قصائد في حب تيتوفا

كتب: أحمد فضل شبلول
لمسة شعرية من البلقان

جمعتني مع الأصدقاء الشعراء: عبد الكريم الخالقي (تونس) نوَّار عبيدي، ويوسف شقرة (الجزائر) شعيب أمر الله (مقدونيا) قصائد حب في تيتوفا (شمال غرب مقدونيا)، التي تقيم مهرجانا شعريا دوليا في أكتوبر/كانون الأول من كل عام، باسم شاعرها الراحل الكبير نعيم فريشر.
ولكن سبقنا نوَّار عبيدي في إصدار ديوان مستقل صغير الحجم (64 صفحة من القطع الصغير) بعنوان "تيتوفا الحب والوفاء" أهداه إلى الشعب الألباني المجاهد، وإلى تيتوفا.
يقول عبيدي عن الشعب الألباني المسلم:
لو تسقط الأمطار
يغتسل الألبان
لو تشرق الشموس
ينتفض الألبان
لو تسقط النجوم
يجمعها الألبان
لو تنتشي المآذن بنور ربها
ينتصر الألبان
ومعظم قصائد هذا الديوان جاءت أصداءً لمشاركة الشاعر في المهرجان الدولي للشعر "أيام نعيم" في شهر رمضان (أكتوبر 2004) حيث فوجئ الشاعر بكرم الشعب الألباني المسلم، وحفاوته، وحسه الشعري الرفيع، وتمجيده لرجالاته وكبار شعرائه، فتولدت القصائد تلو القصائد عن الإسكندر المقدوني، وعن تيتوفا (وهي المدينة التي تقام فيه فعاليات المهرجان سنويا)، وعن المآذن (على اعتبار أن تيتوفا مدينة إسلامية)، وعن طريبوش (وهي قرية في تيتوفا)، وعن بلانا (وهي فتاة من تيتوفا)، إلى جانب قصائد أخرى عن أيوب (إمام في قرية طريبوشن، ويتحدث العربية بطلاقة) وفاطمير (أحد الأساتذة في تيتوفا)، وأرطان (شاعر من تيتوفا)، وهكذا.
يقول عبيدي عن فتاة تيتوفا، بلانا:
عيناها كالمحيط
وعندما دخلته وجدته بسيطا
لكن أصابعي احترقت
فعدت للطريق

عيناها كالسحاب
وعندما أردت أن ألمسه
تراجعت أناملي
لأنه سراب
* آه إذا تبسمت
أو حركت خصلات شعرها اليباب
يفر الليل من أهدابها
ينتحر الضباب
***
ومن الواضح أن الرحلة المقدونية (2004) تركت آثارها على الشاعر، فلم يسجلها نثرا فقط (حيث سبق لي أن قرأت للشاعر مقالا يدخل في باب أدب الرحلات عن رحلته تلك)، ولكن سجلها شعرا أيضا، من خلال تأملاته في الوجوه، وفي الطبيعة، وفي معالم البلد ومآذنها، بل إنه يستنطق التاريخ المقدوني أو الألباني، فيقفز إلى الذهن مباشرة، الإسكندر المقدوني أو الإسكندر الأكبر، الذي يقول عنه الشاعر:
لو يظهر الإسكندر
تنتحر الجيوش
تنتحب الجبال والحصون
لو يخرج الإسكندر
تنبعث الأسود
لتنتهي خرافة النسور
لكنه
يا حظهم لن يستفيق
ويكفي عند ذكره
يرتجف التاريخ
وهناك شخصية ألبانية أخرى لعبت دورا في صناعة التاريخ الحديث، (ونقصد بالتاريخ الحديث تلك القرون التي تبدأ بالحملة الفرنسية على الشرق عام 1798 ويتفق على ذلك معظم المؤرخين) وأعني شخصية محمد علي باشا (1769 ـ 1849)، وهو أيضا من أصل ألباني (تذكر الموسوعة العربية الميسرة، أنه ولد في قولة من أعمال اليونان الآن)، وأحيانا يسمى محمد علي الألباني، الذي تولى الحكم في مصر عام 1805 م. ولكن نوَّار عبيدي لا يقترب من هذه الشخصية، واكتفي بذكر الإسكندر فحسب.
وبطبيعة الحال من حق الشاعر (أي شاعر) بل من حق الأديب أو الفنان أو الكاتب عموما، أن يختار الشخصية التي يحبها ويتفاعل معها، ويرى أنها مرآة لعصر يريد أن يتحدث عنه، أو يعكس بعض زواياه، لذا وقع اختيار عبيدي على الإسكندر، ولم يقع على محمد علي.
أيًّا كان الأمر فإن لهذا الديوان طعما مغايرا لدواوين كثيرة غيره، سواء للشاعر نفسه أو لغيره من الشعراء، فهو يحمل حسًّا عربيا وإسلاميا رائعا، تجاه بلد أوربي لم يزل الإسلام يحلق فوق ربوعه وثراه، ويلتحم بسمائه، ولم تزل المآذن هناك تنطق باسم الله، وتشهد أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول الله.
