قصة ظهور طالبان

اسلام اباد - من محمد يوسف كوكار‏
قوات طالبان قوبلت في البداية بترحيب شعبي كبير

كانت ليلة من ليالي الشتاء القارس تصفر فيها رياح ثلجية تلك التي مرت على قرية "كرار" الافغانية عندما اختطفت الفتاة جيل ‏ ‏بيهار ذات الخمسة عشر ربيعا وتعرضت للاغتصاب ثم نالت ضربا مبرحا حتى الموت‏.

وبعد عشرة أيام، وفي قرية محاذية تبعد كيلومترات قليلة من "كرار"، كادت نفس المصيبة أن تلحق بفتاة أخرى لولا أن معلم مدرسة صغير في مسجد محلي تدخل واستعان بتلاميذه ليسترجعوها ويتعقبوا الجناة ويعاقبوهم وفق التقاليد السائدة من العقود القديمة في هذه المنطقة.‏

ودفعت حادثة أخرى وقعت في قرية مجاورة بأم الضحية الى التماس العون من نفس معلم المدرسة فيما عرض عليه والدها جائزة مجزية، ليعود هذا المعلم وتلاميذه من جديد ليمارسوا سلطة مطلقة فكانوا هم القضاة والمحلفون والجلادون.‏

وهذا المعلم، الذي كان قد تخلى عن دراسته الدينية بعد عامين فقط من التحاقه بدار العلوم الحقانية في شمال باكستان، يدعى محمد عمر وعرف تلاميذه فيما بعد ‏ ‏باسم"طالبان".‏

وكانت مسألة وقت فقط حتى حازت هذه الجماعة التي تمارس بذاتها الادعاء والقضاء على شعبية ساحقة، وجذبت طلبة العلم من كافة أصقاع البلاد الذين تهافتوا للانضمام اليها لتحوز بعد أن قويت شوكتها اسم "طالبان" وهي الميليشيا الحاكمة حاليا في أفغانستان.‏

وأبرز الدور السياسي لـ "طالبان" لقب "ملا" ويعني المكانة الدينية والعملية العالية لحامله والذي أضفاه كبير علماء دار العلوم الحقانية "مولانا" سمي الحق على المعلم السابق محمد عمر مما أكسبه احترام لوردات الحرب اللذين نصبوه أميرا أدوا له البيعة على السمع والطاعة.

وتنقسم أفغانستان تقليديا الى فرقاء لكن شيئا واحدا فقط يجمعهم على رغم اختلافاتهم وهو الدين مما مكن "طالبان" أن تتفوق على خصومها وتسيطر على معظم الاراضي في فترة قياسية لتعلن بعدها "الجهاد" وتنتصر على القوات الروسية بمساعدة الولايات المتحدة والمخابرات الباكستانية و"مولانا" سمي الحق الذي أمده بالاتباع.‏

والغريب ان"مولانا" سمي الحق الذي فقد كل قاعدته الانتخابية في موطنه باكستان ولم يتمكن حتى من الوصول الى كرسي البرلمان رأى في صنيعته "ملا" محمد عمر الامل المنشود لتعزيز مكانته الدينية والسياسية فانضم الى "طالبان" التي منحه كل قادتها العسكريين بمافيهم عمر نفسه الاحترام الذي طالما سعى اليه.‏

ويتهم الديوبندين (خريجي مدرسة ديوبند الدينية) في باكستان "مولانا" سميع الحق الذي أصبح محط أنظار وسائل الاعلام الغربية و"ملا" عمر ودار العلوم الحقانية بأنها ألعوبة بيد العالم الغربي بأكمله.‏ وعزت ذلك الى أسباب منها أن معظم القادة العسكريين بما فيهم "مولانا" جلال الدين حقاني ومولوي محمد يونس خالص وعبد رب الرسول سياف وحكام جلال اباد وقندهار هم من تلاميذ دار العلوم الحقانية.‏ وهذا المعهد الديني الذي يستحوذ اهتماما غير مسبوق منذ السنوات القليلة الماضية لدى وسائل الاعلام أسسه والد "مولانا" سمي الحق وهو "حضرة مولانا" عبدالحق وكان قوام تلاميذها آنذاك 12 تلميذا أخرج خلال العقود الخمسة الماضية أو أكثر الاف التلاميذ معظمهم من الافغان الذين انخرط أكثرهم في صفوف حركة "طالبان" الحاكمة.‏

وفي العقد الماضي أو يزيد انضم الالاف من خريجي معهد سمي الحق الى جيش "طالبان" المتنامي.

وبدا ظاهرا أن سمي الحق "يؤمن" بأن الاسلام ليس له منافس ويجب أن يكون له الغلبة على العالم بأكمله وذلك تحت سيادة وحكم رجل واحد هو "أمير المؤمنين" حسب نظام "الخلافة" الذي ساد العهود الاسلامية الاولى.‏

ويردد سمي الحق وملا عمر أثناء اقامة شعائرهم الدينية بأنه أولا "يجب القضاء على اليهود والصهيونية " كما قال الاول أيضا في خطبة الجمعة قبل أسبوعين بأن "على الولايات المتحدة أن ترحل عن الشرق الاوسط وأن توقف دعمها لاسرائيل وأن تنسحب عن ‏ ‏كل الدول الاسلامية الاخرى وعندها فقط يمكننا ان ننظر في مسألة تسليم الرجل الاول المطلوب عالميا اسامة بن لادن".‏

وبهذا فان "مولانا" سمي الحق أضحى نافذة "طالبان" التي تطل منها الى بقية العالم بأيديولوجيتها وزوده اتصاله الدائم بالاعلام بأرضية خصبة لاعلان "الجهاد" ‏ ‏اذا ماهوجمت الاراضي الافغانية وليس سرا أن دار العلوم الحقانية حاليا تعبئ الجنود لتزج بهم بين صفوف الافغان في حربهم ضد الولايات المتحدة.‏

وأدرجت حاليا حركتي "المجاهدين" و"الرشيد" على قائمة المنظمات الارهابية التي تم تجميد أصولها وأرصدتها حول العالم.‏ الا أن ذلك لم يمنع هاتين الحركتين الجماهيريتين في باكستان من الاستمرار في ‏التعبئة في الحرب المقدسة وهو الامر الذي يحتل أهمية خاصة على طاولة مجلس الدفاع الافغاني الباكستاني الذي يحضره غالبية الاحزاب الدينية الرئيسية في المنطقة.‏

وفي خطابه الافتتاحي لاجتماعات المجلس قال سمي الحق "سنقف في طريق أي بلد يحاول العبث باستقرار أفغانستان أو مهاجمتها وسنعلن الجهاد ضد كل بلد تستخدم أراضيه في الحاق الضرر بطالبان كما سنعلن التمرد على حكومة باكستان اذا استمرت في ‏ ‏الخضوع بين يدي اللوبي الصهيوني".(كونا)