قراءة في « كتابة على ضوء بندقية» لمحمود درويش

بقلم: أحمد فضل شبلول

* أوَّلا: القصيدة

شولميت انتظرت صاحبها في مدخل البار
من الناحية الأخرى يمر العاشقون،
ونجوم السينما يبتسمون
ألف إعلان يقول
نحن لن نخرج من خارطة الأجداد
لن نترك شبرا واحدا للاجئين
* شولميت انكسرت في ساعة الحائط
عشرين دقيقة
وقفت ، وانتظرت صاحبها
في مدخل البار، وما جاء إليها
قال في مكتوبه أمس:
"لقد أحرزت ، يا شولا ، وساما وإجازة
احجزي مقعدنا السابق في البار،
أنا عطشان ، يا شولا ، لكأس وشفة
قد تنازلت عن الموت الذي يورثني المجد
لكي أحبو كطفل فوق رمل الأرصفة
ولكي أرقص في البار" ..

من الناحية الأخرى ،
يمر الأصدقاء
عرفوا شولا على شاطئ عكا
قبل عامين ، وكانوا
يأكلون الذرة الصفراء ..
كانوا مسرعين
كعصافير المساء
* شولميت انكسرت في ساعة الحائط خمسين دقيقة
وقفت ، وانتظرت صاحبها
شولميت استنشقت رائحة الخروب من بدلته
كان يأتي ، آخر الأسبوع كالطفل إليها
يتباهى بمدى الشوق الذي يحمله
قال لها: صحراء سيناء أضافت سببا
يجعله يسقط كالعصفور في بللور نهديها
وقال:
ليتني أمتد كالشمس وكالرمل على جسمك ،
نصفي قاتل والنصف مقتول ،
وزهر البرتقال
جيد في البيت والنزهة ، والعيد الذي
أطلبه
من فخذك الشائع في لحمي ..
مميتٌ
في ميادين القتال !
* وأحست كفه تفترس الخصر ،
فصاحت : لست في الجبهة
قال: مهنتي !
قالت له: لكنني صاحبتك
قال: من يحترف القتل هناك
يقتل الحب هنا
وارتمى في حضنها اللاهث موسيقى ،
وغنى لغيوم في أشجار أريحا ..
يا أريحا ! أنت في الحلم وفي اليقظة ،
ضدان
وفي الحلم وفي اليقظة حاربت هناك
وأنا بينهما مزقت توراتي
وعذبت المسيحا ..
يا أريحا ! أوقفي شمسك .. إنا قادمون
نوقف الريح على حد السكاكين ،
إذا شئنا ، وندعوك إلى مائدة القائد
إنا قادمون ..
* وأحست يده تشرب كفيها .. وقال:
عندما كان الندى يغسل وجهين بعيدين
عن الضوء: أنا المقتول والقاتل
لكن الجريدة
وطقوس الاحتفال
تقتضي أن أسجن الكذبة في الصدر ،
وفي عينيك ، يا شولا ، وأن أمسح رشاشي
بمسحوق عقيدة !
أغمضي عينيك لن أقوى على رؤية
عشرين ضحية
فيهما ، تستيقظ الآن ، وقد كنت بعيدة
لم أفكر بك .. لم أخجل من الصمت الذي
يولد في ظل العيون العسليةْ
وأصول الحرب لن تسمح أن أعشق
إلا البندقية !
* سألته شولميت:
ومتى نخرج من هذا الحصار ؟
قال ، والغيمة في حنجرته :
أي أنواع الحصار ؟
فأجابت : في صباح الغد تمضي ،
وأنا أشرح للجيران أن الوهلة الأولى
خداع للبصرْ ..
نحن لا ندفع هذا العرق الأحمر ..
هذا الدم لا ندفعه ،
من أجل أن يزداد هذا الوطن الضاري ..
حجر
قال : إن الوقت مجنون ،
ولم يلتئم الليلة جسمانا
دعيني ..
أذب الآن بجسم الكستنا والياسمين
أنت ـ يا سيدتي ـ فاكهتي الأولى
وناما ..
وبكى في فرح الجسمين ، في عيدهما
لون القمر
* شولميت استسلمت للذكريات
كل رواد المقاهى والملاهي شبعوا رقصا
وفي الناحية الأخرى ، تدوخ الفتيات
بين أحضان الشباب المتعبين
وعلى لائحة الإعلان يحتد وزير الأمن:
لن نرجع شبرا واحدا للاجئين
والفدائيون مجتثون منذ الآن
لن يخمش جندي .. ومن مات
على تربة هذا الوطن الغالي
له الرحمة والمجد .. ورايات الوطن !
* شولميت اكتشفت أن أغاني الحرب
لا توصل صمت القلب والنجوى إلى
صاحبها
نحن في المذياع أبطال
وفي التابوت أطفال
وفي البيت صور ..
ليتهم لم يكتبوا أسماءنا
في الصفحة الأولى ،
فلن يولد حي من خبر ..
