قصائد عراقية ملتاعة في الشارقة

الشارقة ـ من محمد حسون
يغنون للوطن الجريح

لم يكن مخططاَ أن يحضر العدد الذي فاضت عن استيعابه المقاعد المخصصة لجلسة الشاعر نوفل ابو رغيف، التي أدارها الشاعر والناقد فائز الشرع، فقد اجتذبهم إلقاؤه المميز وتدفق شاعريته وهو يغني للوطن وجراحه ويعزف على أوتار الحنين الذي اغرورقت بدموعه أعين الحاضرين، ولاسيما من الجالية العراقية في الإمارات، التي جاء بعضها عن قصد لسماع شاعرهم العراقي وحضر عدد منهم مصادفة، وكأنه سيتذكر طقس ايجاد الوطن في الغربة الذي عبر عنه الشاعر مظفر النواب بعد هروبه إلى إيران بالقول:

قالت : من هذا؟.

قلت : أنا ياوطني.. من هرب هذي القرية من وطني؟.

وكأننا بهم يقولون من هذا أنا ابن وطني، ويأتي الصوت (من أهدي هذا الشاعر من وطني)؟ ذلك ما عبر عنه عراقيون غير معنيين بالشعر إلا انه سلوى لشم عبير الوطن ودعوة جمالية لدخول الفردوس.

وفي الجلسة التي حضرها فضلاَ عن العراقيين شعراء ومتهمون بالشعر من الإمارات وعمان ولبنان وسوريا ومصر وإيران، قدم الدكتور فائز الشرع بطاقة تعريفية بالشاعر متناولاَ مجاميعه الشعرية (ضيوف في ذاكر الجفاف، مطر أيقظته الحروب، ملامح المدن المؤجلة) وكتبه الصادرة (المستويات الجمالية في نهج البلاغة، مكنز الأدب قراءة في كتاب ديوان المعاني) معرجاَ على مشاركات الشاعر في العديد من المهرجانات والندوات والملتقيات (مهرجان المربد، مهرجان الجواهري، والملتقى الثقافي) في العراق والندوات والجلسات التي قدم فيها تجربته في سوريا والقاهرة وألمانيا ولندن والشارقة.

وأكد الشرع أن الشاعر نوفل ابورغيف يمثل تجربة مميزة في المشهد العراقي ولاسيما في جيل التسعينيات الذي يقف الشاعر في طليعة شعرائه، وهو أحد أقطاب شعراء اتجاه قصيدة الشعر، فضلاَ عن كونه باحثاَ أكاديمياَ وإعلامياَ ومشتغلاَ بالشأن السياسي لكن التركيز في هذه الجلسة سيكون على شاعريته.

وأضاف إن قصيدة نوفل ابورغيف لا تستعيراَ شكلاَ زخرفياَ يغطي موضوعيتها، ولا تتجرد عن مرتكز رؤيوي، فقصيدته قصيدة موقف، وتمثل هما يحمله الشاعر وتنطلق من الموقف وتتصاعد لتنمو في تشكله عناصرها وملامحها التعبيرية، بحيث تتعاضد عناصر التشكيل الجمالي باتجاه الرؤية لإنتاج النص، كما أن قصيدة نوفل ابورغيف قصيدة مخادعه يتلامح لمتلقيها من أول وهلة استغراقها في تراث الشعرية العربية ممثلة بقممها من القدماء والمعاصرين لكن تعمقا في تلقيها يبرز ما يقدمه الشاعر من إضافة نوعية إلى متن القصيدة العربية بعد التفاعل مع التماعاتها وأصوات عظماء مبدعيها.

بدا الشاعر بعدها بمقدمة عن تجربته الشعرية أشار فيها إلى بداياته ونضجه المبكر، حيث بشر بشاعريته كبار شعراء العراق والعرب أمثال الشاعر السوداني محمد الفيتوري والشاعر السوري شوقي بغدادي وغيرهم بعد مشاركته في المربد وكان أصغر شاعر يشترك في محفل شعري دولي كالمربد، ثم تحدث عن تجربته الشعرية التي تنطلق من ثقافة جمعت بين الشعر القديم والحديث لكنه ينحو منحى حديثاَ ولاسيما في تبنيه اتجاه قصيدة الشعر الذي يتجه إلى التحديث في القصيدة الموزونة ما دام الإيقاع هو العنصر الأساسي في تلك التجربة.

وأكد أن مشروع قصيدة الشعر آتي في وقت تسيد طروحات قصيدة النثر ونماذجها، لتحتل قصيدة الشعر وشعرائها موقعاَ مهماَ في الساحة الشعرية.

ثم تلا الشاعر عدداَ من قصائده التي استحضر غيها صورة العراق الجريح والصبور والمكابر مفتتناَ شعرياَ ببغداد وفاتناَ من استمع إليه، .إذ تفاعل الحضور مع قصائده وتزايد الإقبال على الجلسة بعد الاستماع إلى الأداء الجاذب للشاعر، وبعد الاستماع إلى تلك القصائد أبدى عدد من الأدباء العراقيين والعرب إعجابهم بما قدمه الشاعر.

وعبر الدكتور بهجت الحديثي عن إعجابه بهذا السيف العراق الذي يشهر موقفه بالقدر الذي يخلب الألباب بشعره، وتحدثت الأديبة العراقية المقيمة في الإمارات وفاء عبد الرزاق عن فرحتها بهذا الصوت العراقي المبدع وإنموذج قصيدته الرائعة، على الرغم من أنها تميل إلى قصيدة النثر.

وأبدت الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري إعجابها بما قدمه الشاعر من نماذج شعرية رائعة تجاوزت الأطر التقليدية القديمة لقصيدة العمود، فضلاَ عن إعجابها بإلقاء الشاعر الذي جذبها من دون أن تشعر إلى دوحة الشعر التي أقامها على ارض المعرض.

وأكد الناقد الدكتور غنام محمد خضر على تقديم شعرية نوفل انموذجاَ مميزاَ يجمع بين الأصالة والحداثة ويولي المهارة في التعبير الشيء الكثير لتجاوز النماذج الجاهزة التي يكتب الشعر على وفقها، ورأى أن كونت قصة شعرية جميلة ومعبرة الشاعر يمتلك خيالاَ خصباَ، وقد تشكلت قصائده من صور شعرية واختتمت الجلسة بقصيدة للشاعر كانت أكثر قدرة على تقديمه وامتداح الحضور بشعره.