إن الأرقام الرسمية الصادرة في مايو عام 2000 تؤكد أن نسبة الألبان المسلمين في مقدونيا، تصل إلى 40 % بينما تقول السلطات المقدونية إن نسبتهم 23 % فقط من بين مليوني نسمة (حسبما ورد في موقع "مفكرة الإسلام" تحت عنوان "ألبان مقدونيا.. حقوق ضائعة وتكالب غربي").
أما موقع أقليات العالم الإسلامي فيقول:
يعيش المسلمون في مقدونيا في فقر، ورغم أنهم يشكلون 45 % من 2.400.000 هم سكان البلاد؛ إلا أنهم يعانون الحرمان، ويبدو ذلك من المساكن القديمة وأحوال المساجد التي تحتاج للترميم، ومنهم (300) ألف مسلم منحوا جوازات سفر مقدونية ولا يحق لهم الانتخاب.
وبعد سقوط النظام الشيوعي عام 1992م طالب المسلمون وهم من (الألبان والأتراك)، بحقوقهم الثقافية والتعليمية وتمثيلهم في المؤسسات السياسية في الدولة، وهذا ما لا يريده المقدون الأرثوذكس، وعلى الرغم من محاولات النظام الشيوعي السابق طمس الهوية الإسلامية وتدمير أي شيء بناه العثمانيون في فترة حكمهم لمنطقة البلقان، من مساجد ودور علم، إلا أن هناك صحوة إسلامية بين المسلمين منتشرة في جميع أنحاء البلاد، وعدد الخريجين من الجامعات الإسلامية أكثر من 40 خريجا من الدراسات العليا للعلوم الشرعية، وعدد الخريجين من الجامعات الإسلامية بالعشرات، بالإضافة إلى أن عدد الخريجين من المدارس الإسلامية كمدرسة عيسى بك وتحفيظ القرآن لا حصر لهم، والدعاة أكثر من 50 داعية من خريجي جامعات إسلامية. وتعقد اللقاءات وتلقى المحاضرات في المساجد وخاصة في شهر رمضان، وتقام حلقات لتعليم أبناء المسلمين في الجوامع، وكتاتيب تحفيظ القرآن الكريم تزيد عن 63 كتاباً.
وعدد المساجد في مقدونيا 470 مسجدا، وفي مدينة "تيتوفا" وحدها 80 مسجدا، والمسلمون حريصون على الصلاة وأداء العبادات والشعائر والمعاملات الإسلامية، وأسسوا جامعة تيتوفا الأهلية التي تدرس باللغة الألبانية رغم معارضة وضغوط السلطات.
يشار إلى أن الإسلام دخل إلى منطقة البلقان قبل الفتح العثماني عن طريق التجار المسلمين، وبعد معركة كوسوفا عام 793هـ/1389م دخل الألبان في الإسلام، وعندما ضعفت الدولة العثمانية، وبعد انتصار صربيا وبلغاريا واليونان على العثمانيين عام 1913م قسمت مقدونيا بينهم، وبعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م كون الزعيم (تيتو) الاتحاد الفيدرالي اليوغسلافي من (البوسنة والجبل الأسود وكوسوفا وصربيا وسلوفينيا ومقدونيا وكرواتيا) وسمح للمقدونيين بتكوين جمهورية تحت الحكم اليوغسلافي، وبعد سقوط النظام الشيوعي عام 1992م أعلنت مقدونيا استقلالها، وحكمها مجموعة من الشيوعيين السابقين.
ومساحة مقدونيا 25713 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها يبلغ نحو4ر2 مليون نسمة، 45 % مسلمون و 43 % مسيحيون، واللغة المقدونية هي اللغة الرسمية، أما المسلمون فيتحدثون الألبانية".
أما موقع الجزيرة دوت نت فيذكر أن الأقلية المسلمة تتركز في مقدونيا في مدينتي غوستفار وتيتوفا اللتين تقعان على الحدود مع ألبانيا من ناحية الغرب، وتحدهما كوسوفا من ناحية الشمال، وتبلغ نسبة المسلمين الألبان فيهما ـ بحسب المصادر الإسلامية ـ 40% من تعداد السكان البالغ مليوني نسمة، و23% بحسب الإحصاء المقدوني الرسمي، ومع هذا فنسبة تمثيلهم في مؤسسات الدولة لا تتعدى 5%، ويمارس أغلبهم التجارة.
