قصائد طلال الغوار الخضراء

آما آن لي أن أرى جسرك الممتد من قلبي إلى رصافة أحلامك

يا ممجّد الاخضرار!

من كثرة ما تغنيتَ به، تركتنا لألف عام لا نعرفُ اليباس.

أينما تراحلنا بين السّطور، نجد شجراً يحكي جمالاً، يمتدّ على مدى النظر.

فنبدأ بغناء يأتي أخضر كالحلم، والطمأنينة، نرتادُ به طريقاً مفتوحاً بين دفتي ديوان

"احتفاء بصباحات شاغرة " للشاعر طلال الغوّار.

فالشجر حاضرٌ، بل تكاد لا تخلو قصيدة منه، حتى ظننتُ لوهلة أنّ ثمّة حبلاً سرّياً يربطني به. وأنه وبعد أن أنسنه الشاعر، يطالبنا بعدم قطع صلة الرّحم معه، إذ صبغ كلّ شيء بهذا اللون، حتى وصل أطراف أحلامه:

"أحلامي كم كانت خضراء/ لكثرة ما كنت أودعها

عند الأشجار."

من هنا رغبتُ وبقوّة، أن أعنون دراستي للدّيوان بـ "القصائد الخضراء" وذلك للترف الجمالي، الذي منحتني إياه، بعد قراءتي لها، حتى شعرتُ أنّ أصابعي قد تخضّبت به وأنا اكتب.

لكن الذاكرة اللعينة، المشاكسة في بعض الوقت، تنبض منفلتة من قيودي، لتدلق ما تحتفظ به، نقيض العنوان الذي اخترته، فيقفز بغتة ليصبّ على الورق، أعني "القصائد السوداء" للشاعر الفرنسي رامبو والتي سُميت بهذا الاسم لأنّ الشاعر يهاجم فيها الجمال والأسطورة، والتراث، يفرّغ ما بداخلها، ويشوّهها، ويضعنا أمام القبح وجهاً لوجه، ليكوّن أسلوباً له منطقه الخاص، خلاف ذلك تماماً يفعل طلال الغوّار، إذ يحيل الخراب والدّمار والدّم و.. الذي يحيط به، إلى جمال ورغبة في مواكبته ومعاقرته.

الشاعر يرأف بحالنا، إنه رؤوف للغاية، كغابة دافئة، حانية، تحنّ حتى على مظلات الفطر السّام، وذلك لنستسيغ الواقع، فهو لا يرفض ما سلف، لا يتجاوزه، ولا يحطمه، وإنما يتفاعل معه، ليقدّمه على شكل تناص، يلفت النظر إليه من جديد، برؤيته الجديدة. فنلمح ثمّة تناصاً مع نبوءة زرقاء اليمامة، حين رأت على البعد شجراً يمشي وراء التلال البعيدة، وأخبرت القبيلة، إذ كان العدو قد تنكر على شكل شجرٍ يتحرّك، لكنهم اتهموها بالجنون، وما هو إلا وقت حتى اقترب الشجر الماشي، ليجهز على القوم، وتصبح الزرقاء أسيرة.

وكذا كان الشجر في قصيدة الغوّار، شجراً يمشي:

"أما آن لي / أن أراني/ كشرفة نائية / فأطل على شجر / يمشي إليك / ويسترد بين يديك/ ثياب الصباح .."

وهناك تناص أيضاً مع ما ورد في القرآن الكريم، حين أمر الله مريم أن "هزّي إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطباً جنياً.." صدق الله العظيم.

بينما يقول الشاعر: "حينما زرت قريتي/ التي لم أرها / منذ خمسين عاماً / رأيتني / أهزّ بجذع الذكرى، فتساقط طفولتي / حلماً / حلماً."

وتناص آخر بما سبقه الشعراء، وخاصة البيت المشهور:

"وعيون المها بين الرصافة والجسر....."

نراه يستخدم مفردات البيت الشعري، يجمعها بين كفيه، يخلطها كعرافة، بدوّرها، ثم يلقي بها على البياض، لتشكل قصيدة:

"آما آن لي/ أن أرى / جسرك الممتد من قلبي / إلى رصافة أحلامك / يستعيد عشاقه / في عيون المها..."

