قراءة في العلاقات الخليجية الايرانية

بقلم: أحمد غراب

اتسمت العلاقات الايرانية ـ الخليجية بالتأرجح مع الدول الخليجية نتيجة مماطلتها للامارات بشان الجزر الاماراتية (ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) هذا بالإضافة الى انتهاج ايران سياسة معتدلة تجاه الدول العربية عامة والدول الخليجية المجاورة خاصة نتيجة لمحركها الاساسي في هذه العلاقة المتمثل بالمنفعة القومية الايرانية.
ويمكن القول ان العلاقات الخليجية الايرانية علاقات موغلة في القدم تتسم بالحذر المتبادل الممزوج بالصراع الخفي في احيان كثيرة وقد وصل التفاوت والاختلاف الى درجة اظهار الصراع على اسم الخليج بالاضافة الى وجود الكثير من الشوائب التي مثلت ولازالت تمثل عوائق تحول دون تقدم العلاقات المستقرة بين الجانبين في منطقة تعتبر عصب الحياة الاقتصادية والتجارية بما فيها من مخزون نفطي وبما تصدره هذه الدول من نفط ومواد كيماوية الى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين.
ومن خلال تتبع اثر ومنحى العلاقات الخليجية الايرانية عبر أكثر من خمسة وعشرين عاما ندرك جيدا ان التقلب كان سيد الموقف في تلك العلاقات بالرغم من أن ايران ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية، إلا أن العلاقات السياسية ليست كذلك وإذا كانت العلاقات الدولية تعتمد على الاقتصاد كعنصر أساسي لقياس مدى قوة العلاقات، فإن الحالة الخليجية ـ الايرانية تنفرد بأنها مختلفة تماما عن هذه القاعدة والمتابع للعلاقات الخليجية الايرانية يستطيع أن يلاحظ بسهولة قدر التناقض بين العلاقات الاقتصادية وقوتها وبين العلاقات السياسية وتقلباتها، فالتعاون الاقتصادي على أشده بين الطرفين والسعي للمحافظة على سوق النفط الدولي كان باديا، والرحلات الجوية لا تتوقف اطلاقا، والبضائع الايرانية تكاد تغلب على البضائع الخليجية في بعض الدول مثل الامارات العربية المتحدة والبحرين، إلا أن الجانب السياسي كان الغالب الأكبر على العلاقات الخليجية ـ الايرانية، وتأثرت العلاقات بين المواطنين في الخليج عامة بهذا التجاذب السياسي الخليجي الايراني.
ومن خلال سبر اساسيات الجغرافيا السياسية التي تتمتع بها ايران يمكننا الى الوصول الى عدد من المعطيات السياسية الهامة ابتداء من موقع لإيران بالإضافة إلى كبر عدد السكان والموارد الطبيعية في أراضيها كل ذلك جعل الإيرانيين يعتقدون أنهم على الدوام الأكثر قدرة وامكانية من غيرهم في المنطقة، ويرددون باستمرار ان استبعادهم عن النظام الأمني في الخليج لا يمكن ان يؤدي إلا الى زعزعة الاستقرار في المنطقة الخليجية ويمكن قراءة هذه الحقيقة من خلال العودة بالذاكرة الى العام 1968 حينما أعلنت بريطانيا الانسحاب من شرق قناة السويس وكان لزاما ان تحل قوة محلها بداية سبعينيات القرن الماضي لذا لم تترد الولايات المتحدة الغارقة في فيتنام ان توكل المهمة الى إيران كقوة إقليمية لاحلال الاستقرار بمنطقة الخليج وقد أدرك صناع القرار الأمريكي ان تولي إيران السيطرة على دول خليجية لا يروق للعرب بل واعتبر تهديدا لوجودهم لذا توجهت الى المملكة العربية السعودية لتكون شريكا قويا إلا ان الحقيقة تظل ان السعودية لم تكن مهيأة إلا للعب دور مشارك صغير في إطار الترتيبات الأمنية الجديدة في وقت بدا فيه شاه إيران انه يريد القيام بدور الحامي الجديد وان يحل عسكريا محل البريطانيين وبذلك توجه لبناء قوة عسكرية إقليمية ساعده في ذلك الثقل البشري والإمكانات الاقتصادية تدخلت على ضوئها في مساعدة عمان في قمع ثوار ظفار ويقال إن قواتها شاركت في حرب اليمن ضد التواجد المصري هناك، ومع مع قيام الثورة في إيران عام 1979 انهار الهيكل الأمني في الخليج، حيث سقط الشاه وتلاه دخول القوات السوفيتية أفغانستان مما