قرعُ الأجراس .. إثارة إنتباه الرّب أم طرد الأرواح الشريرة؟

حكايات ألهمت الشعراء

يرى فريزر أنَ هناك صراعاً ما بين الكهنة والأرواح الشريرة والشياطين، وهذه الأرواح الشريرة والشياطين هي أشكالٌ غير مرئية تتحينُ الفرص للإنقضاض على الكاهن لتحمله معها إلى عالمها الخاص. لذلك وحسب المعتقدات القديمة إحتاط الكهنة ووجدوا بـ (الأجراس) وسيلة دفاعٍ مضمونة لدفع الأذى عنهم لذا علقوا في أطرافِ ملابسهم الكهنوتية أجراسا تُقرعُ أثناء سيرهم وتحدثُ (جلبةً) إذ إن هذه الأصوات أو الجلبة ما أن تسمعها الأرواح الشريرة والشياطين حتى تولي هاربةً ولا تعود لعملها الشيطاني في محاولتها للإستحواذ على جسد الكائن البشري.

كما ذكر فريزر إن وسائل الدفاع تلك لم تقتصر على الأجراس بل شملت هذه الوسائل الأصوات الصادرة من الطبول وقوقعة الحديد أو أي شكل من أشكال المعادن التي تخرج أصواتاً شبيهه لما تخرجه الأجراس. ولقد تم التعامل قديماً مع ظاهرة قرع الأجراس كأحد الوسائل لمعالجة المرضى وشفائهم من أمراضهم لاعتقادهم بالقوة التضادية التي تحملها تلك الأصوات اتجاه الأرواح الشريرة وقدرتها على التطهير، ولكن ما نلاحظهُ من خلال العديد من الحكايا الأسطورية حول هذه الظاهرة (ظاهرة قرع الأجراس) بأنه لم تتم الإشارة لأهمية وماهية هذه الأصوات التي تندحر أمامها الروح الشريرة والشياطين وهل أن الروح الشريرة قد فسرت أن هذه الأصوات أصوات نشاز وفوضى لا تستطع احتمالها لذلك تهرب منها؟ أم هي أصوات جميلة والأرواح الشريرة تكره الجمال لذلك كانت غير قادرة على الإنسجام مع تلك الأصوات لدحرها وفضلت الهروب عند سماعها؟ أم أن الأرواح الشريرة قد أدركت أن هذه الأصوات ستثير في داخلها الخوف والفزع الأمر الذي جعلها تغاير خططها لأجلٍ ما.

لم يشر فريزر إلى الأسباب التي دعت الفكر البدائي إلى تقديس المعدن دون سواه، وهل كان بسبب قوة الصوت المنبعث عنه أم لأسباب أخرى لها علاقة بالنسق العبادي للكهان أم أسباب أخرى؟

بعد ذلك يتبلور مفهوم قرع الأجراس في (عصر المسيحية) فالأصوات التي تصدر عن قرع النواقيس هي أصوات وقورة وجميلة لذلك كانت الأرواح الشريرة والشياطين تهرب منها. في حين لم تشر المفاهيم قبل المسيحية إلى هذا المفهوم والذي كان من الممكن الإشارة إليه سابقاً كون البداية الأولى تدرك ما لتأثير قرع الأجراس من أثر على هذه الأرواح.

كما يرى فريزر ومستنداً إلى العديد من الحكايات الأسطورية أن قرع الأجراس له علاقة أيضاً بالعواصف والرياح، وأن الأرواح الشريرة هي التي تقوم بإثارة العواصف والرياح العاتية وحال سماع أصوات الأجراس التي كانت تقرع عند بدء هذه الظواهر الطبيعية فسرعان ما تخفت العواصف والرياح، وبذلك ومثلما تعالج الأرواح الشريرة التي تريد الإستيلاء على الجسد البشري، تعالج بقرع الأجراس، فإن معالجة العواصف والرياح تتم أيضاً بهذه الطريقة.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا بما أن الأجراس كانت تشكل عدواً مزمناً للأرواح الشريرة والشياطين وتحول دون تنفيذ مأربهما فهل كانت هناك ردود أفعال ما من قبل تلك الأرواح تجاه الخصم اللدود؟

لقد ذكرت في بعض الأدبيات القديمة أن هناك محاولات بذلت من قبل الأرواح الشريرة لإيقاف قرع الأجراس ولكن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح رغم أنها محاولاتٍ محدودة، كما يشير فريزر إلى أن هذه المعتقدات الأسطورية إكتنفها الخشوع والقدسية وكانت عاملاً منتصراً في قلب الإنسان البدائي على أي من مؤثرات قوى الطبيعة.