كما لا يفتقد تواصلاً مع الأسطورة، التي تشرّبها من أنهار بلاد الرافدين، متأثراً بملحمة جلجامش، وبحثه عن عشبة الخلود في أعماق البحار، بيد أنّ الشاعر يحذو حذوه ولكنه يبحث في أعماق النفس:

"لا تبحث عنها / في أعماق البحر/ كما فعل البطل جلجامش/

ابحثْ عنها بعيداً / في أعماقك.."

وإذا خطونا احتفاء بالقصائد، كما احتفى الشاعر بالصباحات الشاغرة، نجد الكثير من العبارات والصور التي تهدل بتناصاتها في الذاكرة، فتسترجع الجميل، بل الجمالي الألق في القصائد الخضراء، وليس الملح، أو المطاط السائل، أو أمراض البطاطس، كما في القصائد السوداء، وذلك بلغته الهادئة، المنسابة مثل نداوة عشب، مشحونة بعاطفة متجذرة في عشق المكان الذي خرج منه، ليجوب مواضيع متشعبة فيها همٌّ إنسانيٌّ، لكنها تصبُّ أبدا في همّ وحيد هو الشوق إلى ذياك الذي لا يغيب في الذاكرة.

شعرية طلال الغوّار، القريبة من سطح الماء وهو يتدفق، متناغماً، غير خافية، تطفو بدلالاتها وشفافية رمزها، إنها قصيدة ترتدي ثوب الطريق الأخضر، تؤسس لمشروع الجمال الأنق، أو أنق الجمال، لتغدو مثل ديمة ندى ذات فجر، تمرّ بين يدي المتلقي، لتترك الكثير من الإرث الخضيل المثقل بالندى.

إنها خضراااااء.

شتان ما بين اللونين!

فالأخضر، وما له من موروث ديني، وحضور في قلوب المؤمنين، والمجتمعات الاسلامية، وفي قلوب الصوفية، والأماكن المقدسة التي تنضح به، كما القبة التي تضمّ خير خلق الله. أجاز له الشاعر هذا التمدّد لما يمثله من طهر وصفاء.

ففي كتاب الله، ذكر في وصف حال أهل الجنة: "متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان." وكما قال تعالى في لباسهم: "وعليهم ثياب سندس خضر واستبرق، وحلوا أساور من فضة، وسقاهم ربهم شراباً طهورا.."

ونتساءل: هل جزافاً يميل الشاعر إلى استخدام اللون الاخضر؟ ولم لمْ يكن بياضاً مثلا؟!

إنّ هذا الاخضرار ثورة على الفساد والقهر والحزن والفقر والصمت، والهزائم، والمرارة، والموات، إنه الرّغبة المشتعلة في الحلم المورق، وفي اللقاء حيث يضيع السمت أمام خطو الشاعر، تتسع المتاهات كلما حاول اكتشاف الطريق إلى حبيبته، إلى المدينة، إلى الوطن، إنه ضائع يبحث عن راية ليمشي خلفها، ولم يجد غير قصائده التي يتكئ عليها.

ولكن ما سبب ضياعه؟ لا شك أنه اليأس الذي يشعر به أمام واقع مرير متسيّد، اليأس الذي يصنع منه إنساناً أعزل إلاّ من ضياع، ورغبة يستعيض بها عنه:

"قد ضاع من بين الخطى / دربي / وضيعني/ من أول الخطوات

من أول الكلمات / لا فرق بينهما / تمشين في يقظتي / حلماً

وفي وسني / فرأيتني وحدي/ ألوح للغياب.."

تلك هي مكابدات شاعر، مرارات واقع عربي، لا تخفف من الشعور بحنظله سوى القصيدة، التي تأتي بلون آخر، بطعم آخر، القصيدة التي يؤمن بها طلال الغوار أيّما إيمان، لتخلصه مما يشعر به، القصيدة التي هي الملاذ، واليد الحانية:

"تصغي إلى نزيف الكلمات / وتقلبني/ حرفاً / حرفاً

كما لو انها / تقلب تاريخاً طويلاً / من الجراح.."

