قراءة تحليلية في حرب عالمية ثالثة

"الحروب لن تقع بلا مقدمات"

جميع الحروب البشرية الكبرى التي ملأت كتب التاريخ الانساني لم تهبط من السماء ولم تقع من دون مقدمات مباشرة أو غير مباشرة كما حدث في الحربين العالميتين الاولى والثانية، وما سبقهما من مشاكل الشرق وصراع النفوذ الاجنبي، كذلك صراعات منطقة البلقان التي وصفت حينذاك بـ"برميل البارود" وصراع الامبراطوريات الاوروبية. كلها أحداث تراكمت وتصاعدت حدة النزاع فيها بين الدول الكبرى وأدت لاندلاع الحروب المهلكة.

ولا نسافر بعيدا في التاريخ فلا تزال ذاكرتنا مشحنة بحروب افغانستان والعراق اللتين خاضت تجربتهما الولايات المتحدة بذريعة الارهاب والتطرف بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كذا الحال بالنسبة للحروب المعاصرة، التي تعد مرحلة متقدمة من مراحل الحرب على الارهاب، رغم ان العنوان الرسمي للحرب يوحي بالحرب على الارهاب فعلا، لكن المصيبة ان عين الحقيقة ترى شيئا اخر تماما، فهذه الحرب بعد سنوات طويلة من بدايتها وانفاق ترليونات الدولارات وخسائر بشرية بين صفوف المدنين والعسكريين من شتى الجنسيات إلا أنها توجت بتقديمها "دولة " يحكمها الإرهاب "داعش" وأعطت شحنة قوية لدولة مارقة راعية للارهاب هي إيران توسعت بنفوذها العسكري والسياسي والمالي في أجزاء جغرافية مرعبة من الشرق الاوسط والعالم العربي. والحروب المعاصرة بشتى العناوين والمسميات لربما تكون مقدمات لحروب قادمة أعظم.

"صناعة قرار الحروب الكبرى"

"المجتمع الديمقراطي السياسي لا يلجأ لخيار الحرب لتسوية النزاعات بين الأنظمة الديمقراطية لكنه يستعين بخيار الحرب لتصفية الأنظمة الدكتاتورية". خلال ندوة دراسية لجامعة بوخارست – كلية العلوم السياسية في العاصمة الرومانية حيث أواصل دراستي التخصصية نوقش تاريخ الدول والأنظمة السياسية خلال فترات الحروب العظمى وطبيعة إتخاذ الحكومات الدكتاتورية والديمقراطية لقرار الحرب، برز تساؤل وقفنا عليه طويلا: ان كانت الأحزاب الديمقراطية الحاكمة في الدول الكبرى لا يدرج ضمن برامجها خيار الحرب العسكرية ضمن سلة الحلول لفض النزاعات وتسوية الأزمات الداخلية والخارجية، بل ويعتبر حديث أعضاء الأحزاب الديمقراطية سواء أكانوا من القادة أو أدنى بلغة الحرب والتصعيد خرقا للديمقراطية الاجتماعية ونظامها السياسي والقانوني للحياة العامة، فكيف أذن رضخ قادة الحكومات الغربية لخيار الحرب العالمية الثانية التي كبدت البشرية خسائر فادحة لا تزال ذكراها وبعض من آثارها قائمة حتى يومنا هذا؟

هل كانت حربا دفاعية؟ فكما يقال في العرف السائد ان الهجوم عنصر من عناصر الدفاع الاستراتيجي! تتشكل الإجابة على السؤال المطروح من شقين رئيسيين: الأول؛ ان طبيعة النظام الدولي والخارطة الجيوسياسية العالمية وتمكن الأحزاب والقيادات حاملة الفكر الدكتاتوري والفاشي من الوصول للحكم لدول كبرى قوية في تلك الفترة الزمنية ساهم كثيرا في تعزيز فرص الحرب بين المعسكرين الديمقراطي والدكتاتوري، خيار الحرب بالنسبة للحكومات الدكتاتورية وشخصية المجتمع السياسي "الضيق" الصانع لقرار الدولة وعقد قادته النفسية وضعت خيار الحرب دائما في مقدمة الخيارات، جاهزا على طاولة صانع القرار في تلك الأنظمة مهما تبلغ الخسائر، فالطموح العابر للحدود كان ولا يزال بالنسبة للانظمة الدكتاتورية لغة الحوار المعتادة باستمرار بين تلك الأنظمة والمجتمع الدولي.

