قرارات الرباعية شكل من أشكال العنصرية

بقلم : نضال حمد

بعدما أعلنت اللجنة الرباعية في قراراتها الأخيرة تأييدها لسياسة إسرائيل العنصرية ووقوفها ضد الحقوق الفلسطينية، وذلك عبر تشريعها لإسرائيل عمليات الاغتيال والتصفية والاعتداء اليومي على الشعب الفلسطيني، إن كان بتفجير المباني على رؤوس سكانها أو يدونهم، وعبر تبريرها لتجريف الأراضي ومصادرتها، واعتقال واحتجاز الفلسطينيين بدون تهم وبناء على قرارات من محاكم عنصرية ، أمنية وعسكرية، تقودها وتشرف عليها العقلية الصهيونية الاستيطانية الاستئصالية بقيادة شارون. وأيضا بعد اعتبارها المقاومة الطبيعية والمشروعة للفلسطينيين إرهابا.
بعد هذا الإعلان الصريح والواضح من قبل اللجنة الرباعية، أصبح بإمكاننا القول أن اللجنة الرباعية تمارس أعمالا غير منطقية وتأخذ قرارات وتوصيات عنصرية الشكل والمعنى والمدلول والنتيجة.
لا يستطيع المرء فهم التوصيات الأخيرة للجنة الرباعية غير أنها توصيات منحازة لإسرائيل شكلا ومضمونا، فهي بحجة الوقوف ضد ما يعرفونه أو يسمونه الإرهاب الفلسطيني، ويعنون به العمليات التي تشنها المقاومة الفلسطينية ضد الإسرائيليين بغض النظر إن كانت ضد مدنيين أو عسكريين إسرائيليين يحتلون فلسطين.
إن الذين اتخذوا قرارات اللجنة الرباعية الأخيرة يقومون بتبني الموقف الإسرائيلي كما يريده شارون، هذا الموقف القائم بحد ذاته ومنذ قيام كيان إسرائيل على ارض فلسطين، على الإرهاب والقمع والتنكيل وسياسة الإلغاء والاستئصال والاستيطان وحتى التغييب والتصفية الجسدية.
لم يتقدم أصحاب القرار المذكور في اللجنة الرباعية بأي شيء يعطي الشعب الفلسطيني حتى أملا بسيطا بقرب حل قضيته حلا معقولا يوفر له الأمن والسلام ويزيل الاحتلال والاستيطان. لقد تصرفت اللجنة الرباعية وكأنها هيئة أو لجنة أمريكية – إسرائيلية مشتركة، فقدمت ما قدمته من قرارات سيئة ومنحازة بشكل علني سافر لسياسة حكومة شارون، هذه الحكومة التي تعتبر بدورها أكثر الحكومات الإسرائيلية عدوانية وعنصرية وخروقات للقوانين الدولية، حيث أن رئيسها جنرال سابق و مجرم حرب، وهناك من أركانها من هم على شاكلته.
كيف إذن يكون السلام العادل والشامل مادام في إسرائيل حكومة لا يؤمن أركانها حتى بالسلام غير العادل وغير الشامل ، مثل سلام أوسلو وأخواتها، ومثل خريطة الطريق وشقيقاتها ؟
لا يمكن أن يكون هناك عدل مادامت اللجنة الرباعية تتبنى نفس المنطق الأمريكي، لأن منطق أمريكا ورئيسها هو نفس منطق إسرائيل ورئيس حكومتها. وبهذا المنطق لن يتحقق السلام ولن تكتمل المفاوضات ولن تعود المياه لمجاريها، ولن تكتمل عملية السلام، ولن يكون هناك وقف للعمليات التي اعتبرتها اللجنة الرباعية إرهابا فلسطينيا، بل سيتعزز العدوان على الشعب الفلسطيني بكل بشاعته وأشكاله العنصرية المكشوفة، وسيزداد نهج الحرب الصهيوني دموية وشراسة، لأنه سيعتبر قرارات الرباعية رسالة تأييد لسياسته العسكرية والأمنية(وهي كذلك) ، القاضية بدورها باستئصال المقاومة الفلسطينية والقضاء على الانتفاضة الشعبية وتجريد الفلسطيني حتى من ورقة المقاومة التي هي ورقته الرابحة الوحيدة، في ظل عدم توازن القوى الهائل بين إسرائيل والشعب الفلسطيني.
