'قريع ينطق بـ 'آخر الكلام في اللعبة'!

بقلم: جواد البشيتي

ليس بعد، وإنما قبل التقائه رئيسة الوزراء الإسرائيلية المكلَّفة تسيبي ليفني، وعلى بُعْد مسافة زمانية ومكانية من موعد اللقاء تقاس بالدقائق والأمتار، وفي تصريح صحافي، أراده هذه المرة أن يكون "مكتوباً"، أعلن رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع نهاية "مسار أنابوليس"، ناعياً مفاوضات السلام التي أطلقها الرئيس بوش من هناك، أي من أنابوليس، وكأنَّ هذا "الوداع" هو معنى "استقبال" ليفني له.

"اللغة الأخيرة، أو آخر الكلام، في اللعبة".. هذا هو وصف قريع لمعنى ومضمون تصريحه الصحافي المكتوب.

لقد أعلن نهاية "اللعبة"، أو نهاية "مسار أنابوليس"، ولكن بلغة دبلوماسية، فهو لم يقل "انتهت"، بل قال إنَّ لديه شكوكاً كبيرة "الآن" في إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل نهاية السنة الحالية، أي قبل مغادرة الرئيس بوش البيت الأبيض، فإسرائيل والولايات المتحدة إن أرادتا "إنجازاً" الآن، أو ما بين الآن ونهاية السنة الحالية، فهذا "الإنجاز"، بحسب ما أوضح وأكد قريع، لن يكون أكثر من "صفقة سريعة"، تستثنى منها القدس واللاجئين.. والفلسطينيون، على ما أوضح وأكد أيضاً، لن يقبلوا أبداً تجريب هذا المجرَّب، فقرارهم، أو خيارهم، النهائي إنَّما هو "لا لكل صفقة، على شكل إعلان مبادئ أو اتفاق إطار، ونعم لاتفاق على حل نهائي شامل مفصَّل، يشق له طريق سريعاً إلى التنفيذ على الأرض، ولا ينقل بعد حين إلى محاكم للتحكيم".

أمَّا سبب هذا الرفض القاطع فيكمن في ما آلت إليه تجربة، أو تجارب، تلك الصفقات، أو ذلك النمط من الاتفاقيات.. لقد آلت إلى التهلكة، فلسطينياً، وإلى عدم التنفيذ.

مفاوضات أنابوليس الطويلة والمكثفة والمنتظمة، والتي اتخذت من الأوهام والأضاليل والأكاذيب التي بثها الرئيس بوش في كل اتجاه وقوداً لها، كشفت أوراق المفاوض الإسرائيلي بما حمل قريع على كشف أوراق المفاوض الفلسطيني، فالمفاوض الإسرائيلي، المسلح بـ "حقيقة" هي "رسالة الضمانات"، وبـ "وهم" هو "الوعد بقيام دولة فلسطين.."، إنَّما كان يفاوض توصلاً إلى إخراج القدس واللاجئين من مفاوضات السلام، أي توصلاً إلى حل نهائي تُحل فيه مشكلتي القدس الشرقية واللاجئين حلاًّ إسرائيلياً خالصاً، وتُحلُّ فيه مشكلة الأرض حلاًّ يقوم على التبادل غير المتكافئ، كماً ونوعاً.

أمَّا الأوراق الفلسطينية التي اضطُّر قريع إلى كشفها فتقع بين "دفتي كتاب"، عنوان إحداها "عملية أنابوليس ماتت"، وعنوان الأخرى "التفاوض مع إسرائيل توصلاً إلى حل نهائي ما زال خياراً فلسطينياً استراتيجياً".

وهذا إنَّما يعني أوَّلاً "الانتظار".. انتظار مجيء "الإدارة الجديدة" في الولايات المتحدة لعلها تأتي بـ "إرادة جديدة"، وانتظار معرفة النتائج النهائية لأزمة استقالة اولمرت، وانتظار حل النزاع بين "فتح" و"حماس" بما يوافق "التصور الجديد" الذي أنتجته "المرونة القصوى" التي جنحت لها "فتح"، على ما أعلن رئيس وفدها إلى المحادثات مع مصر نبيل شعث، فحركة "فتح"، بحسب هذا "التصور الجديد"، أو "المرونة الجديدة"، ما عادت تشترط للمصالحة الفورية والعاجلة إعادة الوضع في قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل 14 حزيران الماضي، ولا اعتذاراً تتقدم به "حماس"، فالتقدم نحو المصالحة الفورية العاجلة يمكن هذه المرة أن يقترن بعدم تراجع "حماس" عن انقلابها.

على أنَّ هذه المرونة الجديدة تظل منطوية على تشدد "فتح" في مطلب "الوجود العربي" في قطاع غزة، والذي يتحدَّد، شكلا ومحتوى، من خلال التوافق بين المنظمات الفلسطينية كافة.

من ذلك نستنتج أنَّ إعلان قريع، بلغة دبلوماسية، نهاية "مسار أنابوليس" بما يشبه النهاية التي أدركها الجبل إذ تمخض فولد فأراً، يؤسِّس، في الوقت نفسه، لبدء "مرحلة انتقالية فلسطينية"، في موازاة مرحلة انتقالية في الولايات المتحدة وأخرى في إسرائيل؛ أمَّا قوام "المرحلة الانتقالية الفلسطينية" فهو حل النزاع بين "فتح" و"حماس"، من غير اعتذار أو تراجع عن الانقلاب، وبما يقيم وجوداً عربياً ما متفق عليه فلسطينياً في قطاع غزة، ويساعد في إعادة بناء الأجهزة والقوى الأمنية الفلسطينية بعيداً عن الحزبية السياسية، وفي التوصل إلى اتفاق على الإعداد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، وعلى موعد إجرائها.

ويراد لاتفاق فلسطيني شامل، في القاهرة، في أوائل تشرين الأول المقبل، أن يطلق مسار الحل والمصالحة فلسطينياً.

وعلى أرضية هذا الاتفاق، والحل، والمصالحة، وضمن فضاء فلسطيني جديد قوامه الانتخابات وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، سيكون "الانتظار التفاوضي الفلسطيني"، والذي قد يستغرق زمنا يعدل السنة المقبلة، فإما أن يأتي هذا الانتظار الإضافي القصير بما يعزز استمساك الفلسطينيين بذاك الخيار الإستراتيجي، خيار التفاوض مع إسرائيل، ويبقيهم سياسياً وتفاوضياً في حيِّز "حل الدولتين"، وإمَّا أن يأتي بما يشدد لديهم الحاجة إلى الأخذ بخيار من خيارات عدة بديلة، أو بمزيج من هذه الخيارات، والتي هي بحسب الأوراق التي كشفها قريع: خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية، وخيار وضع القضية برمتها في يد الأمم المتحدة، وخيار حل السلطة الفلسطينية، وخيار المقاومة السلمية.

ولكن، ثمة خيار آخر وُلِد من موت خيار أنابوليس؛ وهذا الخيار، الذي لا ريب في صحته، هو أن يتَّحِد الفلسطينيون على قاعدة أن لا حل منظوراً لمشكلتهم القومية عبر التفاوض مع إسرائيل، فموت "خيار أنابوليس" إنَّما هو موت لـ "الخيار الأُم"! جواد البشيتي