قراءة لميزان القوى في لبنان ما بعد الانسحاب السوري

بقلم: معقل زهور عدي

أزاح انسحاب الدور السوري في لبنان الستار عن لوحة للتوازنات الداخلية بقيت لوقت طويل محجوبة بفعل التركيز على الوجود السوري باعتباره مفتاح الوضع اللبناني ومركز الثقل فيه.
وحين نقوم بقراءة ميزان القوى الداخلي فان من الحكمة عدم المراهنة على ثباته، فالتوازنات اللبنانية كانت دائما مؤقتة وهشة، كما ان عنصر التدخل الخارجي يزيدها تعقيدا وتبدلا باستمرار.
سيترك الانسحاب العسكري – الأمني السوري (ان تم فعلا كما هو متوقع) خللا في ميزان القوى الداخلي اللبناني، فالمعارضة المتورطة في صراع مكشوف مع السلطة الحقيقية في لبنان والمتمثلة في تحكم الاجهزة الامنية اللبنانية ومراكز القوى الأخرى ضمن الجيش وبعض مفاصل الدولة والتي تتقاطع في مركز رئاسة الجمهورية لن تستطيع بقوتها الذاتية انجاز هدفها في التغيير الجذري، خاصة بعد ظهور القوة السياسية والشعبية لحزب الله دون ان ننسى قوته العسكرية، وهذا العجز الناتج عن الخلل في ميزان القوى سوف يدفع باتجاه احتمالين:
الأول: تعويض النقص في قدرة المعارضة بزيادة التدخل الخارجي لصالحها، والذي يمكن ان يأخذ شكل ضغوط سياسية واقتصادية وربما عسكرية (يجري الحديث في الولايات المتحدة عن قوة متعددة الجنسيات) تمارس على كل من سوريا ولبنان بحيث يتم تفكيك مواقع السلطة اللبنانية واحدا بعد الآخر، وتظهر تصريحات جاك سترو في اعتراضه على تكليف كرامي نية مؤكدة في متابعة الوضع الداخلي اللبناني ودعم المعارضة حتى النهاية.
الثاني: حدوث انعطاف في المسار السابق نتيجة تفجر الوضع الداخلي وانزلاقه الى شفا الحرب الأهلية بحيث تجري عملية اعادة خلط واسعة للأوراق.
يظهر الاحتمال الأول مخاطر تعمق التدخل الخارجي في لبنان في سعيه لتصفية النفوذ السوري المتشابك مع سلطة الأمر الواقع الحالية، بينما يظهر الاحتمال الثاني مخاطر اندلاع أعمال عنف وانزلاق لبنان نحو الفوضى الأمنية.
ان توحد "المجتمع الدولي" وما يتضمنه ذلك من إرادة سياسية مشتركة للولايات المتحدة وأوربة تجاه الوضع اللبناني، والمراقبة اليومية لتطور الأحداث فيه، وميزان القوى الإقليمي، وحجم الضغوط المطبقة على سورية والتي في طريقها للازدياد لن يسمح بتطور الاحتمال الثاني على الأرجح، واذا أخذنا بالاعتبار وضوح التزام حزب الله بالسلم الأهلي ورغبته في خوض الصراع السياسي على الأرضية الديمقراطية طالما لم يطرح موضوع نزع سلاحه من جهة وطالما لم يأخذ التدخل الخارجي شكل التدخل العسكري من جهة ثانية، واجماع بقية الفرقاء على نبذ العنف والاحتكام للوسائل الديمقراطية يمكن الاستنتاج بأن المجتمع اللبناني لن يكون فريسة سهلة لانتشار العنف.
لم تقلب مظاهرة الموالاة ميزان القوى في لبنان ولكنها ألقت الضوء بصورة ساطعة على حقيقة ان حزب الله ليس قوة عسكرية معزولة لا تستطيع خوض الصراع السياسي سوى من وراء المتاريس، وبالتالي يمكن تطويقها سياسيا للوصول الى تطويقها عسكريا فيما بعد.
