قراءة في انتحار غازي كنعان

بقلم: د. خليل حسين

ربما يعتبر البحث في انتحار شخص ما امرا ممكنا رغم المصاعب وتعدد الاحتمالات والدوافع والاسباب، الا ان البحث في اسباب الانتحار لشخص غير عادي يعتبر امرا شائكا وصعبا نظرا لتداخل العديد من الاعتبارات العادية بغيرها من الاسباب التي تبدو في بعض الاحيان غير منطقية او غير قابلة للفهم. وعلى الرغم من عدم استثنائية الحدث لدى صفوف السياسيين في مختلف دول العالم، الا ان في بعضها من الدول ترتدي طابعا خاصا تضفي على التحليل والبحث طابعا مشوقا ولو انه يبقى في اطار الافتراضات والتحليل ليس الا. فشخصية غازي كنعان وموقعه ودوره في الحياة السياسية السورية الداخلية وخارجها يلقي العديد من التساؤلات التي يصعب الاجابة عنها من دون استعراض الجوانب الخاصة التي تحيط بشخصه وأثره العملي، ومن ابرزها:
- فمن الناحية العملية لا يعتبر رجلا سياسيا فحسب ضمن التسلسل الهرمي لنظام الحكم في سوريا بل ايضا من اهم رموزها الامنيين ليس في الداخل بل ان اهمية هذه الناحية اكتسبها بفضل المسؤوليات التي تسلمها في لبنان خلال عقدين من الزمن؛وعلاوة على ذلك ان المواقع التي شغلها لم تكن في ظروف عادية بل في ظروف استثنائية بامتياز، ففي لبنان وخصوصا فترة الثمانينيات التي شهدت صراعا قويا بين اجهزة مخابرات اقليمية ودولية مكنته من الامساك بخيوط كثيرة ومتنوعة تتعلق بملفات اقليمية ودولية غاية في الحساسية تمس شخصيات وانظمة وسياسات دول وحتى قرارات تصل الى حدود الحرب والسلم في منطقة تعج بأسباب الحروب والفتن والمؤامرات.
- لقد تمكن من خلال موقعه والظروف المحيطة بها من الامساك بملف لبنان في السياسة الخارجية السورية الى حد القول انه لعب الدور الاساس في هندسة الحياة السياسية اللبنانية، كما تمكن من القبض على مكامن لعبة السلطة الداخلية بجميع مفاصلها الصغيرة والكبيرة الى حدود صناعة الرؤساء والحكومات والمجالس النيابية، ما اعطاه هيبة سياسية وامنية لم تتوفر لغيره، وعلى الرغم من ما اشيع عن اقصائه عن الملف اللبناني ظل يعتبر مرجعا فاعلا من الصعب تجاوزه نظرا لشبكة العلاقات التي انشأها في مختلف المجالات والاتجاهات.
- ان الاهمية الخاصة التي احاطت بشخصه مؤخرا، في انه من الاشخاص المخضرمين في الحياة السياسية السورية واللبنانية، فهو وان اعتبر من الحرس القديم ، فقد اختير لمتابعة ملفات سوريا الداخلية في اصعب الظروف ما بعد الرئيس حافظ الاسد، كما ظل في دائرة القرار السوري رغم ما اشيع عن بهتان نجمه في خلال المرحلة القصيرة الماضية.
- وعلى الرغم من وجود سوابق كثيرة لحالات "انتحار سياسي" في سوريا وغيرها من الدول لم تؤد وظيفتها كما يخطط لها، فان نهايته في هذا الشكل من المفترض ان تؤدي وظيفة ما ، باعتبارها حدثا تتقاطع فيها تواريخ وملفات مفصلية في سوريا ولبنان؛ اذ انه من الصعب فصل الحدث عن المجريات المحيطة بموقعه وما يملك من معلومات في ملفات كثيرة.
وبصرف النظر عن الخبريات التي رافقت الحادثة فان تحليل التصريح الاخير له يشير العديد من التساؤلات التي تستحق الوقوف عندها والتعليق عليها ومنها:
- ان التصريح اتى بناء على طلبه، كما ان القسم الاكبر منه يبدو مكتوبا، باستثناء الجمل الاخيرة حول تمنيه نشر التصريح في بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية تحديدا واستطرادا لكافة المحطات، ما يوحي بدلالات معينة رغم انها غير حاسمة.
- كما ان سياق التصريح ونبرة الصوت لا تشير الى ارتباك يوحي بخلفية ما، وكل ما يُستشف منه بشكل عام توضيح لدورِ لعبه في الحياة السياسية اللبنانية، ورغم انه مقتضب من الناحية العملية الا ان فيه الكثير من العتب على عدم تقدير الدور وكأنه دفاع عن النفس باتجاه بعض التقارير.
- ان التدقيق في نص التصريح من بدايته الى نهايته وليس كما تمَّ بثه احيانا لا يعني بالضرورة تفسير التصريح على انه الاخير قبل الانتحار، فسياق النص يوحي بأن التصريح سيكون "التوضيح" الاخير حول حادثة بعينها والمتعلقة بالتقرير التلفزيوني.
ان رحيل غازي كنعان في هذا الوقت بالذات قد يضع سوريا في عين العاصفة مجددا، ويزيد الضغوط عليها، وفي أي حال فإن وفاته تعتبر ضربة معلم لمن يهوى الاستثمار والتوظيف السياسي للاحداث والتداعيات المتعلقة بها، فهل ان رحيله قد اسدل الستار على اسرار كثيرة تقلب معطيات كثيرة؟ ام ان رحيله يشكل حاجة متبادلة لأطراف ربما تقاطعت مصالحها على رحيله؟ اسئلة تحتاج الى اجوبة وربما يكون العمر المديد للجنة التحقيق الدولية بابا لحل مثل تلك الأحاجي. د. خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت