'قشور الباذنجان'.. فجيعة ولُحمة روائية مهَلهَلة

بيروت - من جورج جحا
لا افهم من انت وماذا فعلت بي

في رواية "قشور الباذنجان" للكاتب العراقي عبد الستار ناصر فكرة مبتكرة و"قصص" عديدة مفجعة تتراكم دون ان يؤدي كل ذلك في النهاية الى لحمة روائية متماسكة.
الرواية حافلة بآلام العراقيين وأنواع معاناتهم المتعددة والطويلة التي تبدو كأنها تحولت الى نمط حياة كما كان أشقاؤهم اللبنانيون يصفون محنتهم المستطيلة ومازالو يفعلون.
وصدر عمل الكاتب العراقي الأخير عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في 220 صفحة متوسطة القطع.
رواية ناصر وهي كتابه السادس عشر بين قصص وروايات ودراسات نقدية وغير ذلك تبدأ كما يبدو بعد سقوط نظام حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين او قبيل ذلك.
وبدايتها مؤثرة حافة بالعبر الا ان اهم ما فيها انها تطرح سؤالا فكريا ووجدانيا وخلقيا يمكن تلخيصه بسؤال "مبسّط" هو ماذا نفعل عندما نصبح قادرين بالذين ظلمونا بل عاملونا بوحشية نادرة الا في بعض بلدان "العالم الثالث" او كما يقال "تلطفا" البلدان النامية التي يصف البعض "بعضها" بانه لا ينمو الى افضل مما كان عليه بل الى مثل ما كان عليه.
وهذا السؤال المحيّر والعميق يرافق الرواية في شكل او آخر في جميع مراحلها. الاجابات عنه تختلف بل تتناقض.
ما هو نطاق المغفرة التي يستطيع الانسان ان يقوم بها وما مدى عمقها؟ وما الذي يمكن ان يشكل تعويضا عادلا عما عاناه انسان "استبيح" روحا وجسدا في أقبية التعذيب الذي درجت العادة تاريخيا على ان يجري باسم الله احيانا وباسم الوطن احيانا اخرى؟ وهل تتناقض المغفرة مع ضرورة العدالة؟
وقد يأتي جواب آخر حيث يكون الظلم قد عربد وهو ابعد ما يكون عن الاحسان الى من أساء الينا وقد لخصه الشاعر الراحل خليل حاوي في قصيدة مبكرة له ازاء ظلم وحشي من هذا النوع بقوله "تثور السماء وتستنكر/ اذا نغفر".
وتبدأ الرواية بسرد جذاب وتشويق لا شك فيه ومع شك محتمل في نفس القارىء في وجود "جلاد سابق" ذي وجدان من هذا النوع او فلنقل ندرة هذا الوجود.
وقال ناصر بلسان "بطله" او شخصيته الرئيسية التي تبدو اقرب الى ما اصطلح على تسميته "نقيض البطل" مستهلا الفصل الاول "جاءني قبل التاسع من ابريل نيسان 2003 بسبعة شهور وقف عند عتبة الباب وهو يكرر قولا لم افهمه".
اما هذا القول فهو "انا آسف على مافعلته بك اعتذاري لا يكفي. واي تعويض عما جنيت لا يكفي...اريدك ان تسامحني بارك الله فيك ولك الحق في ان تفعل بي ما تشاء حتى اذا شئت ان تذبحني". وعرض عليه قسما من ماله الكثير.
اما البطل ياسر عبد الواحد فلا يتذكر هذا الرجل الستيني ويقول له "انا لا افهم من انت وماذا فعلت بي..". البطل نسي تلك الآلام.. وهل يمكن نسيان ما جرى له..الا اذا آمنا مثله بأن العقل يعمد الى النسيان او التناسي كوسيلة دفاع عن النفس ولاكتساب القدرة على الاستمرار.
وحين ذكّره زائره بما جرى قبل عشرين سنة قال البطل "جسدي تبرأ مني. هذا الصوت أتذكره جيدا يأتي من زمن بعيد من مكان قبيح...يرجعني الى زمن شطبت عليه..".
اما رد فعل البطل فكان ترددا ومماطلة. يترك له الجلاد دفتر مذكرات هو سجل بمن عذب وقتل هو وسائر زملائه. كانت الحجة انه كان مكرها على القيام بما قام به والا فمصيره سيكون كمصير من يعذبهم. انه ايضا ضحية من نوع ما.
وهذا الموقف الذي لم يرفضه البطل في النهاية يحمل كثيرا من "الرواقية" من حيث شدة التحمل ومما قد نتوهمه روحا "مسيحية" لو كان المسيح يقبل الظلم خاصة اذا كان من هذا النوع. ان روحا من الاحساس العميق بالعدالة تشكل ما يشبه نسغ حياة كلمات عبد الستار ناصر هنا.
ومن هنا نذهب معه في رحلة العذاب والاضطهاد والإذلال. انواع وانواع بينها التقليدي والمبتكر والبدائي الفظ وما يقوم على بعض منجزات "العلم الحديث".

