قرار الرئيس صالح والمبادرات السياسية

بقلم : احمد غراب

في اليمن لا فرق لدى البعض بين اطلاق مبادرة سياسية او اطلاق رصاصة من بندقية. فالامران في غاية السهولة.. فما كاد الرئيس صالح يطلق صفارة البداية باعلانه عدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة حتى تهافتت المبادرات السياسية من الداخل والخارج في سرعة قياسية وكأن هذه المبادرات كانت معدة سلفا وكان يتحين اصحابها الفرصة المناسبة لاطلاقها.
ومن خلال قراءة سريعة للمشهد السياسي الراهن نلاحظ أن الشارع السياسي اليمني يشهد رواجا غير مسبوق في المبادرات السياسية ذات الاشكال والالوان المختلفة.
ومع أن هذه الظاهرة صحية من الناحية الديمقراطية باعتبارها تخدم مبدأ التعددية السياسية الا أن السياسي المتفحص لتلك المبادرات يدرك أن معظمها يفتقد الى الخبرة السياسية اللازمة لايجاد النظير الواقعي المقابل للافكار السياسية النظرية المطروحة في تلك المبادرات انطلاقا من القاعدة الاساسية التي مفادها أن قيمة أي مبادرة سياسية مرتبطة بمتطلبات الحال وما يحتاجه البلاد باعتبار الحاجة أم الاختراع .. اذ ليس من المعقول أن يتم تقديم مبادرة سياسية مستنسخة من تجربة لدولة ما ليتم تطبيقها في اليمن.
فعلى سبيل المثال نجاح النظام السياسي الفيدرالي في الامارات العربية المتحدة لا يعني بالضرورة أن الفيدرالية نظام مناسب للحكم في اليمن لان ظروف اليمن مختلفة اشد الاختلاف عن ظروف الامارات وبالتالي لا يوجد ضمان لنجاح تطبيق التجربة الفيدرالية في اليمن.
وفي هذا الجانب رأينا حتى الان مبادرتين سياسيتين كليهما تدعوان الى حكم اليمن بنظام فيدرالي المبادرة الاولى اطلقها الحكيمي من خارج الوطن والثانية اطلقها السامعي وبحسب اعتقادي فإن هاتين المبادرتين لم تحظيا بالدراسة اللازمة والضرورية قبل اطلاقهما والسبب في ذلك هو التسرع واصطياد الفرصة التاريخية التي اتاحها صالح من ناحية واحراج نظام الرئيس صالح من ناحية اخرى. وكان من الواجب قبل طرح المبادرات السياسية التي تنادي بالفيدرالية من دراسة احتمال خطير من شأنه أن يقلب الصورة الوردية التي يتوقعها اصحاب تلك المبادرات وهو احتمال نشوب حرب اهلية داخلية في حالة تم تطبيق الفيدرالية في اليمن خاصة في ظل بروز الاختلافات القبلية والمذهبية القائمة التي تميز اليمن عن غيرها.
وبينما يريدها البعض أن تكون فيدرالية فالبعض الاخر يفضلونها أن تكون برلمانية وان تكون جميع الصلاحيات بيد رئيس الوزراء وهذه المبادرة تمثل من وجهة نظري قفزة غير منطقية فوق الواقع خاصة بالنسبة لدولة ما زالت حتى اللحظة تعتمد على الديمقراطية المهندسة لا الحقيقية الشيء الذي يجعل هذه المبادرة نوع من المكابرة والقفز فوق الوقائع.
وتظل المشكلة الاساسية التي تربط جميع المبادرات السياسية اليمنية المطروحة حتى الان هي انها لا تأتي كنتيجة حتمية لحالة من الهدوء والاستقرار السياسي ولكن الجو المسيطر عليها والقوة الدافعة لها هي حالة من التوتر السياسي والمكايدات السياسية تسود الاطراف والقوى السياسية اليمنية المختلفة في الداخل والخارج الامر الذي يجعل تلك المبادرات غير مثمرة وغير فاعلة وبالتالي يصبح وجودها مثل عدمها ويبدو الامر للبعض كمسرحية سياسية هزلية ينتصر فيها البطل في النهاية وبالتالي تنتصر مبادرته السياسية. لكن هذا الامر لا يمانع في أن يشارك الكل في هذه المسرحية بدافع امنية مفادها أن ينقلب السحر على الساحر ويحدث ما لا يخطر على البال فالاحتمالات كلها واردة في ظل هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة.
وحتى هذا اللحظة رأينا الكثير من المبادرات السياسية المطروحة وما خفي كان اعظم ويبدو أن هذه بداية الغيث وربما العواصف حيث يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية مدة زمنية تكفي لتقديم عشرات المبادرات السياسية. احمد غراب