ثانيا؛ ان المجتمع الديمقراطي السياسي الحاكم لا يستعين بخيار الحرب لفض النزاعات وتسوية الخلافات الداخلية والخارجية بين الحكومات والانظمة الديمقراطية المتشابه، بينما من المرجح جدا ان يلجأ قادة الحكومات الديمقراطية لشن الحروب على الأنظمة والحكومات الدكتاتورية والعملية عكسية ايضا.

"المعسكر الشرقي من جديد!"

"شخصية الدولة تبعا لشخصية المجتمع السياسي الحاكم"، الدولة المركزية للحكم والسلطة من الصفات الشائعة للدول الدكتاتورية البوليسية، وجود هكذا أنظمة يشكل خطرا حقيقيا وتهديدا مستمرا بنشوب الحروب، خاصة ان كان الحديث يطال دولا كبرى كروسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، دولا نووية تمتلك إقتصادات ضخمة، فالصين على سبيل المثال تعتبر أرقام الاقتصاد من الأسرار العسكرية، لا نبالغ عند الإشارة للصين بأنها "التنين" الاقتصادي للعالم، أما على صعيد القدرات العسكرية للدول المذكورة، فمستوى التسلح والتطوير على شتى صنوف الأسلحة مستمر. ايضا لا نبالغ بأن القدرات العسكرية الفائقة وفوبيا التسليح للدول الشرقية تلقي مزيد من علامات الاستفهام عن طبيعة وحجم الخطر القادم. على الصعيد السياسي، روسيا لم تخض حرب سوريا سياسيا طوال سنوات وعسكريا الآن من أجل عيون بشار الأسد. يصح القول ان الرهان الروسي على سوريا هو النافذة المتبقية للروس للعودة الى الطاولة الدولية كقوة عظمى، شخصية الدولة الروسية بما تحمله من قوة وثقل دولي تتمثل الآن في شخصية بوتين، وللرجل شخصية عدوانية شرسة بذكاء لا يستهان به. استنتاجا لما يجري نرى ان المعسكر الشرقي يتشكل من جديد، ولربما تكون العمليات العسكرية المشتركة بين روسيا وايران مجرد بداية لأحداث سياسية وعسكرية جديدة على مستوى مسرح الاحداث العسكرية في الشرق الاوسط وطاولة الصراع السياسي الدولي.

"اخفاق للمعسكر الغربي ينذر بسوء"

"تحولات على صعيد التحالفات السياسية الدولية ينذر بتراجع الدور الغربي في إدارة الصراع المحتدم". لربما ستكون تلك من أخطر التهديدات التي تتشكل مستقبلا أمام قادة المعسكر الغربي، فعلى سبيل المثال، خاضت الولايات المتحدة حرب العراق ودفعت فاتورة باهظة لتلك الحرب وفي أيامنا هذه العراق لم يعد ساحة نفوذ اميركي وصار ساحة نفوذ روسي-ايراني، خاصة وان الرهان الاميركي على السياسيين العراقيين أثبت فشلا ذريعا. وان كان رئيس الحكومة العبادي يحاول بين الفينة والاخرى ان يبعث برسائل لطمأنة واشنطن، لكن الحاكم الفعلي للعراق اليوم هم رجالات إيران على المستوى الديني والسياسي والعسكري. فالعراق ساحة مفتوحة لنشاطات الميليشيات الموالية لإيران، الدولة العراقية تذهب لعقد تحالفات مع روسيا وايران لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" أكثر قربا من التواصل مع الغرب واميركا في هذه الحرب. هشاشة الانظمة العربية والفوضى التي تعيشها البلدان العربية بسبب تلك الحروب ستعيد رسم خارطة تحالفات سياسية وامنية جديدة ستغيض الغرب كلما برز دور للمعسكر الشرقي في هذه الحرب.