حدى بالرئيس الأمريكي كارتر عام 1980 إلى القول إن استخدام القوة لردع خطوات سوفيتية أخرى باتجاه الجنوب بات ضروريا، وعرف ذلك بمبدأ كارتر ونص على ما يلي: إن أي محاولة من أي قوة خارجية لبسط السيطرة على الخليج الفارسي ستعتبر هجوما على المصالح الحيوية الأمريكية وان مثل هذا الهجوم سيصد بأي وسيلة ضرورية بما في ذلك القوة العسكرية، ولم تلزم أمريكا نفسها بالرد عسكريا على أي تحرك سوفيتي نحو المنطقة فحسب بل أثارت أيضا احتمال الرد عسكريا على أي تهديد لإمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط الى الدول الغربية
ويمكن القول إن «العقيدة» في الآيديولوجية الايرانية بعد الثورة، لعبت دور الركيزة الأساسية لرؤية إيران «الثورية» للعالم الخارجي، خاصة في العقد الأول من عمرها. ولعل مقولة الخميني تعتبر أصدق تعبير عن ذلك، عندما أعلن قائلا: «إننا نواجه الدنيا مواجهة عقائدية». وهذا ما يفسر اقدام الثورة على لغة خطابية جديدة ومتفردة للتعبير تجاه الخارج. ويرى المراقبون أن المنظور الإيراني ـ في تلك الفترة ـ الذي اعتبر مفهومي الاستقلالية والحكم الإسلامي المحورين الآيديولوجيين الرئيسيين، هما في الواقع المدخلان الآيديولوجيان اللذان أثرا بشكل أو بآخر على تطور العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، فحينما زاد التمسك بهما زادت درجة التوتر في هذه العلاقات، وهو ما ساد في الثمانينات، خاصة في ظل الحرب العراقية ـ الإيرانية، وموقف العرب المساند للعراق أمام ما عرف بالتهديد الإيراني للمنطقة، وارتبطت هذه الفترة بمبدأ «تصدير الثورة»، الذي تعاني دول الخليج من حساسية مفرطة تجاهه لوجود أقليات شيعية كبيرة فيها خاصة البحرين ثم السعودية والكويت.
وبالرغم من تذبذب العلاقات الايرانية ـ الخليجية، بسبب قضيتي الجزر الاماراتية واضطرابات البحرين، استمرت كل من قطر وعمان في علاقة قوية مع إيران، خاصة أن مضيق هرمز فرض بعضا من خصوصية التعاون العسكري والأمني بين إيران وعمان على وجه التحديد، وانضمت لهما بعد ذلك الكويت بدرجة أقل، مع استمرار العلاقات متدهورة مع كل من الإمارات وبدرجة أقل البحرين، ثم جاء الانفتاح الكبير مع السعودية، والزيارتان المتبادلتان التي قام بها الأمير عبدالله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي في حينه، إلى طهران، والرئيس رفسنجاني إلى الرياض، فكانت نقلة كبرى في توجه العلاقات الخليجية ـ الايرانية نحو بداية مرحلة جديدة. ويمكن القول إن تولي رفسنجاني للحكم في بلاده قاد ايران إلى الاعتدال السياسي، وكان بمثابة عامل تخفيف لقيود البيئة الخارجية، حيث أحدث تحولا تدريجيا في مجالات مثل تصدير الثورة، ومع انتهاء الحرب العراقية ـ الايرانية، كان الغزو العراقي للكويت فرصة للجانبين لاظهار تقارب ضد العدو الجديد، وهو النظام العراقي السابق، فأظهر الجانبان بعض الاشارات التي ساهمت في تحسين نسبي للعلاقات بينهما، وشهدت فترة التسعينات تطبيع العلاقات بين ايران والعديد من الدول العربية، وتحديداً الدول الخليجية. وبدا أن هناك قناعة ايرانية ـ خليجية مشتركة بضرورة الاستمرار في تطبيع العلاقات الثنائية. وكان لافتا انقطاع الشكوى الخليجية الدائمة من وجود تدخلات ايرانية في الشؤون الخليجية الداخلية، كما كانت الحال في النصف الاول من التسعينات، وما قبله، حتى التقارب الخليجي ـ الأمريكي، اصبح الايرانيون يتعاطون معه وفق عملية تطبيع سياسي اقتصادي اعلامي. وكل ذلك اسهم في التخفيف من حالات الاحتقان بين الجانبين، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية بتبادل السفراء وتبادل الزيارات الرسمية على أعلى المستويات، وفرض خطاب الرئيس خاتمي الاصلاحي، تغييرا حقيقيا للسياسة الخارجية الإيرانية حيال الدول الخليجية.
