قراءة عن أدب الحرب

إذا كان الصراع هو السمة لتاريخ الشعوب و الأفراد لاسباب معقولة و مبررة أو حتى غير مبررة، فتتبدى على شكل الحروب أحيانا، وهو ما يمكن من إعادة كتابة التاريخ نفسه من خلال هذا المدخل.
فقد عبر الإنسان عن تلك التجربة (التجربة الحربية) بكل ما يملك من وسائل التعبير .. بداية من الرقص و الموسيقى حتى الإيقاعي منها ثم الرسوم و النحوتات وأخيرا بالكلمة الشعرية و المنثورة .
إلا أن مصطلح "أدب الحرب" لم يعرف طريقه إلى حياتنا الثقافية إلا خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين الميلادي سبقه مصطلح "أدب المعركة" و "أدب المقاومة" . و الطريف أن عاد الآن تحديدا مصطلح "أدب المقاومة" إلى سطوته و غلب المصطلحات الأخرى.
وأظن أن الجانب التنظيرى للتعريف لأدب الحرب و أدب المقاومة مازال تحت البحث. هناك محاولة من "السيد نجم " في كتابه"الحرب:الفكرة- التجربة- الإبداع" ثم كتاب آخر تحت الطبع حول تنظير مصطلح "أدب المقاومة" رهن النشر . كما تم تناول الموضوع نفسه في عدد (قليل) من المباحث الجامعية سواء بالفيوم أو عين شمس أو جامعة المنصورة ..وكلها قيد الإضافة و المزيد من البحث التنظيرى.
أما الجانب التطبيقي في التعريف بالأعمال الأدبية في أدب الحرب لعلها أوفر حظا و توجد كميات من الدراسات المطبوعة في الدوريات و الكتب ما يجعل حظها أوفر.
أما كتاب "يونيو67..و أثره في الرواية المصرية " للكاتب "شوقي عبد الحميد يحيى" وقد صدر عن سلسلة"أدب الحرب" عن الهيئة المصرية للكتاب.. فهو واحد من تلك الكتابات التطبيقية الهامة في هذا المجال .
تتلخص ملامح تلك الدراسة في عنصرين الأول: مقدمة تعرض لتاريخ فن كتابة الرواية بعامة و باعتبارها الابن الشرعي للأسطورة لعدة أسباب منها الاعتناء بالشخصيات الواقعية لا الأسطورية – إبراز تطور تلك الشخصيات الاجتماعي و النفسي و أصبح بناء الشخصية في الرواية من أهم تناولات الأديب.
يرى الكاتب أن الحرب الثالثة بين العرب و إسرائيل عام 67 كانت أكبر هزة تعرضت لها الأمة العربية و اصبح الشعار في حينه (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). أما عن أسباب الهزيمة و صور المشاكل التي نجمت عن تلك الحرب فهي كثيرة.. و تفاوت الآراء و تنوعت الأسباب.
أما الإبداع فهو السجل الإنساني الباقي حتى للتاريخ وان اعتبرت الأعمال الفنية ليست مصدرا له فهي على الأقل المعبرة عن الوجدان الإنساني في تجربة أو موقف تأريخي ما ولا يمكن للمؤرخ ان يغفل عن تلك الأعمال . و تعتبر أشكال الشعر و القصة القصيرة من أسرع و النشط تلك الأشكال للتعبير السريع عن تلك التجارب التاريخية .
و للرواية وقفة مختلفة فيعتبر الكاتب أن أدب الرواية في الستينيات جاء تمهيدا لأحداث67 وهو ما تبدى في رواية "اللص و الكلاب" لنجيب محفوظ .. فيصبح "رؤوف علوان" نموذجا للمرحلة التي مهدت لما حدث كانت صنعته الكلام و غرق الشعب كله في الكلام بينما تضيق الحبائل حول "سعيد مهران" إلا أنه لم يستسلم.
ثم كانت رواية "ثرثرة فوق النيل" التى صورت و كأن الشعب المصري كله مغيبا (نشرت عام 66) و تأتى بعدها رواية "ميرامار" التى تقيم تجربة ثورة 52 كلها . كما تلعب رواية "زينب و العرش" للكاتب فتحي غانم و رواية " شرق النخيل" للكاتب "بهاء طاهر" ثم رواية "قالت ضحى " للكاتب نفسه و رواية "الزينى بركات" للكاتب جمال الغيطانى .. وغيرها من الروايات الأخرى التي تنبأت بما حدث فيما بعد.
أما وقد اندلعت الحرب و حدث ما حدث من ظواهر الهزيمة .. فقد عبرت عنها الرواية بقدر من المباشرة و الاعتراف و كأنها لتعذيب الذات كأن الكاتب يريد أن يقف عاريا بما وصل إليه من حالة نفسية .
