قراءة في محاور الحرب على إيران

بقلم: محمد الياسين

في نظرة تقليدية عامة الى مسار احداث قضية ملف إيران النووي وتداعياته المحتملة نجد صعوبة في تقبل افكار سوقتها آلة الاعلام الغربي تنذر بقرب موعد توجيه ضربة عسكرية لطهران وإقتراب المنطقة من ساعة صفر تعلن فيها إسرائيل شن حرب على النووي الإيراني، زخم مواد الاعلام في تحليل الزوايا العسكرية الفنية والجيوسياسية والاقتصادية لسيناريوهات يحتمل وقوعها لا يعني بالضرورة دخول ساعة الصفر في توجيه ضربة عسكرية لإيران. لا سيما وأن أغلب التقارير الاخبارية والوثائقية تناولت بدقة عالية تحديد صنوف عسكرية ستشترك بالضربة، والمواقع المستهدفة منها، بالمكان والوقت المتطلب لاصابة أو تدمير الهدف، وكذلك صعوبات فنية سيواجهها الطيران الاسرائيلي وأبرزها مسألة تزويده بالوقود أثناء قيامه بقصف الاهداف الإيرانية.

تحولات المشهد السياسي الاسرائيلي

تفيد تقارير إخبارية صادرة من إسرائيل عن حالة ترقب حذر يعيشها الشارع الاسرائيلي تجاه السياسات المرتقبة للتحالف الحكومي الجديد، خاصة فيما يتعلق بشأن تهديدات النووي الإيراني، برغم من اجماع الاسرائيليين على ضرورة إيجاد حلول حقيقية لتلك التهديدات، فأن خطوة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوسيع تحالف حكومي بضم شاؤول موفاز وزير الأمن الوطني الأسبق وزعيم حزب كاديما أحد ابرز الأحزاب السياسية في اسرائيل ألقت بالكثير من التساؤلات حول طبيعة أهداف وسياسات التحالف الحكومي الجديد.

تخوف المجتمع الدولي من اتساع نطاق تحالف حكومي يضم رئيس المعارضة يصب باتجاه تخوفهم من قيام اسرائيل بخطوة استباقية أحادية بتوجيه ضربة عسكرية لإيران في ظل ظروف مضطربة تعيشها المنطقة والعالم. خاصة وأن مصادر إسرائيلية قد رجحت في وقت سابق إقتراب موعد الهجوم على المشروع النووي الإيراني بعد إنضمام رئيس المعارضة شاؤول موفاز لحكومة نتنياهو، ونقل اذاعة الجيش الاسرائيلي عن مصادر مطلعة في مكتب رئيس الوزراء نتنياهو قولها ان السبب الرئيسي لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بقيادة موفاز ونتنياهو هو مواجهة التحديات الامنية والسياسية المقبلة والتي تتطلب توحد المجتمع الاسرائيلي خلف حكومته في مواجهة مستقبل مليء بالمفاجآت.

وقالت المصادر ان نتنياهو شعر بخيانة التحالف الغربي لمشروعه في مهاجمة البرنامج النووي الإيراني في ظل الغزل المعلن والخفي بين طهران وواشنطن. وتوقعت المصادر ان يحدث تغيير دراماتيكي في موقف موفاز المعارض لشن هجوم على إيران وان ينتقل بموقفه الجديد الى التأييد لشن عمليات كبرى ضد البرنامج النووي الإيراني.

تأثيرات أزمة أوروبا الاقتصادية على صناعة قرار الحرب

تفاوت المواقف داخل منظومة الاتحاد الأوروبي بخصوص خيارات التعامل مع القضية النووية لإيران بسبب تداعيات كارثية محتملة اقتصادياً وسياسياً وامنياً، وفي مقدمة مخاوف الدول الأوروبية من اللجوء للخيار العسكري هو ارتفاع أسعار النفط المُصدر لأوروبا من الشرق الأوسط في ظل أزمة اقتصادية خانقه تعيشها دول الاتحاد أودت بإسقاط رئيسي اليونان وفرنسا، والتي تعد سبباً في شعور سائد لدى الاوساط الاسرائيلية وتحديداً رئيس الوزراء نتنياهو بعدم رغبة الغرب باللجوء للخيار العسكري ضد إيران، لا سيما وأن اولاند الرئيس الفرنسي الجديد الذي يضم في طاقمه مستشارين من اصول إيرانية يعد من المعارضين لخيار الحرب على إيران.

يُراهن الإيرانيون على عدم قدرة الغرب والأوروبيين تحديداً في الظروف الراهنة في الذهاب للخيار العسكري استناداً الى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أوروبا وحاجتهم لاستمرار تدفق النفط بسعر منخفض وذلك لا يتحقق إلا عبر استمرار فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية على طهران دون اللجوء لخيارات عسكرية تؤدي لرفع أسعار النفط عالمياً فيكون فيها منفعة اقتصادية لإيران وضرر لأوروبا.

أزمات إيران الداخلية

وضع إيران الداخلي ليس أقل سوءاً من وضعها الخارجي، بسبب حالة غليان شعبي تعيشها البلاد منذ مدة، تفاقمت مع فرض عقوبات اقتصادية فرضها المجتمع الغربي ويرجع شعب إيران اسبابها الى سياسات النظام الخارجية، ارتفاع نسب الفقر بين أوساط المجتمع الإيراني وتزايد حالة السخط بين أوساط الجيل الجديد التواق الى التحرر والحداثة ورفض استمرار سطوة رجال الدين على كافة مفاصل الحياة الإيرانية بقوة الباسج والحرس الثوري والاجهزة الامنية الاخرى التابعة للنظام الحاكم، إضافة لأزمة سياسية خانقة بين تيار المحافظين والاصلاحيين من داخل مؤسسة النظام وأزمة حقيقية بين الرئيس الإيراني والمرشد الاعلى للجمهورية، تحديات وازمات جدية تعيشها إيران، يرى بعض المتشددين داخل مؤسسة النظام في خيار الحرب سبيل لانقاذ نظامهم بتوحيد القيادة الإيرانية والتفاف الشعب حول اركان النظام في حال تعرضت البلاد الى حرب اسرائيلية دولية.