مضيعة للوقت ان اعتقدنا ان لدول مجلس التعاون الخليجي شخصية مستقلة فامتلاك النفط لا يعني امتلاكهم لسلاح النفط في استقلالية القرار السيادي، رغم ان السلاح الذي يمتلكوه يشكل قوة ضاغطة حقيقية فيما لو استخدم بالشكل الصحيح وباستقلالية، فهي دول صغيرة غير مؤثرة على مستوى صناعة القرار الدولي باستثناء المملكة العربية السعودية كونها تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور اقليمي لا بأس به، لكنها ايضا تعاني من اشكالات داخلية متعلقة بالمجتمع الشيعي السعودي، وعلى صعيد الدولة فهي تخوض تجربة حرب في اليمن راهنت كثيرا على كسبها، لكن استمرار الحرب هناك يضع الكثير من علامات الاستفهام على امكانية النجاح في تحقيق الاهداف السعودية والعربية كاملة في اليمن.

"مخاوف الحرب الكبرى"

الذاكرة البشرية مثقلة حتى زمننا الحاضر بمآسي الحربين العالميتين الاولى والثانية، الدمار الذي خلفته الحروب العالمية بمثابة الكابوس الذي يلاحق السياسيين الاوربيين، كذلك التجارب التي اكتسبتها دول العالم من ذاك الصراع التأريخي شكل دافعا للبحث في كل أشكال الحلول الممكنة دون الخوض في حرب جديدة مباشرة قد تؤدي لدمار البنى التحتية للدول المتقدمة وانهيار اقتصاداتها وضياع الحياة التي تعيشها تلك الدول. رعب الحرب العالمية يلاحق الجميع، لا يُنكر ذلك الأمر، لكن الأحداث تشير الى ان التصعيد لربما يخرج عن السيطرة في وقت ما.

"ميدان حرب عالمية محتملة"

شبح الحرب العالمية من جديد يلاحق قادة الدول الكبرى، لذا فلن يتخلى قادة الغرب عن المستوى الحياتي الذي وصلت إليه بلدانهم مهما كان الثمن، وان ذهب الجميع في طريق اللاعودة لهذه الحرب، فهناك خيار اخير، ان تكون حربا عالمية مباشرة أو بالوكالة أو كلاهما في آن معا، لكن على ساحة جغرافية مهيأة لاحتضان هكذا حرب طاحنة بخسائر يتكلفها سكان تلك الجغرافية بشريا واقتصاديا على حساب أوطانهم، ويتحمل المتحاربون الكبار تكلفة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها، كذلك يتحملون موجات من اللاجئين الذين سيكتسحون الدول الآمنة من الحرب. لربما ما حدث مؤخرا في اوربا كان مجرد عينة بسيطة عما قد يقع مستقبلا. كذلك أحداث عنف قد تضرب هنا وهناك، وهذا بدوره سيؤدي مستقبلا فيما لو وقع كل ذلك لمشاكل داخلية كبيرة في المجتمع الاوروبي. أما الجغرافية المهيأة لأحتضان حرب عالمية ثالثة فالشرق الاوسط وشمال افريقيا مناطق ملتهبة وأسبابها أصبحت متشابهة ومتداخلة ومترابطة والحرب قائمة فيها بالفعل، لكن إعلان حرب عالمية ثالثة بشكل حقيقي ومباشر بمجرد ذهاب دول المعسكر الشرقي لتحالف دولي، لربما يبدأ بشكل تدريجي لكنه سيأخذ شكله الحقيقي لاحقا. لربما تكون هذه الخطوة هي الناقوس الاخير قبل إعلان حرب عالمية ثالثة.