لقد ظهر حزب الله كقوة شعبية ذات أبعاد سياسية- استراتيجية، ولقد وصلت تلك الرسالة الى الجميع بعد مظاهرة الثلاثاء بمن فيهم الادارة الأمريكية، وانه لأمر ملفت أن يصرح السيد قطوف أحد المسؤولين عن الشرق الأوسط في الخارجية الأمريكية في قناة الجزيرة بما يفيد تفهم الولايات المتحدة لشعبية حزب الله وقوته السياسية بل وتفهمها لامكانية انخراطه في اللعبة الديمقراطية ونيله حصته من السلطة، مثلما هو ملفت توجه السيد حسن نصر الله بنداء رجاء لفرنسا للتراجع عن تأييد القرار 1559.
اذن نحن اليوم في مواجهة قوى سياسية متباينة التكوين والأهداف ولكنها مجمعة على ان تخوض الصراع سلميا وديمقراطيا ويشكل ذلك الاجماع أهم عنصر في السياسة اللبنانية لمرحلة مابعد الانسحاب السوري.
وبالعودة لتأمل ميزان القوى الداخلي في لبنان نجد الآتي:
أولا: قوة المعارضة اللبنانية المتمثلة في رصيدها الشعبي الذي أظهرته خلال الأسابيع السابقة وبالتحديد منذ اغتيال الراحل رفيق الحريري.
تقدم المعارضة اللبنانية نفسها كبديل وطني (تجمع سياسي لعدة طوائف) وتلك نقطة قوة تحسب لها، كما تقدم نفسها كعامل حاسم في اصلاح الدولة والسلطة، وانهاء حقبة الفساد وتحكم الأجهزة الأمنية، ويظهر برنامجها السياسي باعتباره الأكثر وضوحا وفعالية للتغيير الديمقراطي، وهي تتمتع بدعم القوى الدولية، وتستفيد من كفاءات وخبرات ورموز سياسية واسعة وقدرات اعلامية وعلاقات عربية ودولية.
ثانيا: قوة حزب الله المستندة الى:
1- رصيده الشعبي كعمود فقري للمقاومة التي حررت الجنوب.
2- تنظيم سياسي فائق الانضباط والفعالية.
3- قوة عسكرية منضبطة تمتلك التجربة القتالية والأسلحة والمعدات.
4- انسجام إيديولوجي يمدها بالتماسك والحماس.
5- قيادة مجربة وحكيمة تتمتع بالمبادرة والعقلانية ووعي الظروف المحيطة.
6- دعم من الجمهورية الاسلامية في ايران.
7- علاقة وثيقة مع سورية.
ان نقطة الضعف الأكثر أهمية لدى حزب الله تعود للطابع الطائفي لحركته وضعف الكتلة السياسية التي يتحرك حتى الآن من خلالها (الموالاة) حيث ينظر لحلفائه في الغالب كمنتفعين من الوجود السوري.
ثالثا: قوة الجيش اللبناني
ترتبط قيادة الجيش اللبناني بروابط وثيقة مع سورية، ولن يكون من السهل على المعارضة تغيير بنية الجيش وقيادته، لقد أظهرت قيادة الجيش حتى الآن الحكمة في الابتعاد عن تحويل الجيش الى اداة لقمع المظاهرات والاعتصامات، واذا تمكنت قيادة الجيش من ترسيخ موقف الحياد فسوف يؤدي ذلك لتعزيز السلم الأهلي والنظام الديمقراطي، وعلى النقيض من ذلك فان استخدام الجيش كقوة لدعم طرف سياسي ضد آخر سيسفر عن زعزعة السلم الأهلي والنظام الديمقراطي وسيؤدي الى خلل واضح في ميزان القوى ربما استدعى تعديله تدخلا خارجيا.
تلك هي القوى الرئيسية التي تصنع ميزان القوى الداخلي في لبنان في المرحلة الراهنة.
لقد شعر حزب الله ان انتهاء الدور السوري في لبنان سيخلق خللا في ميزان القوى يستدعي تدخل القوى الدولية فسارع الى التحرك في الوقت المناسب لتعديل ذلك الخلل، وبدون شك فان تحركه السريع والفعال سوف يؤدي الى التقليل من احتمال التدخل الخارجي وسيعيد طرح مسألة التوافق الوطني على أسس أكثر ثباتا واستقرارا بعد ان توضح للمعارضة بصورة لا لبس فيها ان من غير الممكن تجاهل قوة حزب الله، او الظن بأن فعاليته السياسية تسمح بمحاصرته وتحييده عن الصراع الجاري بين المعارضة وأركان السلطة.
