قصة تيريشكوفا، اول رائدة فضاء في العالم

موسكو - من اولغا سوبوليفسكايا
تريشكوفا وجاجارين: اول رجل واول امرأة يحلقان في الفضاء

تكمل فالنتينا تيريشكوفا اول رائدة فضاء في العالم, عامها الـ 65 وهي واحدة من اولئك الذين بفضلهم احتلت روسيا مركز الصدارة في القرن العشرين في غزو الفضاء.
وتقول تيريشكوفا ان "هدف كل تاريخ رواد الفضاء هو تحقيق الانجازات الباهرة". فقد حلقت الى الفضاء في عمر 26 عاما في حزيران عام 1963 بعد عامين من انطلاق اول انسان الى الفضاء, والذي كان ابن بلدها يوري غاغارين. وقد امضت في الفضاء على متن مركبتها الفضائية "فوستوك - 6" 3 ايام.
اما لماذا وقع الخيار على فالنتينا تيريشكوفا بالذات وليس على طيارة شابة اخرى فلذلك تفسير اتضح منذ مدة ليست ببعيدة اثر الكشف عن ارشادات نخبة قيادة الحزب الشيوعي في البلاد التي كانت تولي الاعتبار السياسي الاهتمام الاساسي ولذلك فانه جرى البدء بالعمل على اختيار مرشحين لهذه المأثرة الفضائية التي لا سابق لها. فالارشادات اشارت الى ان رائدة الفضاء الاولى يجب ان تكون ناشطة سياسية، ومن عائلة عمالية وغير متزوجة, وجاء شخص تيريشكوفا ليتوافق مع كل هذه الشروط.
لقد بدأت تيريشكوفا طريقها الى الفضاء، والتي حملت اليها المجد كاحدى اعظم النساء في القرن العشرين, من خلال التدرب في نادي الطيران. فالى جانب رفيقاتها من مصنع ياروسلافل على نهر الفولغا حيث عملت بعد انهائها للمدرسة التقنية للتدرب على رياضة القفز بالمظلة.
وبعد تحليق يوري غاغارين كتبت رسالة تطلب فيها ان تقبل في صفوف رواد الفضاء بعد ان كانت قد اصبحت رياضية مجربة نفذت اكثر من 160 قفزة بالمظلات. قبل طلبها واستدعيت الى العاصمة من اجل التدرب ودراسة التقنيات الفضائية.
وتتذكر تيريشكوفا: "يوم العمل في مركز ادارة التحليقات يبدأ عند الساعة التاسعة صباحا, وعندما ينتهي في الساعة السادسة مساء كنا نواصل العمل, كان يبقى لدينا وقت للنوم والاعداد الفيزيائي وحسب. الاخصائيون من المعاهد الاكاديمية كانوا يقرأون لنا المحاضرات. وتم اعدادنا على يد المرشد الرئيسي سيرغي كوروليف بعناية فائقة, ان سماع مديح منه كان يشكل وساما عظيما فهو لم يكن قط يتساهل معنا".
عرفت تيريشكوفا في اللحظة الاخيرة في المطار الكوني بانها هي بالذات من سيحلق الى الفضاء. وكانت جاهزة لهذا الامر "احست جسديا بقرب الانطلاق". وقد هنأها رواد الفضاء وسألوها ما اذا كانت قد نسيت ان تضع في جيب بذلة رواد الفضاء مرآة صغيرة لتنظر اليها حين تضع احمر الشفاه وبودرة التجميل!.
"على المتن كل شيء على ما يرام والمزاج جيد احاول بشرف القيام بتنفيذ المهمة", هذه هي كلمات تيريشكوفا من الفضاء. وعندما حطت كان النصر بانتظار محبوبة الجماهير, كما غاغارين. فقد كتبت عنها المقالات ونسجت القصائد حولها وصورت الافلام عنها, وزينت صورها كل الاماكن كما وصلتها رسائل الاعجاب. وكانت على الدوام تسافر في البلاد والى الخارج.
وقال غاغارين بانها قامت من خلال تحليقها بتقديم هدية رائعة الى كل نساء العالم. ولاحظت اجيني كوتون رئيسة الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي "لقد كنت كما الكثيرون واثقة بانه اذا حلقت يوما من الايام امرأة الى الفضاء فستكون روسية, وان واقع هذا التحليق بحد ذاته يشير الى ان المرأة في كل مكان يمكنها ان تكون مساوية للرجل". لقد قيل الكثير في تيريشكوفا حتى اضحت رمزا جديدا لبطولة المرأة.
وبالطبع ففي الاتحاد السوفييتي انتظروا ايضا نتائج سياسية وهي لم تتأخر بالظهور. فكتبت احدى الصحف اليابانية "يجب الاعتراف بان الولايات المتحدة الاميركية تتخلف عن الاتحاد السوفييتي في التحليقات الفضائية", ورد فعل "فرانس برس" كان مشابها: "ان المأثرة السوفييتية الجديدة أكدت بشكل اكبر على تفوق الاتحاد السوفييتي على الولايات المتحدة الاميركية في مجال غزو الانسان للفضاء".
في حزيران العام 1963 كان هناك حدث من البديهي انه لم يستنفد النصر السياسي للبلاد, ولا سيما ان تحليق تيريشكوفا ادى دورا هاما للعلوم. فحينها في بداية الستينات كان من المهم ادراك كيف ستتفاعل الطبيعة الجسدية للمرأة في ظروف انعدام الوزن والضغط. فقد سردت تيريشكوفا: "في البداية كان مخططا ان يكون البرنامج ليوم واحد الا انه كان لدينا مع كوروليف اتفاق: اذا كان الاحساس الداخلي جيدا في اليوم الاول فهذا يعني انه يمكن التحليق لثلاثة ايام" وتم الامر على هذا النحو. وقد ساعدت الدراسة الطبية لتجربة تيريشكوفا في المستقبل على ان تقوم رائدتا الفضاء الروسيتان سفيتلانا سافيتسكايا ويلينا كونداكوفا في ما بعد بتكرار هذه الامر اضافة الى نساء اجنبيات اخريات.
وفي احد المؤتمرات الصحافية الاولى التي عقدتها تيريشكوفا بعد تحليقها وفي ردها على سؤال للصحافيين حول خططها المستقبلية قالت "اريد ان اتعلم, اريد التحليق". في عام 1969 انهت الاكاديمية الهندسية للطيران العسكري وبعدها اضحت مرشحة للحصول على دكتوراه علوم تقنية وطيران عام.
ان الثقة الشعبية بها لم يكن لها حدود. وفي المجال الاجتماعي حققت ايضا النجاحات. ومنذ عام 1968 ترأست لجنة النساء السوفييت الواسعة التأثير, وبعدها اضحت نائبة لرئيسة الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي. واضافة لذلك انتخبت الى المجلس الاعلى في الاتحاد السوفييتي. وكانت كما عهدت دائما نشيطة: لقد لعبت تيريشكوفا في الفترة السوفييتية دورا اجتماعيا هاما فقد ترأست المركز الروسي العام لشؤون الثقافة والعلوم والعلاقات مع الدول الاجنبية.
ولا يمكن احصاء ما لديها من الاوسمة الروسية والعالمية, فاحيانا تتم تسمية بركان على القمر باسمها واحيانا اخرى تقام لها التماثيل البرونزية ويجري منحها الالقاب الجديدة. لقد رفعها الناس حتى السماء بعد ان قام التاريخ بذلك.