل شيء أصبح متحركاً: الأبواب، النوافذ، الأوراق، المعلقات على الحوائط، المدليات من الأسقف تهتز وتسقط في نفس اللحظة حتى الكراسي أصبحت متحركة… أبحث عنك بنظراتي الزائغة.. تصطك أسناني.. تتسارع نبضاتي… تتثاقل خطواتي المرتجفة… الأصوات تعلو.
هـا أنت تخرج من مكتبك وتأتي كعادتك في الوقت المناسب لتهدئ روعهم.. أي رختــر يخيفني وأنت تتجه صوبي مسرعا.. الممر يخلو إلا مني ومنك… تستند بيديك صوب الحائط كأنك شمشون يسند المعبد.. ازددنا اقترابا.. أبحث في عينيك عن نجمتي اللامعة التي أخرجتني من شرنقتي ذات ظلام لأطوف مدارات أفلاك أيام كان صباحها شموس ولياليها بدور قمرية…
ورأيت لحظتها كسوف الشمس.. غابت إشراقة ابتسامتك المطمئنة.. مددت إليك يدي المطبقة لتمسك بها.. لتسندني …فــــــ … رددتها أطحت بها في الهواء فانفرجت وسقطت نبضاتك من كفي…. أطحت بكل من وقع في طريقك.. ركضت كمتسابق محترف في حلقة عدو... وكسبت الجولة... وهدمت معبدك المشيد في وجداني!
لا أعرف لماذا تسمرت في مكاني.. انزلقت بظهري على الحائط وقبعت القرفصاء.. أخذت أرقب الأقدام تتجمع.. تتفرق كقطيع أغنام في جميع الاتجاهات… بعضهم ينتزعني من كتفي.. ينهرني.. فأتثاقل أكثر… وأكثر لأبقى.. فالهروب عبث تماما كما البقاء..كنت أشعر دائما إنني خلقت لأبقى في هذا المكان من أجلك أنت وأن الله يجدد عقد بقائي في الحياة لأراك وأتعلم منك… والآن أنت تركت المكان وذهبت خارجه، فلن أتركه حتى لا ألقاك في سواه... سأبقى أراقب تمثالك المهدوم… مازالت الأيدي ترفعني وتحركني فوق الأرض المتحركة.. تتناقلني من مكان لمكان.
لا أعرف متى أدركت إنني أصبحت في الشارع؟ وأن العمارات المجاورة مازالت تقذف بسكانها وأن مكاني وملجئي قذفني كما قذفتك من احترام وجداني؟
مازال المقذوفون يتبادلون النظرات المرتعدة، يديرون رؤوسهم في كل الاتجاهات قبل أن يكتشفوا لذهولهم توقف الهزات وأنهم ما زالوا أحياء…
وها أنت يا رجل الأرض الثابتة تقترب…. لم أكن أتصور قط إنك تنظر إلي.. لا بل حتى تمر أمامي دون أن تتزايد دقات قلبي.. تتلاحق أنفاسي وتختل الأدوار الرئيسية لحواسي.. إنك لا تثير في سوى شعور التعجب بعدم الاكتراث بوجودك… لا.. بل شعور اللاشعور.
هل كنت وهما نسجه خيال البيئة الساكنة الهادئة هزته شعارات لامعة براقة.. هل كان ما لك بسبب مساحة تواجدك الجغرافي في خارطة أيامي؟ مجرد التعود على التواجد في إرسال يومي محدود البرامج؟ سأغلق نافذتي المفتوحة على عالمك.. وأعود لشرنقتي التي قرضتها ذات يوم وأرممها بالدروس الرخترية. علا سمير حمامة