وعدوا موتك بالخلد ، بتمثال رخام
وعدوا موتك بالمجد ، ولكن رجال الجنرال
سوف ينسونك في كل زحام
وسينسوك في كل احتفال ..
* شولميت اكتشفت أن أغاني الحرب
لا توصل صمت القلب والنجوى إلى صاحبها
فجأة، عادت بها الذكرى
إلى لذتها الأولى، إلى دنيا غريبة
صدقت ما قال محمود لها قبل سنين
كان محمود صديقا طيب القلب ،
خجولا كان ، لا يطلب منها
غير أن تفهم أن اللاجئين
أمة تشعر بالبرد ،
وبالشوق إلى أرض سليبة
وحبيبا صار فيما بعد ،
لكن الشبابيك التي يفتحها
في آخر الليل .. رهيبة
كان لا يغضبها ، لكنه كان يقول
كلمات توقع المنطق في الفخ
إذا سرت إلى آخرها
ضقتَ ذرعا بالأساطير التي تعبدها
وتمزقت ، حياء ، من نواطير الحقول
صدقت ما قال محمود لها قبل سنين
عندما عانقها ، في المرة الأولى بكت
من لذة الحب ، ومن جيرانها
كل قومياتنا قشرة موز
فكرت يوما على ساعده
وأتى سيمون يحميها من الحب القديم
ومن الكفر بقوميتها
كان محمود سجينا يومها
كانت الرملة فردوسا له .. وكانت جحيم
كانت الرقصة تغريها بأن تهلك في الإيقاع
أن تنعس ، فيما بعد ، في صدر رحيم
سكر الإيقاع ، كانت وحدها في البار
لا يعرفها إلا الندم
وأتى سيمون يدعوها إلى الرقص
فلبَّت
كان جنديا وسيم
كان يحميها من الوحدة في البار
ويحميها من الحب القديم
ومن الكفر بقوميتها ..
* شولميت انتظرت صاحبها في مدخل البار القديم
شولميت انكسرت في ساعة الحائط ساعات
وضاعت في شريط الأزمنة
شولميت انتظرت سيمون ـ لا بأس إذن
فليأتِ محمود .. أنا أنتظر الليلة عشرين سنة
كل أزهارك كانت دعوة للانتظار
ويداك الآن تلتفان حولي
مثل نهرين من الحنطة والشوك
وعيناك حصار
وأنا أمتد من مدخل هذا البار
حتى علم الدولة ، حقلا من شفاه دموية :
أين سيمون ومحمود ؟
* ومن الناحية الأخرى
زهور حجرية
ويمر الحارس الليلي ،
والإسفلت ليل آخر
يشرب أضواء المصابيح
ولا تلمع إلا بندقية ..
*** ثانيا: القراءة: "كتابة على ضوء بندقية" إحدى قصائد شاعر الأرض المحتلة "محمود درويش" وقعت في عشر صفحات ضمن ديوان "حبيبتي تنهض من نومها" الذي أرخ له الشاعر بعام 1970 "الأعمال الشعرية الكاملة".
وقد جاءت القصيدة عبارة عن قصة شعرية قصيرة تحفل بكل ما يحمله مصطلح "القصة القصيرة" المعاصرة من عناصر، فنحن نجد أن بالقصيدة ثلاث شخصيات: شولميت (الشخصية الرئيسية) وهي فتاة يهودية أو إسرائيلية ـ وسيمون الجندي الإسرائيلي وصاحب شولميت ـ ومحمود المناضل العربي، والذي ربما يكون الشاعر نفسه، هذا بالإضافة إلى الحوار الذي كثيرا ما يكون استرجاعا من جانب شولميت عن طريق (الفلاش باك)، كما تحتوي القصة / القصيدة على ما يسمى بتيار الشعور أو تيار الوعي وأيضا المونولوج، إضافة إلى الحدث الرئيس الذي هو انتظار الفتاة الإسرائيلية لصاحبها في مدخل البار (المكان)، أما الزمان فهو لم يحدد تحديدا قاطعا، وإن كان يفهم من خلال النص أنه زمن احتلال إسرائيل لفلسطين ـ أو للأراضي المحتلة ـ الذي لم يزل مستمرا.
إننا من خلال النص سنكتشف تلك القيم الفاشية التي يحاول أن يبثها العدو في نفوس جنوده وأفراد قواته المسلحة من جهة، وتلك التي يحاول أن يبثها في نفوس الشعب اليهودي من جهة أخرى، وفي المقابل نكتشف ـ ومن خلال النص أيضا ـ المنطق الذي يتعامل به العدو من أجل تحقيق أطماعه الإمبريالية، وكيفية شرح محمود ـ كإنسان عربي ـ لقضيته داخل الأرض المحتلة.
يبدأ النص بالتركيز على انتظار شولميت (أو شولا عند التدليل) لصاحبها:

شولميت انتظرت صاحبها في مدخل البار.
من الناحية الأخرى يمر العاشقان
ونجوم السينما يبتسمون
وعلى الفور يضعنا الشاعر محمود درويش أمام القضية الكبرى، أمام الأحلام التوسعية لإسرائيل، يضعنا في بؤرة الأحداث ـ ليست أحداث النص ـ ولكن أحداث الأرض المحتلة: ألف إعلان يقول
نحن لن نخرج من خارطة الأجداد
لن نترك شبرا واحدا للاجئين
وبعد هذه اللمحة السريعة التي سيعود الشاعر لتكرارها ـ مرة أخرى وبصورة خاطفة أيضا ـ والتي هي قمة الحدث الرئيس، وسر كتابة القصيدة / القصة، يعود ليركز كاميرته مرة أخرى على شولميت الشخصية الرئيسية في النص:
شولميت انكسرت في ساعة الحائط،
عشرين دقيقة.
وقفت، وانتظرت صاحبها
في مدخل البار وما جاء إليها
ويتضح من خلال النص أن شولميت فتاة إسرائيلية لا يهمها في العالم كله إلا الحب، والحب عندها هو اللذة، هو التعامل الحسي مع الموجودات والأشخاص في المقام الأول، أما صاحبها (سيمون) فهو أيضا لا يهتم إلا بالجسد وملذاته، وبجسد شولميت على وجه التحديد. أما محمود الذي يمثل الجانب العربي .. فهو كما جاء بالنص: كان محمود صديقا
طيب القلب
خجولا كان، لا يطلب منها
غير أن تفهم أن اللاجئين
أمة تشعر بالبرد،
وبالشوق إلى أرض سليبة،
وحبيبا صار فيما بعد
لكن الشبابيك التي يفتحها
في آخر الليل .. رهيبة
لم تزل شولميت أو (شولا) في انتظار صاحبها الذي أرسل لها بالأمس يقول:

لقد أحرزت، يا شولا، وساما وإجازة.
احجزي مقعدنا السابق في البار
أنا عطشان يا شولا لكأس وشفه
قد تنازلت عن الموت
الذي يورثني المجد
لكي أحبو كطفل فوق رمل الأرصفة
ولكي أرقص في البار
ولكنه على الرغم من هذه الرسالة لم يأت بعد، والأصدقاء يمرون من الناحية الأخرى من البار ويتركونها نهب القلق والتوتر:

من الناحية الأخرى
يمر الأصدقاء
عرفوا شولا على شاطئ عكا
قبل عامين، وكانوا
يأكلون الذرة الصفراء
كانوا مسرعين
كعصافير المساء
وتبدأ شمولا استرجاع ذكرياتها مع سيمون:

كان يأتي، آخر الأسبوع كالطفل إليها
يتباهى بمدى الشوق الذي يحمله
تسترجع وتستعيد أحاديثه إليها:

قال لها: صحراء سيناء
أضافت سببا
يجعله يسقط كالعصفور
في بللور نهديها
وقال:
ليتني أمتد كالشمس
وكالرمل على جسمك
نصفي قاتل
والنصف مقتول
ونلاحظ أن سيمون في لحظات تعبيره عن شوقه وحبه لم يجد خيرا من تشبيه نفسه بالقاتل والمقتول.
وتسترسل شولميت في استرجاعاتها وذكرياتها المفرطة في حسيتها عن طريق هذا الحوار: وأحست كفه تفترس الخصر ونلاحظ أن الفعل (تفترس) يتواءم مع القتل (نصفي قاتل، والنصف مقتول) وأيضا يتواءم مع تشبيهه لجسمها بأنه (مميت في ميادين القتال)، ويتواءم أيضا مع شخصية شولميت نفسها:
وأحست كفه يفترس الخصر
فصاحت: لست في الجبهة
قال: مهنتي !
قالت له: لكنني صاحبتك
قال: من يحترف القتل هناك يقتل الحب هنا
إن هذا الحوار السريع والمكثف بدأ يكشف لنا عن شخصية سيمون الإسرائيلي، فهو محترف للقتل وأنه لا يقاتل دفاعا عن مبدأ ثابت في ذهنه أو عقيدة يؤمن بها، وأن الحب عنده ما هو إلا عملية قرصنة (من يحترف القتل هناك، يقتل الحب هنا).
إن شولميت في لحظات تذكرها واسترجاعاتها تبث لنا تلك الأغنية التي يحلو لسيمون ترديدها كافرا بكل شيء حوله إلا طاعة أوامر القائد:
وغني لغيوم فوق أشجار أريحا
يا أريحا ! أنت في الحلم وفي اليقظة ضدان
وفي الحلم وفي اليقظة
حاربت هناك
وأنا بينهما مزقت توراتي
وعذبت المسيحا
يا أريحا ! أوقفي شمسك
إنا قادمون
نوقف الريح على حد السكاكين
إذا شئنا، وندعوك إلى
مائدة القائد
ولم تزل شولميت تعيش لحظات الانتظار ولحظات الاعتراف:
وأحست يده تشرب كفيها
وقال عندما
كان الندى يغسل وجهين
بعيدين عن الضوء:
أنا القاتل والمقتول
(وهنا يوجد اعتراف ضمني بإطاعة الأوامر طاعة عمياء من ناحية، ومن ناحية أخرى الإحساس بوجود نشاط فدائي مضاد داخل الأرض المحتلة):
أنا القاتل والمقتول
لكن الجريدة
وطقوس الاحتفال
تقتضي أن أسجن الكذبة
في الصدر،
وفي عينيك يا شولا
وأن أمسح رشاشي
بمسحوق عقيدة:
أغمض عينيك لن أقوى على رؤية
عشرين ضحية
فيهما، تستيقظ الآن،
وقد كنت بعيدة
ويقوى الشعور بالذنب ـ بعض الشيء ـ من خلال الاسترسال في عملية الاعتراف، ولكن هيهات للسلطات هناك أن تعترف بمثل هذا الشعور:
لم أفكر بك .. لم أخجل من
الصمت الذي
