قصة المجاهد أبي حمزة: تبدأ من الملاهى!

مصطفى كامل مصطفى البداية والنهاية

إذا كنت مصرياً مسلماً تعيش في بريطانيا، فمن المؤكد أنك ستشعر بضغينة ما تجاه أبو حمزة المصري! نعم ضغينة. فقد احتل الرجل على مدى سنين طويلة الصفحات الأولى والداخلية للصحف الشعبية، التي اعتادت وضع صورته كنموذج للمسلم العربي المحرض المستغل، الذي يبث الكراهية ويحرض على الإرهاب ويقتات على أموال الشعب البريطاني الكادح ، الذي عليه أن يدفع له إيجار منزله وثمن دوائه وطعامه، ومن هذا المنطق يمكنك أيضاً أن تتفهم السر في المرارة والسخرية، التي شعرت بها عندما قرأت في الصحف كيف أن فريق الدفاع عن الرجل في أول محاكمة له في مدينة نيويورك الأمريكية، بعد معركة قضائية لتسليمه دامت سنين طويلة، قال إن لديه وثائق تثبت تعاون أبو حمزة المصري مع شرطة العاصمة البريطانية وجهاز الاستخبارات البريطانية الداخلية المعروف (ب ام اي فايف).

قد كشفت الأيام الماضية أسراراً كثيرة أدلي بها الرجل الذي أرق الشرطة البريطانية والاستخبارات والمجتمع المصري والمسلم في بريطانيا بل وفي أوروبا . فمن الذي صنع أبو حمزة المصري وكيف أصبح هذا الرجل أشهر داعية متطرف في بريطانيا ومن الذي جعل منه وحشاً أكل صاحبه في نهاية المطاف؟

من الملاهي إلى الجهاد

الاسم الحقيقي لأبو حمزة المصري مصطفى كامل مصطفى ولد في مدينة الإسكندرية في 15 من أبريل(نيسان) عام 1958. كان أبوه ضابطاً في البحرية وكانت والدته ناظرة مدرسة ابتدائية. درس الهندسة المدنية قبل أن يغادر مصر إلى إنجلترا في عام 1979 أي عندما كان شاباً في الحادية والعشرين من عمره.

في العاصمة البريطانية عمل مصطفى حارساً في أحد الملاهي الليلية وتزوج امرأة بريطانية وقرر استكمال دراسة الهندسة في معهد برايتون بوليتكنيك. ثم انفصل بعد ذلك عن زوجته البريطانية وتزوج لاحقاً مرة أخرى وأنجب سبعة أطفال.

كان مصطفى كامل مصطفى على ما يبدو مهندساً بارعاً وله مستقبل واعد، والدليل على ذلك أنه تمكن من الحصول على عقد عمل كبير لتصميم مبان في كلية "ساندهريست" العسكرية الشهيرة.

يبدو أنه كان يعتز بهذه الفترة من حياته ونجاحاته ، بدليل أنه كان يحتفظ بالرسوم التي أنجزها للكلية في منزله عندما تم القبض عليه في عام 2004، أي أنه احتفظ بها لما يزيد عن أربعة وعشرين عاماً.

في أوائل الثمانينيات أبدى الشاب مصطفى اهتماماً كبيراً بالدين الإسلامي والسياسة. وتأثر بشكل كبير بالثورة الإسلامية في إيران كما هو الحال بالنسبة لأسامة بن لادن وغيرهما. كان الاعتقاد لدى هؤلاء بضرورة إقامة دول إسلامية على الأراضي المسلمة. وقد برزت على خلفية هذا المعتقد ظاهرة "المجاهدين" الذين دعمتهم الولايات المتحدة لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.

في عام 1987 التقى أبو حمزة بعبد الله عزام الذي كان يؤمن بوجوب فرض الجهاد على المسلم. تلبية لهذا النداء ذهب أبو حمزة للجهاد في أفغانستان. وهناك فقد ذراعه وإحدى عينيه، وتقول المصادر أنه فجر نفسه عن طريق الخطأ فيما كان يقوم بتدريب "المجاهدين" على كيفية استخدام المتفجرات، لكنه طالما نفى هذه الرواية.

عاد أبو حمزة من أفغانستان إلى بريطانيا للعلاج عام 1993 لكنه غادرها مجدداً بعد ذلك بعامين بهدف مساندة مسلمي البوسنة ليشارك في الحرب الدائرة في يوغوسلافيا السابقة.