ومن الحكايات التي لها أهمية من وجهة نظرنا ما تقوم به قبائل شمال هنكاريا وحسب ما ذكرته أسطورة هذه القبائل فعند الشعور بدنو أجل مريض يدق جرسا صغيرا يحملُ باليد قرب جسد الميت وبعد ذلك يدق جرسٌ آخر خارج باب غرفة المتوفي ثم يرافق الجرس أي صوته روح المتوفي بعد ذلك يُخبر رجل الكنيسة بقرع جرس الكنيسة، ونفسرُ هذا الإجراء بأنه يهدف إلى ضمان بقاء الروح في منأى عن الشياطين والأرواح الشريرة لحين تسلم الجرس الأكبر جرس الكنيسة مهمته في ملازمة الروح لحين وصولها لعالم الأرواح.

وهنا أيضاً لا بد من إثارة بعض التساؤلات ومنها ما مدى تحسس تلك الأرواح الإنسانية بتلك الحماية؟ وهل تنتهي هذه الحماية بمجرد وصولها لعالم الأرواح؟ وهل هناك بديل آخر يحل فيما بعد لحماية هذه الأرواح وفوزها بالنعيم الموعود.

إن الدافع البدائي في الأساطير يقوم على أساس وجود خطر غير مرئي يتمثل (الأرواح الشريرة - الشياطين) وكذلك وجود وسيلة دفاع (أصوات تخرج من أجسام معدنية) وأن الجلبة والضوضاء هما أداة تلك الوسائل لشل حركة الأرواح الشريرة.

إن الحكايات الأسطورية القديمة تتضمن الكثير من الفلكلور والذي يأخذ أحيانا مجاله التطبيقي في حياة الأقوام البدائية، ويصبح جزءاً من حياتهم العملية وفي مرتكزات ثقافتهم الأولية، وقد أشار فريزر في أصل النار إن الناس آنذاك يعتقدون إن النار لم تكن من أجل تدفئة البشر أو من أجل استخداماته بل كانت من أجل طهي أضحية الآلهة.

وهذا التحليل أيضا يثير العودة لسؤالنا في مقالنا السابق عن أصل الخلود وهو تقصد الآلهة على الاستحواذ على الحياة والإستحواذ على موجودات الطبيعة، ولا شك ومن خلال الإعتقاد بالتدرج الطبيعي الذي مر به الإنسان ينبه فريزر إلى أن تعامل الفكر البدائي هو الآخر مر بمراحل ثلاث (مرحلة الجهل بالأشياء) وهي المرحلة التي نسميها بالمرحلة الصورية، والتي يرى الإنسان البدائي صور الأشياء دون تفاعل يذكر، ثم (مرحلة الإكتشاف) حيث بدأت مخيلة الإنسان وذهنه تذهب إلى ما بعد تلك الصور وبدأ بالتعليل والإستنباط الأولي وإثارة الأسئلة، ثم (مرحلة الإستخدام) وبها بدأ يؤمن وسائله التي تكفل استمراره في الحياة على صعيد الإحتياجين المادي والفكري والتخطيط لغده.

ولا بد من الإشارة إلى أن تأثير أساطير الأجراس امتد إلى العصر الوسيطـ وكذلك العصر الحديث، وبنفس التقاليد الأسطورية التي كان عليها التفكير البدائي لدى العديد من القبائل البدائية، أي أن هناك سحرة ومشعوذين غير مرئيين يريدون إلحاق الشر بالإنسان وأن هولاء المشعوذين يجعلون من الليل ملجأ لهم لاجتماعاتهم السرية لتدمير بني البشر، لذلك كانت أجراس الكنائس تقرع طوال الليل لتشتيت الجهد الذي تقوم به الأرواح الشريرة ورغم فاعلية هذه القوة (الأجراس) لكن التفكير البدائي لم يذكر شيئاً عن تقديس هذه الأجراس او نوعية العلاقة بينهما من قريب أو بعيد. ولم يذكر لنا من أنه كان يقدسها أو يقدم لها الأضحية أو أي فعل آخر لينال رضاها، لكن فريزر ذكر مثل هذه الصلة تحديداً في العصور الوسطى والحديثة ومما ذكره عنها بأنها قدسية وتسمى بأسماء عديدة وتغسل بالزيت.

ولقد كان تأثير هذه الأساطير وما احتوته من الفلكلور واضحاً في النشاط الأدبي للإنسان وخصوصاً الشعر منه وعن ذلك يقول الشاعر الأميركي (بريت هارتي):

أجراس الماضي لا تزال

تملأ الفضاء الشاسع

لا تعثر على أنة أو عفن فطري

أيها الأجراس الرهيبة يا من تستغيث أجسامها المقدسة

بإيمان القدماء

إننا نشق طريقاً

عبر أمواجك الطويلة

نتلمس الماضي السحيق

وبالتأكيد فإن هذه الحكايات قد ألهمت الشعراء الفضاء المفتوح لمساعدة المخيلة على الإبحار في عوالم غير مكتشفة ومقارعة المجهول للوصول المفترض إلى نقطة الرجوع الأولى لإرضاء الذات بخزين جديد مثلما ترى بعض الأقوام البدائية إن ظاهرة قرع الأجراس لجلب انتباه الرب.

annmola@yahoo.com