ويرى البعض أنه من غير مصلحة الجانبين (الخليجي والايراني)، أن تكون علاقتهما مبنية على هاجس الحذر والترقب بحكم ان المصير المشترك الذي يجمع بين دول الخليج قاطبة، أكبر من أي تصعيد قد يلقي بظلاله سلبيا على الطرفين.
وعلى الصعيد المعاكس فلقد ظلت السياسة الإيرانية تجاه الجزر الإماراتية كما هى بل وازدادت حدة المشكلة في مارس/آذار عام 1992 حيث قام رئيس جمهورية إيران الإسلامية السيد هاشمي رفسنجاني بزيارة مفاجئة لجزيرة ابو موسى، وتعتبر هذه الزيارة أول زيارة يقوم بها رئيس إيراني الى الجزيرة منذ احتلالها وشقيقتيها طنب الكبرى وطنب الصغرى من طرف إيران في عام 1971عقب هذه الزيارة، بادرت السلطات الإيرانية الى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الإدارية سعت إيران من ورائها الى تأكيد سيطرتها وفرض هيمنتها على كل تراب الجزيرة، وعلى الأشخاص المقيمين على اراضيها، في خطوة منها نحو ضمها الى أراضيها ضماً واقعياً. فمنعت رعايا دولة الأمارات العربية المتحدة الموجودين في الجزيرة، وهم سكان الجزيرة الاصليون، وكذلك الوافدون العرب والأجانب من التجول في الجزيرة إلا ضمن كيلومتر واحد داخل المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها السكان العرب ومرافق الخدمات الحكومية الاتحادية في ابوظبي كما فرضت السلطات العسكرية الإيرانية في الجزيرة سلسلة من الإجراءات الأمنية والإدارية على سفن الصيد التابعة لمواطني الاتحاد، وعلى الخصوص السفن المملوكة لسكان الجزيرة. كمنعها من الصيد بحرية في المياه الإقليمية للجزيرة، إلا بتصاريح صادرة عنها تجدد كل خمسة أيام .وفي محاولة من السلطات العسكرية الإيرانية لفرض سيادة إيرانية واقعية على الجزيرة قامت إيران بمنع إدخال السيارات التي تحمل لوحات رسمية إماراتية، كما منعت رفع علم الأمارات فوق الجزيرة خلافا لما تنص عليه مذكرة التفاهم بين حكومتي الشارقة (الأمارات) وإيران عام 1971.
ووسعت السلطات العسكرية الإيرانية من نطاق منطقة وجودها العسكري، وفي الجزيرة التي تبلغ مساحتها 32 كم مربع تقريبا. وفي نطاق هذا التوسع، قامت ببناء قرية ايرانية نموذجية، واقامت نقاطا عسكرية في المنطقة العربية من الجزيرة، واحتلت مواقع في منطقة مناجم اوكسيد الحديد الأحمر (ألمغر) في الجزر الشرقي منها المعروف بمنطقة »الخلوة« وتشير مصادر دبلوماسية في ابوظبي الى ان إيران عززت قواتها العسكرية في الجزيرة، وزادت أعداد العسكريين من 120 الى 500 عسكري، ونصبت قواعد لصواريخ سيلك ويرم الصينية الصن .
ويرى بعض الباحثين والسياسيين العرب ان أهم السبل لتطوير العلاقات وتعزيزها بين ايران ودول الخليج العربية يمكن تلخيصها في الخطوات التالية:
اولا: التنسيق بين دول المجلس بسياسة موحدة تجاه ايران.
ثانيا: أهمية العمل بمصداقية على احداث السلام في العراق وحل المشكلة العراقية بعيدا عن الطائفية أو تقسيم العراق.
ثالثا:مساعدة العراق للخروج من محنته.
رابعا: تخلي ايران عن نهج واستغلال الملف العراقي.
خامسأ: اهمية العمل بصدق على حل الخلاف حول الجزر العربية الثلاث بين ايران ودولة الإمارات.
سادسا:على كلا الطرفين ان يضع في الاعتبار ان التسوية السلمية لأزمة الملف النووي الإيراني هي من مصلحة جميع دول المنطقة والعمل على جعل منطقة الخليج خالية من اسلحة الدمار الشامل.
سابعا:عدم اغفال ما تقوم به اسرائيل وما تملكه من سلاح نووي.
ثامنا: تلبية طموحات الفرق المذهبية بدول مجلس التعاون وبما يعزز الوحدة الوطنية وتماسك أبنائها واضعاف التمسك بالمرجعيات
الخارجية.
تاسعا: العمل على تأسيس منتدى للحوار يشمل العراق وإيران واليمن لتبادل وجهات النظر حول الهموم والهواجس المشتركة مع إعطاء دور كبير للمنظمات الأهلية وغير الحكومية ودور في تعزيز العلاقات الخليجية الإيرانية. أحمد غراب