بعد انتهاء الحرب في البوسنة عاد أبو حمزة المصري ليكون أحد أبرز الوجوه على الساحة الإسلامية في بريطانيا، وبدأ يلقي الخطب بينما يدعو إلى الجهاد ضد "فساد الأنظمة في الشرق الأوسط" في عام 1997 وصل أبو حمزة المصري إلى مسجد فينسبري بارك في شرق لندن ليبدأ فصلاً جديداً من فصول حياته.

قلعة الإرهاب وسر غاز الرايسين

هناك الكثير من التكهنات التي تشير إلى علاقة أبو حمزة المصري الوثيقة بالإرهاب منذ عام 1997، وهناك تقارير تتحدث عن أن الشرطة البريطانية والاستخبارات البريطانية والأمن الداخلي، قاموا بالفعل بفرض مراقبة عليه وعلى عدد آخر من الرموز الإسلامية المتطرفة في بريطانيا. ونقلاً عن رواية لأبي حمزة نفسه، قامت عناصر الاستخبارات البريطانية بالاتصال به عقب مذبحة الأقصر الشهيرة في مصر التي راح ضحيتها 68 من السياح الأجانب.

كانت هناك شكوك حول علاقة الرجل بهذه الجريمة، التي كلفت مصر على مدى سنوات طويلة الكثير من سمعتها الدولية في قدرتها على الحفاظ على أرواح السياح، وألحقت بصناعة السياحة في مصر ضرراً بالغاً وخربت بيوت مئات الآلاف من المصريين ، الذين يتعايشون على السياحة. ضربة قصمت ظهر الاقتصاد المصري وضربته في مقتل. لكن يد أبو حمزة خرجت من غير سوء ولم توجه إليه أي تهم . ليبقى محصناً جصيناً في مسجد فينسبري بارك . الذي تمكن من تحويله إلى قلعة تحاك فيها المؤامرات الإرهابية والتخطيط لقتل الأبرياء.

في عام 1999 بدأ الرأي العام والإعلام في بريطانيا ينتبه إلى وجوده في بريطانيا، وأحقيته في الحصول على مخصصات الإعانات الاجتماعية التي تدفع من جيوب دافعي الضرائب، وعما إذا كان يستحق هذه الأموال فضلاً عن الرعاية الصحية التي تقدم له ، والمميزات الخاصة التي لا يتمتع بها الكثير من المواطنين نظراً لأنه من ذوي الإعاقة. ليس سراً أن أقول إن الصحف ذات التوجهات اليمينية وجدت في أبو حمزة المصري ضالتها المنشودة لكي تصم الإسلام والمسلمين جميعاً بهذه الصورة النمطية المشوهة للمسلم المصري الذي يعيش على أموال المواطنين الكادحين نهاراً ويكيد لهم المكائد ليلاً.

أخيراً تحركت شرطة سكوتلانديارد وبدأت بالفعل في التحقيق مع أبي حمزة في احتمالات تورطه في تفجيرات وقعت في اليمن. أفلت أبو حمزة من التهم الموجهة إليه غير أن ابنه مصطفى كامل أدين بالتورط في أنشطة إرهابية، وتم الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في اليمن. لكن أبو حمزة لم يرتدع ولم يتراجع، بل قام عوضاً عن ذلك بتحصين نفسه في مسجد فينسبري بارك الواقع شمال لندن، وخلال شهور تحول المسجد إلى ما يشبه قلعة حصينة وساحة حرب لأي شخص يحاول الدخول إليه وقام المقربون من أبو حمزة بمنع أي شخص لا يثقون فيه من الدخول إليه حتى للصلاة.

تفرد أبو حمزة بزعامة المسجد ومنح نفسه حق إلقاء جميع الخطب فيه. وفي الذكرى الأولى لهجمات الحادي عشر من سبتمبر أقام أبو حمزة "مؤتمراً" في المسجد حيث أشاد بمناقب المهاجمين.

لم يكن كافياً للإيقاع بأبي حمزة أو إدانته بتهم محددة، لكنه كان كافياً لإثارة الكثير من الشكوك وتسليط الأضواء نحو قلعة الإرهاب التي تقع علي مسافة بضعة كيلو مترات شمال لندن، وتجرى فيها "احتفالات" لمقتل الأبرياء وتمجيد القتلة تحت نظر الشرطة البريطانية.