فالشاعر وإن توارى خلف قصيدة، بسربالها الأخضر، إلا أنه لا يخفي وجعاً وطنياً، يخاتلنا، نلاحقه ونحاول في لحظة، أن نقبض عليه، وكيف لا يكون حاضراً وتلك الأماكن ما فتئت يسير الدمار في شوارعها، فتتوالد هماً وألماً. فيد الإثم طالت كلّ شيء، وبدأت تعيث خراباً، حتى اقتربت من الشجر المقدس، الذي رحب به الشاعر على امتداد صفحات ديوانه:

" خبئوا غولاً خلف أشجاره / لينفث الظلام في سمائنا / لتنهمر علينا الفتن/

فينزف سمومه فينا.."

فالبلاد التي كُتب عليها أن تكون حزينة، لا يمكن أن تشعر بفرح، إلا إذا جاء كطوفان يغسل بطريقه كلّ شيء، ولعلّ ما يؤرّق الشاعر هو بغداد، مدينة السحر والأساطير، يُحسُّ بها تتأوه كلّ وقت، حزينة، دامعة كثكلى:

"لماذا كلما أشرت / غلى خريطة أحلامك / ايها الوطن

تأوهت بغداد / بين أصابعي / وغمرتني/ دجلة بالسؤال.."

ما الذي تحتاجه البلاد لتتطهر من الحزن والخراب؟ ومن يقوم بهذه المعجزة؟ يتساءل الشاعر في لحظة قلق:

"كم هي بغداد / بحاجة إلى شمس جديدة / شمس / ينبجس ضوؤها من أصابعنا.."

هو يدرك مسؤوليته، فعلى عاتق حاملي القلم تقع مهمة إعادة الضوء، ونشره وإزاحة العتمة. هي تلك الأصابع التي تفيض علماً ومعرفة وإبداعاً يسيل من بينها.

هذه الموضوعات، إنما هي موضوعات الشعر الجديد، الذي يكشف عن حياتنا المعاصرة، وما يحيط بها من انكسارات، من حزن، وقهر ووجع، إذ تبدو كالشروخ الواضحة، يشير الشاعر إليها، والتي يعاني منها الواقع العربي، بشكل عام، والمجتمع العراقي بشكل خاص، فتتوضح كالشقوق في السطح الطيني، الذي يترك للعشب النحيل مجالاً كي ينبت منها. هذا المشهد على الرّغم من صرامته وجفافه، يدفعنا إلى الدّهشة حين يتحقق حلم العشب كي يوجِد لنفسه مكانة.

فبهذه القصائد، يضعنا طلال الغوّار، على مرمى وجع وكآبة، يدفع بالأمل والحلم، وردة تتفتح على صدره، وما تلك الوردة إلا إعلاناً عن ربيع قادم بالرّغم من اليباس:

"بعد كلّ هذه الأحزان، والأحلام / بعد كلّ هذه الهزائم والمرارات / كلّ صباح

تتفتح الوردة في صدري.."

وهذا يشكل رؤيته الجديدة، وما الرّؤيا إلا "بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة، هي تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها. كما يقول أدونيس في "زمن الشعر".

يحاول الشاعر بذلك أن يؤسس لثقافة مغايرة، غير ثقافة الخراب والتدمير والتخلف التي يشهدها تغطي البلاد، إنّ ثقافته نقيضة لها، ثقافة تغيير لهذا الواقع، وذلك بدفع الجمال فيه، والحلم، فجاءت رغبته في تفجير الأخضر، لوطن يسوره الشجر، لا أسلاك ، تفجير ماء في القحط، وصولاً إلى تغيير ما هو سائد ومتسلط.

الشاعر لم يرغب أن يحمل السلاح، ويعاقر الدّم بالدّم، وإنّما أراد أن تنبت وردة على صدره المليء بالحُرقة والغُصص. ومع كلّ اليباس الزاحف، والذي أكثر التربص به وبوطنه، ليس له إلا أن يباغته بالاخضرار، اخضرار شاعر ألقى أناشيده، وبدأ يرتل نزفه المعنى.