وبعد تغير الازمنة السياسية لم تطل فرحة الناس اذ سرعان ما سيطرت انواع من القتل والتوحش.
ويقول "كل من يخرج من بيته يقرأ سورة الفاتحة او سورة الكرسي ويقول الشهادتين فما من احد يضمن الحياة في الساعات التالية من زمن القتل المجاني الذي غرقنا فيه حتى النخاع...بات الفساد ينهش في جسد العراق كله..".
ويتساءل "اين كانت مخبأة تلك القسوة. من اين جاءت هذه الخشونة في الطباع. أي نوع من البشر هؤلاء الذباحون. هل هم من اهالي بغداد حقا؟..كيف يذبح الانسان أخاه الانسان... كيف يمسك السكين ويمررها على الرقبة كيف يقطع الرأس وهو رأس انسان مثله... أهذا دين محمد العربي المسلم ام دين من... لا أصدق مانحن فيه... والمسلخ مفردة ليست في قاموسنا المسلخ للخرفان والطعام الحلال فمن يا ترى زرع السم بين ضلوعنا ومن باعه الينا ومن الذي اشتراه حتى نموت كما تموت الخراف".
ويتذكر طعام السجن التافه خاصة قشور الباذنجان الفاسدة فيقول عن أيامه الحاضرة مستعيرا من طعام السجن "الحياة لم تعد غير قشرة باذنجان فاسدة سوداء لا قيمة لها لكننا نعيشها فيما نزال بفعل العادة".
وفي هذه الاثناء يجد نفسه يقيم علاقة جنسية مع زوجة صديقه الطيب حيران التي كانت امرأة شريرة فاسدة ما لبث زوجها ان طلقها لفحشها لكن دون ان يعرف بعلاقتها مع صديقه.
ويسيطر على البطل شعور بالإثم. انه قاتل ايضا مثل ذلك الجلاد وهل ثمة من يغفر له هو.
ومن هنا يزداد التراكم بل الترهل في الرواية فكثير مما جاء بعد ذلك لا يضيف اليها ويمكن ان تسرده قصة قصيرة. اضطهاد وقتل. يكفي ان تدفع مئة دولار لتجد من يقتل لك اي شخص تريد التخلص منه بل ان هناك سعر "جملة" فاذا أردت قتل ستة اشخاص مثلا فلك حسم خاص. وشر البلية ما يضحك اذن.
وبعد محاولات قتل يهرب البطل وشقيقته وصديقه حيران الى الاردن. حيران مغرم بالشقيقة التي قتل زوجها الأول في الحرب مع ايران وهو يريد ان يتزوجها. وقد عقد الزواج خلال وجودهم في الاردن.عند ذهاب حيران الى بغداد لبيع بيته وسيارته احتجز رهينة وفرض عليه التنازل عن البيت بنصف ثمنه ثم اضطر الى دفع ما تلقاه فدية.
وبعد عودتهم نهائيا الى بغداد يموت حيران انتحارا بعد ان باح لصديقه بأنهم اغتصبوه عندما كان معتقلا.
ويقول الكاتب "بلد بلا ماء ولا كهرباء بلا أمان ولا سلام وبلد لم يعد فيه حيران ومازال فيه الرعاع الموت وحده يتسلل نحو البيوت والأزقة والشوارع".