لكن ذلك لم يكن كل شئ بدأت الشكوك تتجمع حول المسجد بظهور أدلة أخرى تفيد بأن ريتشارد ريد المعروف إعلامياً باسم "مفجر الحذاء"، كان له علاقة بمسجد فينسبري بارك، وكان ريد البريطاني الجنسية قد حاول تفجير طائرة ركاب أمريكية في رحلتها من العاصمة الفرنسية باريس إلى ميامي في دسيمبر 2001 أي بعد ثلاثة أشهر من هجمات 11 / 9.

كما أن زكريا موسوي الفرنسي من أصل مغربي (الوحيد الذي بقي على قيد الحياة وأدين بالتورط في هجمات الحادي عشر من سبتمبر) قدم إلى بريطانيا أوائل التسعينات للدراسة في جامعة ساوث بانك ، وتخرج منها عام 1997، ونقل عن أخيه عبد الصمد القول أن زكريا تورط في أنشطة إرهابية عندما كان يعيش في لندن حيث واظب على الذهاب إلى مسجد فينسبري بارك.

وبعد ذلك بعامين بدأت تحقيقات موسعة فيما وصف في الإعلام البريطاني بـ "مؤامرة الرايسين" الكبرى لإنتاج وتصنيع هذه المادة القاتلة واستخدامها لتنفيذ هجمات إرهابية. هذه المؤامرة التي كان وراءها الجزائري كمال بورقاس والذي كان يقيم داخل مسجد فينسبري بارك ، حتى إنه استخدم العنوان البريدي للمسجد في المراسلات بينه وبين مصلحة شئون الهجرة. ولدى اعتقاله في شقة في مقاطعة مانشستر في يناير 2003 قام بمحاولة الهرب وطعن شرطياً حتى الموت وحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

موقعة المسجد

ليس هناك مبالغة في القول إن مسجد فينسبري بارك كان واحداً من أجمل المساجد في بريطانيا. قد تكلف بناؤه ثمانية ملايين جنيه إسترليني، وافتتح عام 1988، وكان حينها يضم ساحة للصلاة هي الأكبر في عموم بريطانيا . وكان الكثيرون من المسلمين البريطانيين يعتبرونه واحداً من أهم المعالم الإسلامية في إنجلترا، لكن استيلاء أبو حمزة المصري عليه أواخر التسعينات وصم المسجد بشبهات الإرهاب، وابتعد المسجد شيئاً فشيئاً عن الغرض الأساسي منه، وهو أن يكون داراً للعبادة ومنارة للتعليم.

ويروي أبو حمزة نفسه أن علاقته بالمسجد بدأت بطلب من عدد من المقيمين في المنطقة بأن يقوم بالتدخل لحل خلاف نشب بين المصلين من شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا. وقبل أن تتمكن اللجنة الخيرية المشرفة على إدارة المسجد من التدخل لوقف انزلاق المسجد في النشاطات المشبوهة، كان أبو حمزة قد بسط بالفعل سيطرته على المسجد، وتمكن من تخويف القائمين على الوقف وردعهم بحيث أنهم سلموا إليه أمر المسجد، وسمحوا له بالاستفراد بإدارة شئونه وإلقاء الخطب فيه، التي كانت كلها تبث خطاب الكراهية والتحريض ونبذ الآخر، بينما "احتل" أتباعه المسجد وأقاموا فيه بصفة دائمة، ومنهم الجزائري كمال بورقاس صاحب مؤامرة الرايسين الشهيرة.

لكن اللجنة الخيرية تمكنت مع ذلك من استعادة السيطرة على مقدرات المسجد، ومنعت أبو حمزة من إلقاء الخطب فيه، لكنه ظل يستخدم المسجد وملحقاته بصفة دائمة. وفي العشرين من شهر يناير 2003 حانت ساعة الصفر اخيرا، فقامت شرطة سكوتلانديارد مدعومة بعناصر أمنية خاصة قوامها 150 عنصراً باقتحام مسجد فينسبري بارك، واعتقلت سبعة أشخاص في سابقة لم تشهدها بريطانيا من قبل، بل واغلقت أبواب المسجد بشكل مؤقت.

بينما كانت شرطة متروبوليتان تعقد اجتماعات مع اللجنة الخيرية المشرفة على المسجد ومجلس البلدية لمناقشة أفضل السبل لإعادة فتح المسجد من جديد، لم يبد أبو حمزة أي بادرة على الاستسلام ، بل على العكس اعتاد أن يؤم أنصاره للصلاة خارج المسجد ، وفي نفس الشارع في كل يوم جمعة حتى اعتقاله في مايو 2004. واستمر دون أي هوادة في حربه الكلامية على الشرطة، قائلاً إن اقتحام المسجد ما هو إلا جزء من حرب توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني آنذاك) على الإسلام. كما اتهم الشرطة البريطانية بتلفيق الأدلة التي تربط بين المسجد ومؤامرة تصنيع مادة الرايسين السامة.