انتخابات الرئاسة الاميركية

لم يعرف في السابق عن تاريخ السياسة الأميركية لجوء قادتها الى خيارات تصعيدية حربية عند الاقتراب من موعد انتخابات رئاسية، ولطالما اتجهت نحو التهدئة في القضايا الخارجية كلما اقتربت من انتخابات في البلاد، لا سيما اليوم في القضية السورية والنووي الإيراني، بالرغم من استئناف الادارة الاميركية بيع السلاح للبحرين، وصفقة الطائرات للامارات والسلاح للسعودية، وكذلك وصول اسطول اميركي جديد للمنطقة، إلا انه تبقى مخاوف الاميركيين من اندلاع حرب إسرائيلية ـ إيرانية قائمة على أساس قدرة الإيرانيين عبر حلفائهم بضرب الاهداف والمصالح الاستراتيجية لاميركا بالمنطقة، خاصة مع حالة الارباك التي تعيشها دول المنطقة بسبب التحولات السياسية والاجتماعية فيها.

تفاؤل إيران في اجتماع بغداد 5+1

رغبة الإيرانيين في عقد اجتماع مجموعة 5 +1 في بغداد لتحقيق غايات سياسية منها دعم الحليف العراقي لإيران "المالكي" بتعزيز مواقفه السياسية وكذلك الحليف السوري "المُقعد" حالياً عن لعب أي دور اقليمي بسبب مواجهته ثورة شعبية سورية. ولا تتعدى كونها مناورة سياسية إيرانية من اجل حلحلة الأزمة مع المجتمع الغربي، وغزل إيراني معلن للدول الكبرى بإشارة واضحة جاءت على لسان وزير الخارجية على اكبر صالحي في طمأنة الأسرة الدولية من اجتماع بغداد المزمع عقده قال "إذا كنا قد خطونا في اسطنبول خطوة واحدة الى الأمام فإننا سنخطو في بغداد خطوات كثيرة الى الأمام".

خلاصة

يتضح بعد السرد الذي تقدمنا به صعوبة ذهاب الاسرائيليين لخيار الحرب دون موافقة أوروبية ـ أميركية، خاصة وأن إسرائيل تحيط بها جبهات مناوئة في كل من لبنان وفلسطين وسوريا وموالية لإيران، تحاصر قرارها السياسي بشن حرب على طهران، رغم تصريح اسماعيل هنيه أحد قادة حركة حماس الحليفة لإيران ورئيس الحكومة المُقالة في غزة بتحييد الساحة الفلسطينية عن الحرب في حال شنت إسرائيل هجوماً عسكرياً على طهران بقوله "عدم محاربة حماس لإسرائيل من أجل إيران"، إلا أن تصريحات السيد حسن نصر الله الاخيرة أكد فيها على جاهزية حزب الله وقدرة صواريخه الإيرانية على أن تصل الى اهداف حساسة في إسرائيل وتحديداً تل أبيب، لا سيما في ظل الأزمة التي يعيشها نظام الاسد وبحث الاخير عن طوق نجاة للخروج من نطاق الأزمة السورية، والذي قد يجد بقيام الحرب وتصدير الأزمة إليها ضالته، خاصة مع امتلاك النظام السوري لترسانه كبيرة من صواريخ إيرانية وروسية وكورية.

كذلك سعى النظام الإيراني الى تهدئة الأزمة عبر مناورات سياسية وطرق ملتوية بخداع المجتمع الدولي وتضليل شعوب المنطقة عن حقيقة أهداف برنامجه النووي ليس الخيار الوحيد لإيران في حال اشتدت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بسبب إستمرار فرض العقوبات الدولية فقد تلجأ لمزيد من سياسات التصعيد في محاولة لجر المنطقة الى حرب ترفع سعر النفط الإيراني وكذلك النفط المُصدر لأوروبا والذي يعد كارثة اقتصادية أخرى تعصف بدول الاتحاد الأوروبي.

يبقى احتمال شن اسرائيل حرب عسكرية على إيران قائماً كلما اتجهت الاطراف الدولية الى تهدئة الاجواء عبر الدبلوماسية الإيرانية ـ الغربية، وكسب النظام الإيراني مزيداً من الوقت وتقديم بعض التنازلات دون التنازل عن المشروع النووي، رغم أن مماطلات الغرب وإيران وترجمتها الى عقوبات اقتصادية يقابلها غضب وترقب اسرائيلي قد يخرج عن اطار التحركات الدبلوماسية الى أفعال قد تكون قاسية على الجميع عبر اتخاذ قرار سياسي بإعلان حرب عسكرية على طهران، رغم أن هكذا قرار لن يكون جاهز في الوقت الراهن عند الأخذ بعين الاعتبار الظروف والمعطيات التي ذكرناها، فإن آخر ما ينتظره قادة الاتحاد الأوروبي من تل ابيب هو إعلان موعد للحرب على طهران.

محمد الياسين

Moh.alyassin@yahoo.ca