ثانيا: أعطى الجزء الأكبر من الكتاب إلى الجانب التطبيقي حيث عرض للعديد من الروايات التى تنبأت و عرضت لحرب 67. نجيب محفوظ.. شاهد على العصور إذا كانت الثلاثية لنجيب محفوظ (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية) قد تناولت حياة و مسيرة الشعب فيما قبل 52 .. جاءت العديد من الروايات بعدها للتعبير عما كان بعد ثورة 52 فكانت الروايات ..قشتمر، اللص و الكلاب، أولاد حارتنا، يوم مقتل الزعيم، ثرثرة فوق النيل ميرامار.
أما وقد كانت النكسة فكانت روايات "الكرنك"التى تناولت السجون الحربية و تحطم النفوس ومع ذلك يخرج أحدهم من السجن و يلخص ما انتهى إليه في آلاتي: الكفر بالاستبداد الكفر بالعنف الدموي أهمية احترام الإنسان الأيمان بالعلم و المنهج العلمي في حل المشاكل.
تستمر مسيرة "محفوظ" فكانت رواية "يوم مقتل الزعيم" حيث عرض لفترة الانفتاح الاقتصادي. الهزيمة تصنع زينب فوق العرش فيها يقول الكاتب في صفحة 360 : " وكانت هذه آخر مرة يصل فيها الشجار بينهما إلى حافة الطلاق حتى جاء ذلك اليوم الذي سمعت فيه مصر بنبأ فجيعة هزيمتها ليلة 9 يونيو.. صباح ذلك اليوم كانت زينب تصرخ في يوسف بكل ما تعرفه من شراسة ووحشية".
و تأتى التفاصيل فيما بعد لكل ما كان خلال تلك الفترة. ضحى تبحث عن الكرامة.. شرق النخيل مع الخالة صفية رواية "شرق النخيل" ترسم لوحة ليوم واحد في حياة طالبى جامعة في فترة الغليان الطلابي بعد 67 و قبل 73. جاء على لسان "سمير" :"... هل تعرف يا أستاذ أن اليهود سرقوا سيناء من خمس سنين...؟".. و تتابع الأحداث و الحوارات التى ترسم كل ما كان خلال تلك الفترة.
كما كانت رواية "قالت ضحى" سمة لمزج الخاص بالعام فيقدم الإدانة و الأدلة دون الإغراق في اليأس و الإحباط الذي غلب معظم أعمال الرواية في تلك الفترة.
ثم رواية "خالتي صفية و الدير" التى كانت أكثرهم بساطة و عمقا في إبراز آراء الكاتب . يقول زعيم المطاريد ضمن ما قيل (ص16): " .. أنا دمى بيغلى من يوم أولاد الحرام هؤلاء ما أخذوا سيناء قل للمأمور أن المعلم فارس مستعد أن يأخذ رجاله إلى سيناء ليحارب اليهود إلى أن يخرجوا من البلد". الزينى بركات ..وعصر البصاصين جاءت تلك الرواية لجمال الغيطانى لتعبر عن فترة الستينيات و التى مهدت لأحداث 67 وقد كتبت في السبعينيات. وفيها يجسد الكاتب إحساس المرارة في حلق سعيد الجهينى .. فقد كانت دعوات الاستكانة معلنة على الملأ يدور المنادى قائلا: (.. يا أهالي مصر لا يخرج أحدكم بعد المغيب.. لا يرتدى أحد لثاما
و من يضبط شنق
يا أهالي مصر
استكينو
استكينو
و من خالف شنق" ص269
أطفال فوق المستنقع متعة القراءة .. و البساطة المركبة
ستظل نكسة 67 تلقى بظلالها الكابوسى خاصة الطبقة المثقفة منهم الكاتب "علاء الديب" الذي كتب "أطفال بلا دموع".. حيث تجربة زواج فاشل للقراءة الأولى للعمل.. حيث الضياع. عموما كان الهم الخاص و المشاكل الحياتية اليومية معبرة عن واقع حياة و أحداث تاريخية . فاصبح الهم العام في بؤرة الهم الخاص و المعبر عنه في إطار أفنى جميل.
الآن يمكننا إجمالا نشير إلى عدة ملامح لعبت دورها في ملامح الأدب المعبر عن هزيمة 67 التي بدأت قبل تاريخها و لم تنته بعدها:
إبراز تأليه الفرد و عدم المشاركة العامة من أسباب الهزيمة .
استخدام الرمز الفنى بديلا جماليا لابراز بعض وجهات النظر .
تعدد مستوى قراءة الروايات ربما بسبب الملمحين السابقين.
غلبة مشاعر التوتر و القلق خصوصا في تلك الأعمال التى كتبت بعد الهزيمة .
ظهور التجريد في الأعمال الروائية و الفنية عموما كما في الفن التشكيلي.
كما علا صوت الرومانسية في مقابل مناخ الهزيمة المؤلمة.
ولم تنته بعد الرغبة في قراءة المزيد من الأعمال النقدية التطبيقية و التنظيرية حول "أدب الحرب " ثم "أدب المقاومة" و إلى أن نصل لتعريف محدد نتفق عليه جميعا.