واضطرت شرطة سكوتلانديارد للدفاع عن نفسها في بعض الأحيان، لتؤكد أن "عملية اقتحام المسجد" لم تستهدف المسجد كدار للعبادة ولا المسلمين الذين اعتادوا الصلاة فيه. كما أن الشرطة لم تطأ الأماكن المخصصة للصلاة، وتمت العملية في الثانية صباحاً لضمان عدم وجود مصلين في هذا الوقت من الليل.

سقوط النجم الإرهابي

الحرب الحقيقية بين أبو حمزة المصري وأجهزة الأمن البريطانية لم تبدأ إلا عندما وقعت بريطانيا فريسة لغول الإرهاب وضحية لأسوأ موجة من الهجمات الإرهابية في 7 يوليو 2005 ، والتي راح ضحيتها 52 شخصاً، وأصيب فيها نحو 700 شخص. فلدى محاكمة ثلاثة من المتهمين في هذه الحوادث وهم محمد صديق خان وشاه زاد تنوير وجيرمن لينسي أقروا جميعاً بأنهم استمعوا إلى خطب أبو حمزة المصري. كانت هذه آخر حلقة من سلسلة الاتهامات التي مكنت السلطات البريطانية من توجيه الاتهامات إلى أبو حمزة بالتحريض على القتل والإرهاب وبث خطاب الكراهية، عبر خطبه الدينية والمنشورات التي اعتاد توزيعها على المصلين.

وفي 7 من فبراير عام 2006 أدان المحلفون في قصر العدالة في أولد بيلي أبو حمزة في 11 من التهم التي وجهها المدعون إليه ، وحكم عليه بالسجن 7 سنوات ، ليبدأ فصل آخر من فصول المعركة مع أبو حمزة ، بعد أن طالبت السلطات الأمريكية بتسليمه للاشتباه في ضلوعه في "تقديم تسهيلات لإرتكاب جرائم إرهابية على نطاق دولي. لكن أبو حمزة الذي لم يسلم بسهولة للسلطات البريطانية، وراوغها وأقض مضجعها سنين طويلة، لم يكن أقل عناداً في التشبث بتلابيب العدالة البريطانية والاستفادة من وضعه كمواطن بريطاني له نفس الحقوق كأي مواطن آخر حتى وإن كان مجرماً. فالحريات والحقوق لا تتجزأ في الدول الديمقراطية.

لذا استمرت المعركة القضائية بين أبو حمزة والسلطات البريطانية ثماني سنوات. نعم ثماني سنوات كاملة قاوم فيها أبو حمزة وفريق الدفاع عنه، الذي وكلته له الدولة ودفعت له أتعابه من مخصصات المساعدات القانونية، الترحيل إلى الولايات المتحدة.

كانت حجة أبو حمزة المصري أنه لن ينال محاكمة عادلة في الولايات المتحدة، وأن هناك أسباباً قوية تحول دون توفر ذلك ، واشتكى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، لكن السلطات الأمريكية لم تكل ولم تمل من ملاحقة أبو حمزة ومطالبة لندن بتسليمه، إلى أن تحقق ذلك بعد أن تعهدت السلطات الأمريكية بعدم إرساله إلى سجن سوبرماكس، الذي يعتقل فيه الإرهابيون إذا ما تمت إدانته، وكان هذا الشرط الذي وضعته محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، وتم تسليم أبو حمزة للولايات المتحدة في عام 2012، ليقف الآن في نيويورك، ليحاكم بتهم عديدة ومنها التآمر لإقامة معسكر إرهابي بهدف تقديم العون لإرهابيين في أفغانستان، واختطاف عدد من الأجانب في اليمن وجرائم أخرى عدة.

وقف أبو حمزة امام القضاء في نيويورك ، لينسج الكثير من شباك الكذب كما يشاء، واستطاع فريق الدفاع عنه أن يستغل ثغرات القوانين في الغرب كما يشاء، لكنه سقط في النهاية في براثن مكائد الإرهاب التي حاكها سنين طويلة وخطاب الكراهية القاتل الذي أودى بحياة الأبرياء، وحكم عليه بالسجن تسعة أعوام.

محمد علي إبراهيم