ها هي حكومة شارون تقوم بتسريع تطبيق قرارات اللجنة الرباعية عبر إعلانها الحرب هذه المرة على فلسطينيي الجليل والمثلث والنقب داخل الخط الأخضر، في أراضي فلسطين التاريخية والطبيعية، وذلك بالترافق مع حلول ذكرى هبة الأقصى الشعبية الكبرى، التي قدم على مذبحها أهل فلسطين من شعبنا في الداخل 13 شهيدا وآلاف الجرحى الذين سقطوا برصاص العنصرية الاسرائيلية. فقد اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارا جديدا يتبع لسلسلة من قراراتها العنصرية، يقضي القيام بحملة لهدم مئات المباني في الوسط العربي بحجة أن تلك المباني مقامة بلا ترخيص من السلطات المختصة. ويقال أن شارون كان غاضبا جدا أثناء جلسة اللجنة الوزارية لشئون الوسط غير اليهودي، التي انعقدت قبل أسبوعين حيث ضرب الطاولة بيده صارخا " إننا نفقد الأرض التي نجلس عليها". وكأنها أرض آباءه وأجداده لا ارض آباء وأجداد سكان تلك الأرض الأصليين.
هذه السياسة المتبعة من قبل إسرائيل في تعاملها مع الفلسطينيين أينما كانوا ليست وليدة الصدفة، بل هي سياسة عنصرية معقدة وتعتبر من أسس الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، ومن الوسائل الأساسية في محاربة السكان من الفلسطينيين أصحاب الأرض الأساسيين والأصليين.
جاءت قرارات اللجنة الرباعية لتعطي إسرائيل وحكومتها العنصرية المتشددة دعما جديدا، يمكنها من مواصلة سياستها العدوانية دونما رادع أو رقيب أو محاسب. فسياسة الدمار والتجريف والهدم والمصادرة والاستيطان والتهويد ، تترافق مع سياسة القبضة البولاذية والحكم العسكري العنصري، عبر إقامة محميات أمنية وعسكرية وجدار عازل يفوق بتجهيزاته جدار برلين السيئ الذكر. وهذا الجدار العازل العنصري الأساس والبنيان، الذي يقام على أراضي الشعب الفلسطيني المصادرة، وبأشكال استعلائية بغيضة سوف يكون وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، لأن الذين يتفرجون على هذه الجريمة، هم كما الذين يباركونها ويعطونها المبررات ويجدون لها التبريرات.
كيف يمكن لنا بناء جسر من التواصل مع هؤلاء الذي يقومون بتدمير كل الجسور الصغيرة والكبيرة، حيث أنهم دمروا ما كان تم إنجازه منذ مسيرة أوسلو السلمية بقيادة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وحتى هذا اليوم. لا يمكن إيجاد أي تبرير لاستئناف الحوار أو التفاوض مع إسرائيل بقيادة شارون وأركان حكومته أو من يحملون نفس قناعة هؤلاء الساسة من الإسرائيليين، لسبب بسيط هو أن شارون ومن معه ومن يحملون نفس أفكاره، لا يريدون أي حوار ولا يفكرون بأي سلام مع الفلسطينيين، ولديهم مشروع وحيد لا ثاني ولا ثالث له، ومشروعهم هو استسلام الشعب الفلسطيني والقبول بما يقدمونه له من فتات على موائد اللئام.
إذا كانت اللجنة الرباعية تريد فعلا تفعيل عملية السلام وإعادة المياه لمجاريها، عليها أولا وقبل أي شيء أن تقوم بإرسال قوات دولية لحماية العشب الفلسطيني من بطش وإرهاب جيش الاحتلال الإسرائيلي. وعليها تقديم حلول عملية تكفل الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وهذه الحقوق معترف بها ومقرة في قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. أما أن تصبح الرباعية بقراراتها عدوانية ومنحازة لطرف من أطراف الصراع على حساب طرف آخر، فهذا لن ينفع السلام وسوف يفشله ويعيق تقدمه ويعزز من مواقع المتطرفين الإسرائيليين فقط لا غير. لذا لا يمكن القول عن القرارات الأخيرة للجنة الرباعية سوى أنها قرارات منحازة صهيونيا وأمريكيا وتعتبر شكل من أشكال العنصرية.