يولد في ظل العيون العسلية
وأصول الحرب لن تسمح أن أعشق
إلا بندقية
إن مزيداً من الحوار (الذي تسترجعه شولميت في لحظات الانتظار) يكشف عن مزيد من الاعترافات التي يصعب قولها أو شرحها في الأوقات العادية:
سألته شولميت:
ومتى تخرج من هذا الحصار ؟
قال والغيمة في حنجرته:
(أي حبس البكاء والزفير وابتلع ريقه بصعوبة)
أي أنواع الحصار ؟
وتجيب شولميت:
نحن لا ندفع هذا العرق الأحمر
هذا الدم لا ندفعه،
من أجل أن يزداد هذا الوطن الضاري ..
حجر
في حين أن وزير الأمن يصرخ محتدا:
لن نرجع شبرا واحد للاجئين
والفدائيون مجتثون منذ الآن
لن يخمش جندي، ومن مات
على تربة هذا الوطن الغالي
له الرحمة والمجد ..
ورايات الوطن !.
بينما الصورة الأخرى (أو البعد الثالث) يقول:
كل رواد المقاهي والملاهي
شبعوا رقصا
وفي الناحية الأخرى
تدوخ الفتيات
بين أحضان الشباب المتعبين
وعلى لائحة الإعلان يحتد
وزير الأمن:
لن نرجع شبرا واحد للاجئين
أمامنا الآن ثلاثة أبعاد لصورة المحتل ـ ينجح الشاعر محمود درويش ـ في نقلها إلينا في سهولة ويسر.
ـ البعد الأول: صورة الشباب اللاهي العابث.
ـ البعد الثاني: الاعترافات الضمنية والشعور بالذنب من جراء ما يحدث في ساحة القتال، إلى جانب نغمة السخرية والتهكم التي تسود بعض المقاطع.
ـ البعد الثالث: تصريح السلطات المتمثلة في هذا المقطع بصرخات وزير الأمن، ثم بأغاني الحرب.
ولكن شولميت تكتشف أن أغاني الحرب لا توصل صمت القلب والنجوى إلى صاحبها، إنها لا تعيش الحرب والقتال، وكل ما يعنيها هو إرضاء نزواتها وتعلقها بذراع شاب يدوخها في حلبة الرقص ويحميها من الوحدة في البار.
إنها في هذه اللحظات لا تفكر إلا في نفسها، وفي تأخر صاحبها الذي سيشبعها رقصا وجنسا، وهنا يعتمل في داخلها تيار الشعور فنجدها تقول:
نحن في المذياع أبطال
وفي التابوت أطفال
وفي البيت صور
ليتهم لم يكتبوا أسماءنا
في الصفحة الأولى
فلن يولد حي من خبر
ثم تتمثل صورة صاحبها أمامها وتقول في نوع من التهكم والسخرية:
وعدوا موتك بالخلد،
بتمثال رخام
وعدوا موتك بالمجد،
ولكن رجال الجنرال
سوف ينسونك في كل زحام
وسينسونك في كل احتفال
إن تيار الشعور لدى شولميت جاء قويا وفاضحا للحقيقة، جاء في لحظات التعري من كل حشو للمخ ومن كل أبواق الداعية والإعلام وصرخات المسئولين، جاء ليكشف حقيقة المجد المزعوم والنصر المشئوم، إن صاحبها سيمون سيموت مثل "كلب في فلاه"، فهل أدى ذلك التيار الذي مر بها إلى تطور شخصيتها وإلى تبصرها بالحقائق وإلى تصديق محمود ؟:

فجأة عادت بها الذكرى
إلى لذتها الأولى، إلى دنيا غريبة
صدقت ما قال محمود لها قبل سنين
ـ كان محمود صديقا طيب القلب
خجولا كان، لا يطلب منها
غير أن تفهم أن اللاجئين
أمة تشعر بالبرد
وبالشوق إلى أرض سليبة
وحبيبا صار فيما بعد
لكن الشبابيك التي يفتحها
في آخر الليل .. رهيبة
كان لا يغضبها، لكنه كان يقول:
كلمات توقع المنطق في الفخ
إذا سرت على آخرها
ضقت ذرعا بالأساطير التي تعبدها
وتمزقت، حياء، من نواطير الحقول
ولم تكن هذه الكلمات التي توقع المنطق في الفخ سوى صدق محمود في شرحه لقضيته العادلة.
إنها عرفت الحب الحقيقي على يد محمود، إنها تتذكر الآن:

عندما عانقها في المرة الأولى بكت
من لذة الحب، ومن جيرانها
وعرفت ساعتها أن قوميتها قشرة موز (وما أجمل التشبيه هنا)
كل قومياتنا قشرة موز
إن محمود يجعلها (تفكر) وللتفكير دلالته الخطيرة هنا، فبينما سيمون يمنحها اللذة السريعة التي لا تلبث أن تنطفئ ويغادرها إلى القتل والقتال، وبينما سيمون يقول لها:

إن الوقت مجنون
ولم يلتئم الليلة جسمانا
دعيني ..
أذب الآن بجسم الكستنا والياسمين
أنت ـ يا سيدتي ـ
فاكهتي الأولى
وناما ..
بينما سيمون يفعل معها كل هذا، ولا يتعامل معها إلا كجسد كستنائي فقط، يأتي محمود ليتعامل مع فكرها وعقلها ومن هنا يأتي احترامها له:

فكرت يوما على ساعده
كل قومياتنا قشرة موز
ولكن هل سيتركها سيمون (رمز العقيدة المشوهة، وأداة من أدوات القتل والتخريب والدوار) لهذا الحب النقي ..
أتى سيمون يحميها من الحب القديم
ومن الكفر بقوميتها
كان محمود سجينا يومها
وطبيعي أن يودع محمود في السجن، ومن الطبيعي أن تنسى شولميت أو تتنكر لما حاول محمود أن يوضحه لها، وإلا فسوف يكون مصيرها السجن هي الأخرى:
وأتى سيمون يدعوها إلى الرقص
فلبت
كان جنديا وسيم
كان يحميها من الوحدة
في البار
ويحميها من الحب القديم
ومن الكفر بقوميتها
كل هذا تتذكره شولميت، وهي منكسرة في ساعة الحائط، وهي في انتظار صاحبها في مدخل البار ولكنه لا يأتي .. إذن فليأت محمود .. ؟
شولميت انتظرت صاحبها في مدخل
البار القديم
شولميت انكسرت في ساعة الحائط
ساعات
وضاعت في شريط الأزمنة
شولميت انتظرت سيمون ـ لا بأس
إذن
فليأت محمود .. أنا انتظر الليلة
عشرين سنة
ولكن محمود قد عرف عن شولميت طبيعتها وتنكرها له.
لقد خسرت شولميت محمود وسيمون، فهي تأكدت الآن أن سيمون لن يأتي، ويتولد لديها هذا المونولوج الذي تهديه لسيمون:
كل أزهارك كانت دعوة للانتظار
ويداك الآن تلتفان حولي
مثل نهدين من الحنطة والشوك
وعيناك حصار
وأنا أمتد من مدخل هذا الباب
حتى علم الدولة، حقلا من
شفاه دموية
لقد بدأ شيء من الوعي يعود إليها مرة أخرى عند قولها: (حتى علم الدولة حقلا من شفاه دموية) إنها بدأت تفكر مرة أخرى، بدأت تفكر في (اليدين / الحنطة والشوك، والعينين / الحصار).
وينسدل الستار عن النص:
من الناحية الأخرى
زهور حجرية
ويمر الحارس الليلي
والأسفلت ليل آخر
يشرب أضواء المصابيح
ولا تلمع إلا بندقية ..
ولعل شولميت قد أبصرت لمعان البندقية وأدركت ماذا يعني اللمعان بالنسبة لمحمود مرة وبالنسبة لسيمون أخرى، ولعلها تتذكر في النهاية قول صاحبها: وأصول الحرب لن تسمح أن أعشق إلا بندقية
وأقوال محمود أو أقوالها هي عنه:
كان محمود صديقا طيب القلب
خجولا كان، لا يطلب منها
غير أن تفهم أن اللاجئين
أمة تشعر بالبرد
وبالشوق إلى أرض سليبة
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية