'قرابين غناء' العاشق الأكبر يكسوها الغبار والنسيان

بقلم: ظبية خميس
في انتظار الحب

من لغة السحاب والأرض ينبثق طاغور، ملهماً أو ملهما. يشبه طين بلاده، ويشبه ندف السماء، وصوته جلي لكل روح، وكلماته تواضع المحبة في هذا الكون.
هنالك بشر للعالم أجمع، وطاغور هو أحدهم. إنه المغني العاشق لنور الله، للإنسان، للطبيعة وكائناتها.
يطرق السمع لموسيقى الكون، ويترقرق شعره لجمال وبؤس الإنسان.
وكتابه هذا الذي أترجمه وأقدمه للقارئ العربي اليوم هو صلاة طويلة بعنوان "قرابين الغناء".
إنه كتاب تأمل، وحكمة زاهد، وشعر عابد. نص يسعى إلى الصفاء والمصافاة ويأخذ معه قارئه إلى ذلك الطريق. ترجمه بنفسه من اللغة البنغالية إلى اللغة الإنجليزية، وحاز على جائزة نوبل للآداب بسبب هذا الكتاب الذي ما زال يرنم ويغنى في أنحاء الهند بمختلف لهجاتها.
ورغم الكلمات فإن قرابين الغناء هو كتاب من كتب الصمت الجليل. إنه همس، وإشارات، وظل من ظلال الروح.
عن الحب المقدس يتحدث طاغور، عن حب الله للفقراء، والتعاسى، والمحزونين والبؤساء.
إنه يرى نور الله حيث يوجد العمال، والفلاحين والناس البسطاء.
ويرى بركته بين قطرات عرقهم ودموعهم.
إنه يتحدث عن البساطة الخالصة وعن الرحمة وعن العبادة الصامتة.
يقول طاغور "إنني في انتظار الحب فقط، لكي أسلم نفسي إلى يديه."
يبحث عنه وينتظره على قارعة الطريق، ووراء الجدران، وداخل روحه في الليل والنهار مثل شحاذ لا يكل ولا يمل ولا يتعب من أمل اللقاء بذلك النور.
عن العذوبة المكتملة يبحث طاغور في رحلة الحب وعن الرؤية التي تضيع وتأتي دون أن ينتبه إليها فتتصاعد زفرات حسرته.
يقول "إذا لم أدعوك في صلواتي، إذا لم أحتفظ بك في قلبي يبقى حبك لي منتظراً رد حبي لك."
في لغة طاغور تنطق لغة الهند بأمطارها وسيولها، بطينها وأنهارها، بحرارتها المحرقة وعذوبة نورها، يصبح المطر لغة والطين لغة والشجر لغة والليل والنهار لغة في كلمات طاغور.
خلال إقامتي في الهند في عام 2004، عثرت على كتيب مكسواً بالغبار والنسيان في مكتبة بعثة الجامعة العربية هناك والتي كانت مهملة يحفها النسيان، وما كان ذلك الكتاب إلا نسخة قديمة لقرابين الغناء الذي صدر للمرة الأولى في عام 1913 في لندن، وقدم له الشاعر دبليو – بتلر – ييتس بدهشة وإعجاب، ونال جائزة نوبل في العام نفسه.
أما النسخة التي عثرث عليها فقد كانت طبعة عام 1959 من نفس دار النشر التي نشرت أول طبعة. وعندما غادرت الهند لم تغادرني، بقى حنيني لها ولكنه حنين غريب: حنين للفجر والأشجار وأصوات العصافير، للقردة الذين يتجولون بحرية في ديلهي، للأفيال التي يجلس عليها قادة المعابد والرهبان، للغربان وهي تحتل شجرة أمام بيتي هناك، لعصف المطر والبرد القاسي والحر الشديد.
كان شوقي، ولا يزال، للخرائب والمعابد وأصوات الغناء الصوفي لديهم، لأطواق الورد والفل على قارعة الطريق، ولبخور معابدهم.
وفي قراءتي لكتاب طاغور حضرني ذلك كله فكنت أترجمه وأعيشه وأحيا الهند بداخلي من جديد.
***
ولد رابندرانت طاغور في مدينة كالكاتا في شرق الهند لعائلة بنغالية ثرية من طبقة البراهما النيلة في الهند في عام 1861 يوم 7 مايو/آيار، وتوفي في عام 1941 في يوم 7 أغسطس/آب.
وقد كان شاعراً، وروائياً، وموسيقياً، ورساماً، وكان أول أديب من قارة آسيا يفوز بجائزة نوبل في عام 1913.
كان طاغور أصغر إخوته الذين بلغ عددهم 14 أخا وأختا، وتلقى تعليمه في البيت وكتب مبكراً حيث نشر أول أعماله في عام 1877. انتقل إلى بريطانيا لدراسة القانون في عام 1878 غير أنه عاد إلى البنغال دون شهادة في عام 1880.
وفي الهند تابع مسيرته كشاعر وكاتب وموسيقي ومعلم، وأسس لمدارس ومراكز روحية عديدة، وقد اشتهر آنذاك في الهند غير أنه لم يكن معروفاً في العالم. وفي عام 1912 قرر فجأة العودة إلى بريطانيا لأول مرة منذ أن غادرها، وكان في عامه الواحد والخمسين، وكان معه أحد أبنائه.
وفي الطريق إلى بريطانيا بدأ الترجمة إلى الإنجليزية لأول مرة لآخر أعماله آنذاك "قرابين الغناء". كتبها بخط يده في دفتر صغير كان يحمله في جيبه معه.
وعند وصولهما إلى لندن نسي ابنه حقيبة أبيه التي تحتوي ذلك الدفتر الصغير في محطة لقطار الأنفاق. ومن حسن الحظ أن أحدهم عثر على تلك الحقيبة وأعادها في اليوم التالي.
وقد اطلع على ذلك الدفتر أحد أصدقاء طاغور من الرسامين في لندن والذي انبهر بما قد رأته عيناه فاتصل بصديقه الشاعر دبليو. ب. ييتس وأقنعه بقراءة ذلك الدفتر المخربش عليه بخط اليد.
انبهر ييتس بما قد قرأ، وكتب فيما بعد مقدمته الشهيرة لكتاب "قرابين الغناء" الذي طبع في طبعة محدودة في عام 1912. ومن ثم فإن الشهرة الساحقة تحققت للشاعر طاغور وكتابه فوراً، بعد ذلك النشر في الأوساط الأدبية الإنجليزية في لندن.
وكان ذلك الحدث بوابة أولى للكشف عن روعة الهند وعمقها الروحي بالنسبة للغرب. وتلا ذلك فوزه بجائزة نوبل في عام 1913، وأخذته شهرته ليحاضر ويقرأ ويتحدث حول العالم.
وفي عام 1915 تم منحه رتبة فارس من قبل الملك جورج الخامس، وقد تخلى طاغور عن ذلك الوسام والرتبة في عام 1919 بعد مذبحة أمريستار التي راح ضحيتها 400 هندي من المتظاهرين على يد السلطات البريطانية للاحتلال في الهند.
وبالرغم من صداقة طاغور لغاندي إلا أنه كرس نفسه للتعليم وإنشاء المدارس وتنوير عقول النشء الجديد.
لقد كتب طاغور أكثر من ألف قصيدة، وثمانية أجزاء من القصص القصيرة، وأربعة وعشرين مسرحية، وثمانية روايات، والكثير من الكتب الأخرى في المواضيع التعليمية والاجتماعية.
كما أنه ألف أكثر من ألفين أغنية بنغالية وأصبحت اثنتان منهما النشيد الوطني لكل من الهند وبنغلاديش.
وفي عام 1929 بدأ الرسم ولوحاته موجودة في الكثير من المتاحف.
لقد كان طاغور عبقرياً في موهبته وإنسانيته، معاً. ظبية خميس