لقد نجح حزب الله في اعادة شكل معين للتوازن الداخلي في لبنان وتقليل احتمال التدخل العسكري الخارجي، لكن التحدي الكبير الذي يواجهه هو النجاح في ان يصبح قوة للتغيير الديمقراطي واصلاح الدولة لا عقبة أمامه، وان يخرج شيئا فشيئا من الشرنقة الطائفية الى الفضاء الوطني، والأمل ان تقوده عقلانية قيادته ونزاهتها ووطنيتها لوعي تلك الضرورات.
لقد خرج الجيش السوري من لبنان، ومن المنطقي ان نتوقع تداعي نفوذ الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية هناك، وبالتدريج سيكتشف الحكم في سورية أن من الصعوبة بمكان ايجاد طريقة لاستعادة الوضع السابق، اما حلفاء سورية فقد اختار أثقلهم وزنا (حزب الله) الانضمام الى اللعبة الديمقراطية في لبنان كطرف أصيل فيها دون ان يعمد الى قطع روابطه السياسية مع سورية، ولكن تلك الروابط لم تعد تعني الآن وأكثر من أي وقت مضى التبعية وانتظار القرار من دمشق ومثل ذلك التحول لايقل أهمية عن التحولات الأخرى التي سيتركها الانسحاب السوري من لبنان،وبمقدار انغماس حزب الله في اللعبة الديمقراطية وحصوله على نصيب من المقاعد البرلمانية والحقائب الوزارية بمقدار ما سوف يبتعد عن روابطه القديمة السورية-الايرانية، وستدفعه شعبيته التي ظهرت واضحة في الشارع لتعميق جذوره اللبنانية على حساب الروابط الخارجية، لكن ذلك لن يأتي بسرعة كما انه سيجد مقاومة بتأثير الخوف من أن يكون مستهدفا (وهو مستهدف بالفعل) وبتأثير الأفكار المذهبية والمرجعية الدينية.
مسألة تدهور النفوذ السوري في لبنان أصبحت مسألة وقت، ولن يفيد في شيء بذل المحاولات لتحريك الأوراق المتبقية هناك بهدف خلق وضع يستعيد فيه الدور السوري مكانته المفقودة، وستسبب مثل تلك المحاولات على الأغلب المتاعب للنظام السوري وتستهلك طاقته دون جدوى، وربما تعرضه لزيادة العزلة والانكشاف امام القوى الدولية المتربصة.
ان الطريقة الوحيدة لاستعادة شيء من النفوذ في لبنان هي استجابة سورية للمطالب الديمقراطية في لبنان، وانتقاد المرحلة السابقة بمساوئها، والابقاء على مسافة بين سورية وسائر الفرقاء، والتخلي عن الحلفاء الفاسدين الذين لا يجتمعون سوى على الغنيمة.
تقتضي الحقائق الناجمة عن انسحاب سورية من لبنان وانهيار نفوذها السابق فيه مقاربة أكثر عقلانية للنظام السوري تجاه المسألة الداخلية، وهذه ليست تمنيات ولا مطالب سياسية ولكنها ناتج موضوعي لتطور الأحداث في سياقها العام.
وسيكون امرا غير مفهوم اهمال النتائج المنطقية للانسحاب من لبنان أو الاستسلام لرد فعل يريد الذهاب في الاتجاه المعاكس.
ثمة تيار شامل يستمد قوته الجارفة من معطيات العصر وحقائق موازين القوى العالمية والاقليمية سوف يضاف اليه حقيقة تطور سياق الأحداث الأخير واشتداد رغبة واستعداد القوى الدولية للتدخل يجعل من استمرار الوضع على حاله في سورية أمرا غير ممكن والاكثر لاعقلانية هو الانتكاس الى تشديد القمع كطريق لاستعادة التوازن.
امتحان استحقاق ما بعد لبنان ربما يكون فرصة سورية الأخيرة للتغيير الديمقراطي الحقيقي قبل أن يداهمنا الخارج على حين بغتة. معقل زهور عدي