وتعاني المناطق الإسلامية المقدونية من ضعف الخدمات التعليمية والصحية، وانتشار البطالة بين قطاع عريض من الشباب المسلم في المنطقة، ومعاملة الشرطة المقدونية غير الإنسانية للأقلية المسلمة خاصة في غوستفار وتيتوفا، ومع ذلك ليست هذه هي أهم مشكلات المسلمين المقدونيين، إذ تمثل مشكلة الهوية الإسلامية وكيفية المحافظة عليها الهم الأكبر بالنسبة لهذه الأقلية الموجودة في أكثر مناطق العالم التهاباً، فعلى الرغم من أن الدستور المقدوني ينص على إمكانية التدريس باللغة القومية التي يكثر أتباعها في منطقة ما بجانب اللغة المقدونية، فإن الحكومة ترفض بإصرار أن يتم التدريس في جامعة تيتوفا باللغة الألبانية، والحقيقة أن كثيراً من نصوص الدستور المقدوني لا تطبق في الحياة اليومية، وتشعر الأقلية المسلمة بحالة من عدم الاستقرار وبشعور متزايد بأن حرباً عرقية ستندلع في أي لحظة، وربما كان هذا هو شعور العالم أيضاً، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى إرسال قوات عسكرية يقدر عددها بـ 4800 جندي لحفظ السلام في مقدونيا، وهي الآن تتمركز في قاعدة بالقرب من مدينة تيتوفا ذات الأغلبية الألبانية المسلمة.
***
وعودة إلى الشعر، حيث نقرأ لنوار عبيدي في ديوانه "تيتوفا الحب والوفاء" قصيدة عن "المآذن" يقول فيها:
وتزهر الأنوار
بعبقها الشهي
وتزهو في الأسحار
لآلئ السماء
وتنتشي النفوس
بنورها البهي
وتنحني الجبال
ويهدأ الجودي
وتعلو في ثبات
مآذن تيتوفا
وتدعو العاشقين
لحضرة النبي
مثل هذه القصائد عن تيتوفا، تذكرنا بالقصائد التي كتبها الشعراء عن الأندلس عموما، وعن قرطبة وغرناطة وأشبيليه بوجه خاص، وغيرها من المدن الأوربية التي كانت إسلامية، وكان للعرب حضور قوي بها، ولكنها سقطت بسقوط الأندلس.
ولكن ما تمتاز به القصائد المكتوبة ـ في أو ـ عن مدن مثل تيتوفا، أنها مدن حية موجودة الآن تحت أنظارنا، ولم تسقط ـ إسلاميا ـ من الخارطة العالمية.
ولاشك أن الشعب المقدوني المسلم، أو الألباني في مقدونيا، في حاجة دائمة إلى التواصل مع الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، ليظل صامدا في وجه رياح التغريب التي تهب عليه من دول أوربية قريبة، ولاشك أيضا، أننا في أشد الحاجة إلى التواصل الدائم مع هذا الشعب الذي تربطنا به وشائج صلة دينية وتاريخية، نريد أن نتشبث بها ونحافظ عليها.
يقول نوار عبيدي: "وبالرغم من أن زيارتنا لم تدم إلا أياما قلائل، إلا أنها رسخت في أعماق الذاكرة، لما حملته من دهشة وانبهار بالمستوى الحضاري والأخلاقي الرفيع للشعب الألباني الذي تعرفنا عليه عن قرب بمعاملاته وحسن سيرته ومآذنه".
أهنئ الصديق الشاعر نوار عبيدي على هذا الديوان الصغير المتميز في موضوعه، ولم أدر هل تُرجمت قصائده إلى الألبانية، مثلما ترجمت بعض قصائدنا إلى تلك اللغة، وصدرت في كتاب وزع في حفل افتتاح مهرجان 2005، أم لم تترجم بعد؟
أعتقد أن ترجمة مثل قصائد هذا الديوان "تيتوفا الحب والوفاء" للغة الألبانية، وغيرها، سيكشف عن مدى الحب الذي يحمله الشعب العربي إلى بعض الشعوب الأوربية، ومنه الشعب الألباني أو المقدوني، وهو ما ترمز إليه إحدى قصائد الديوان، عندما يتغنى الشاعر بمدينة تيتوفا التي خلع عليها صفات المرأة الجميلة المتفتحة للحياة، فيقول:
يا امرأة جميلة
تريد أن تقبل السماء
يمتد جيدها طويلا
كالغزال
وتفتح ذارعها
تلم الحب والضياء
وتنفض الجناح
ليسقط الغبار
ويغدو جوهرا ولؤلؤا
يغمره الصفاء
تيتوفا
يا امرأة جميلة
تعانق الفضاء
وليسمح لي الصديق الشاعر نوار عبيدي، والقارئ أيضا، أن أثبت هنا قصيدتي عن تيتوفا التي ترجمت إلى الإنجليزية، ومنها إلى الألبانية:
سأحملُ تيتوفا
إلى الإسكندريةِ
امنحُها بحرًا
من كنزِ الإسكندرْ
امنحُها عمرًا
من قلبي الأخضرْ
أسقيها نيلا
من فيضانِ الحبِّ
وعشقًا يسري في دربي
ودعاءً يحملُ حنجرتي
في مئذنةِ الأزهرْ
أحملُ تيتوفا
إلى الإسكندريَّةْ
موسيقى ..
رقصاتٍ شعبيَّةْ
ومساجدَ ..
ومعابدَ ..
وحدائقَ فجرٍ أوربيَّةْ
ووجوهًا نورانيَّةْ
أحملُها من مقدونيا
وأباهي الدنيا ..
بربيعٍ يتفتحُ في بيتي
وفضاءٍ يسبحُ في لغتي
من تيتوفا. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية