"قراءات نقدية في الأدب الصيني" ملاحظات نقدية

أدعو القراء إلى قراءة كتاب منير عتيبة، والاستمتاع بما فيه من نماذج أدبية عظيمة مقدمة في قالب شائق رائق.


النقد التأثري يعبر عن ذاتية صاحبه وعاطفته وذائقته


الصين تطبع حوالي ثماني آلاف رواية سنويًا، ولا يترجم منه إلا النذرُ اليسير


بعض الأعمال لم تُثر لديّ رغبةً في التحاور معها

منير عتيبة أديب كبير، تتميز كتاباته الإبداعية بالعمق والثراء واللغة الرشيقة القريبة من القارئ ومعالجاته لقضايا اجتماعية واقعية وتاريخية إسقاطية ورمزية أسطورية، إذ يعكس إبداعُه شخصية موهوبة قارئة متمكنة.
وهو هنا في هذا الكتاب يُطلُّ علينا بوصفه قارئًا متذوقًا للأدب الصيني. نحن إذن بصدد مقاربة في نقد النقد لهذا الكتاب. ويُعدُّ "نقد النقد" حفرًا في كيان النص النقديّ ومحاولة لتشريحه وتفكيك خطاب ناقده من حيث الآليات الإجرائية التي تناولها الناقد صاحب الكتاب وأدواته التحليلية، وبناءً على هذا، يمكن القول إن "نقد النقد" أكثر شمولية واتساعًا من موضوع النقد الأدبي لأنه يحاول أن يقدم رؤية منصفة موضوعية لقراءة ناقد آخر.
يقع الكتابُ في مائتي واثنتين صفحةٍ، ويحتوي على مقدمة بقلم منير عتيبة، ثم عشرين عملًا إبداعيًا بين الراوية والمجموعة القصصية والنوفيلا والمتوالية القصصية لخمسة عشر كاتبًا صينيًا.
قدمهم ثلاثة عشر مترجمًا عربيًا، ثم يقدم منير عتيبة ثبتًا لأربعة عشر كاتبًا صينيًا مغفلًا واحدًا وهو "مويان"، بتعريفات يسيرة عن كل منهم، ثم يعقب ذلك ثبتٌ للمترجمين جميعهم، وهو ثبت شديد الإيجاز عن كلٍّ منهم. 
أما مقدمة الكتاب، فتطالعنا بعنوان يصطبغ بصبغة أدبية: "هذا الإنسان يُشبهني". اتسم فيها أسلوب منير عتيبة بالبساطة والتلقائية مخاطبًا قارئه مستخدمًا ضمير المخاطب "اسأل كاتبًا عربيًا عن المبدعين الذين قرأ لهم في شبابه، وأثروا فيه من تلك الأسماء العديدة، ستجد بينهم الفرنسي والإنجليزي والروسي والأميركي والإسباني، وربما تجد الهندي، لكنني اثقُ أنك لن تجد اسمًا واحدًا لكاتب صيني. 

المنهج التأثري الذي يسخر منه اليوم بعض الجهلاء ويظنونه منهجًا بدائيًا عتيقًا لا يزال قائمًا وضروريًا وبديهيًا في كل نقد أدبي سليم ما دام الأدب كله لا يمكن أن يتحول إلى معادلات رياضية

ويبدأ منير عتيبة في إطلاع القارئ على سبب اختياره للأدب الصيني من خلال الحديث عن لقاءاته بالمترجم أحمد سعيد ولقاءاته بالكاتبين الصينيين: شيوتسي تشين، وآشه. ويتسم خطاب منير عتيبة لقارئه بالمنطقية التي تهدف إلى الإقناع والجذب حيث يفصل القول عن "العلاقة المعقدة بين الثقافة والاقتصاد"؛ إذ تتوارى الثقافة الصينية خلف اقتصادها القوي فتأثيرها في العالم أقل كثيرًا من تأثير اقتصادها الذي غزا العالم بقوة.
يلمس منير عتيبة أمرًا وجيهًا، وهو أن الصين تطبع حوالي ثماني آلاف رواية سنويًا، ولا يترجم منه إلا النذرُ اليسير بالرغم من نشاط حركة الترجمة من الصينية إلى العربية في السنوات الأخيرة.
ويخلُص منير عتيبة من ذلك في ذكاء إلى الطريقة التي انتقى بها الأعمال الإبداعية التي سلط عليها الضوء في كتابه، يقول: 
"لذلك اخترت الأعمال التي كتبتُ عنها في هذا الكتاب اختيارًا شبه عشوائي، يعتمد على وصول الكتاب إلى يدي أو ترشيحه لي من قِبل أحد المتخصصين، أو المهتمين بالأدب الصيني. وقد حققت فكرة العشوائية هذه تنوعًا كبيرًا في موضوعات الأعمال التي قرأتها وأساليب التعبير المختلفة لدى كل كاتب." 
ولكننا رغم ذلك نجد تناغمًا في الموضوعات التي نوقشت في تلك الأعمال الإبداعية، حيث ينتظمها خيطُ الواقعية في الأدب، إذ تعبّرُ عن المطحونين والبسطاء وعلاقة المواطنين بالسلطة وصراعهم معها، وعلاقاتهم الاجتماعية ببعضهم البعض، ومشكلات الحرية، والصراع الطبقي والفقر، وصراع الأقليات ضد الأغلبية، والتمسك بالقيم والتراث، وحكايات الأجداد القديمة، والخرافات، والمعتقدات الشعبية.
ويصرّح الكاتب بتدخل مزاجه وذائقته الشخصية في الاختيار، إذ يقول: "لم أكتب عن كل ما قرأت، فبعض الأعمال لم تُثر لديّ رغبةً في التحاور معها."، ويرجع ذلك  إلى الترجمة الرديئة، أو العمل نفسه. ومن ملاحظات عتيبة النقدية أن بعض الأعمال كانت تفتقر إلى التدقيق اللغوي.
ومن الملاحظات النقدية التي تضمنتها المقدمة: 
-    سمة التكرار لدى جميع الكتاب الصينيين الذين تناولهم الكتاب، مما يؤدي إلى ملل القارئ.
-    يأخذ عتيبة على هذه الأعمال أنها تكثر من التفصيلات "تقول للقارئ كل شيء"، وكأنها لا تثق في قدرته على الربط والتحليل واستكمال فراغات النص الأدبي، ويُرجع عتيبة هذا على تمثُل الكتاب الصينيين إلى جلسات الحكي في القرية، تلك التي تسهب وتكرر، تمثلًا للجانب الشفاهي الكامن في أعماقهم.
-    لاحظ عتيبة سيطرة المذهب الواقعي على القص في قتامة المأساة ومأساويتها كما بين كيف رصدت الرواية الصينية ملامح التغيير السياسي والانفتاح على الغربي، وتأثيره السلبي على المجتمع.
-    لاحظ عتيبة أن التشاؤم يطبع الكتابة الصينية.
-    كشف تنقيب عتيبة في ذلك الإبداع عن توظيف الحيوان في الأدب الصيني توظيفًا رمزيًا عميقًا، مما يدفع القارئ للتساؤل والتفكير والبحث عن الحقيقة.
ومن الملاحظات النقدية الثاقبة في المقدمة قول المؤلف: "والكاتبُ الصيني لا يهملُ قارئه أبدًا، فهو يعلم أنه يكتب له وعنه؛ لذلك يحرص على أن يعبر عن حياته وأفكاره، وأن يصل إليه ببساطة، بل أحيانًا يتوجه إليه بالخطاب المباشر في ثنايا السرد. 
وفي نهاية المقدمة يتضح لك إعجاب منير عتيبة بما قرأ، وما قدم من إبداع صيني، وهو أنه اكتشف أن الأدب الصيني قريب جدًا منّا، وكما يقول: "اكتشفت أن الكاتب الصيني يكتب لي أنا أيضًا، فالمشاهد الحياتية والعلاقات الاجتماعية وتراتبية السلطة والبيروقراطية والفساد الإداري، لا تختلف كثيرًا في جوهرها عما يعيشه أي مواطن في العالم الثالث ...".
ويختم بقوله: "كثيرًا ما وقفتُ أثناء قراءة هذا الأعمال، وأنا أقول لنفسي: تلك الشخصية أعرفها، وهذه الشخصية هي أنا ..".
أما عناوين الفصول فتسيرُ على وتيرة واحدة في معظمها من قِبلَ المؤلف حيث يبدأ بذكر عنوان العمل الإبداعي، ثم يُرْدِفه بجملة تكشف رأيه في العمل، وتمثل عتبة ثانية من عتبات القراءة؛ لأن العتبة الأولى هي عنوان النص الصيني.
عتباتُ منير عتيبة مضيئة كاشفة موحية شائعة، ومن ذلك:
-    بكين بكين: الحياة بسيطة لدرجة التعقيد.
-    الربع الأخير من القمر: رواية تعيد بناء عالم لن يعود.
-    مذكرات بائع الدماء: جحا الصيني.
-    نهر الزمن: العالم بمشاعر طفل.
-    إنجليش: ترنيمة ضد المؤسسة.
-    بنات الصين: حيرة التجنيس وذوبان الماضي في المستقبل.
وقليلًا ما يخرج عتيبة على هذا النسق في عناوين الفصول، ومن ذلك:
-    مويان: رجل لا يكف عن المرح (حيث ذكر اسم المؤلف، ثم عنوان المجموعة القصصية).
-    الشيخ والوقائع الفاضحة (اكتفى بذكر عنوان العمل، ويبدو لأن العنوان بحد ذاته كاشف مضيء).
-    ويحرص عتيبة على وضع صورة غلاف كل نص في الفصل المنوط به.

آليات عرض النص الإبداعي:
لا يتبُّع منير عتيبة آلية واحدة لعرض النصوص الإبداعية، إذ نراه مثلًا يبدأ في بعضها بذكر جملة افتتاحية من الكتاب المعروض مثل "مهما كانت حياتك بسيطة، فإنها تتعقدُ بمرور الزمن"، في عرض لرواية "بكين بكين"، وفيها يبدأ بحديث عن طبقة الكتاب، والمؤلف شيوتسي تشين.
ثم يعرض ملخصًا لأحداثها، وبعض الاقتباسات المعبّرة عن الفكرة. وعادة ما يكون العرض في الأعمال الإبداعية عرضًا وافيًا يتيح للقارئ أن يأخذ فكرة وافية عن العمل.
ولا يكتفي عتيبة بذلك، بل يُطلُّ الناقد في بعض الأحيان، ولعلّه الأديب القاص الذي يلفت نظره التكنيك الفني المستخدم في القص، يقول: "يحكي الكاتب مستخدمًا الوصف الخارجي المشهدي للشخصيات والأماكن..".
"والكاتب يحكي بواقعية مستخدمًا الزمن الكرنولوجي التسلسلي فقليلة هي مشاهد التذكر.." 
ومن الآليات التي اتبعها الكاتب في عرضه النقدي تسمية المقاربة النقدية، وهذه من المرات النادرة في الكتاب، ففي عرض لرواية "الربع الأخير من القمر"، يقول: "تتيح هذه الرواية قراءات عديدة، وسوف تركز هذه القراءة على العناصر التراثية التي استخدمهتها الكاتبة في بناء عالمها الروائي".
فهو هنا قد صنف قراءته بالتراثية، وقسمها إلى أقسام تحمل عناوين جانبية:
أولا: الآلهة. ثانيا: دورة الحياة. ثالثا: الحيوانات والأشجار. رابعا: التفاؤل والتشاؤم. خامسا: الرحالة والتحديث.
وأردف كل هذا بخاتمة صغيرة تحمل خلاصة وجهة نظره، فقراءته النقدية هنا كانت تنتمي للنقد الثقافي، وإن كانت تركز على مضمون العمل.
ومن الآليات التي اتبعها عتيبة في كتابة البدء بعبارة تقريرية تحمل وجهة نظر للكاتب، مثل قوله في عرض الرواية "في منتصف العمر": "تمنحك الرواية القصيرة متعة الاقتصاد الذي تتمتع به الرواية القصيرة، والضروري من التفاصيل والحكي والحفر في أعماق وجوانب عديدة للشخصية والمجتمع.."، أو قوله في تقديم رواية (1942): "لعل أحد عوامل الإقبال على قراءة الرواية التاريخية أن فيها شيئًا من الواقع والحقيقة".
يُعدُّ القاسم المشترك الأعظم في الكتاب الذي نحن بصدده حرص المؤلف على العرض الأمين لمضمون الأعمال الإبداعية رغبة في تقديمها لقراء العربية الذين لم تتح لهم الفرصة للاطلاع على أدب الصين، ولقد أجاد منير عتيبة عرضه بأسلوبه الأدبي البليغ الرشيق السلس.
كذلك حرص على أن يختم كل عرض برأيه حول العمل والترجمة سلبًا أو إيجابًا، ومن ذلك تعليقه على ترجمة د. محسن فرجاني لمجموعة "الشيخ والوقائع الفاضحة"، وحديثه عن المقدمة النقدية الطويلة التي كتبها فرجاني: "وعادة لا أقرأ المقدمات المنشورة في الأعمال الإبداعية إلا بعد الانتهاء من قراءة العمل لأستطيع تكوين وجهة نظر تخصية بعيدًا عن أي تأثير غير ما قدّمه الميدع نفسه، لكن د. محسن فرجاني كتب مقدمة بحثية طويلة لترجمته لكتاب "الشيخ والوقائع الفاضحة"، لم أستطع إكمالها حتى النهاية، فقد كانت سياحة عامة بنظرة طائر على تاريخ الأدب الصيني..".
وبعد، قد نسأل أنفسنا: ما المنهج النقدي الذي اتبعه عتيبة في كتابه؟
لقد اتبع أقدم منهج ظهر في التاريخ، وهو المنهج الانطباعي التأثري، وهو منهج شديد الأهمية له ارتباط وثيق بالقيمة، يتبعه أناس اعتادوا بحكم طول مزاولتهم لقراءة الأدب وفنونه أن يتذوقوا ما يقرؤون، ثم يحكموا له بالجودة أو الرداءة، ويقصد بالنقد التأثري هو النقد الذي تتحكم فيه الدوافع الذاتية بمعنى أن يكون تقويم الناقد للعمل مبنيًا على أساس ما يبعثه في نفسه ومدى ما يستثير من ذكريات وعواطف كامنة في ذاته، فهو يعتمد إلى حد بعيد على الخلفية الاجتماعية والثقافية والعوامل المؤثرة في شخصية الناقد. 
يرى الدكتور محمد مندور أن المنهج التأثري الذي يسخر منه اليوم بعض الجهلاء ويظنونه منهجًا بدائيًا عتيقًا لا يزال قائمًا وضروريًا وبديهيًا في كل نقد أدبي سليم ما دام الأدب كله لا يمكن أن يتحول إلى معادلات رياضية، إنما نحن ندرك النصوص ونتذوقها كما نتذوق الطعوم بالتذوق المباشر، ثم نستعين بعد ذلك بالتحليل والقواعد في محاولة لتفسير هذه الطعوم. 
ويستشهد مندور في كتابه "منهج البحث في الأدب" بقول عبدالقاهر الجرجاني: "إذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسنُ شعرًا، أو يستجيدُ نثرًا، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ، فيقول "حلو رشيق.. وحسن أنيق.." فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، بل إلى أمر يقعُ من المرء في فؤاده وفضل يقتدحُه العقلُ من زناده.."
فالنقد التأثري إذن، يعبر عن ذاتية صاحبه وعاطفته وذائقته. وصاحبنا هنا رجل مرهف الحس، سليم الذوق، أديب مبدع، ومثقف من الطراز الأول، فلا بأس من اتباعه لهذا المنهج؛ لأنه قد أوتي من الذائقة والمهارة والخبرة ما يقيه مغبّة الوقوع في مزالق الانطباعية والتأثرية التي يحمل عليها كثير من النقاد المحدثين.
وفي النهاية، أدعو القراء إلى قراءة كتاب "قراءات نقدية في الأدب الصيني" لمنير عتيبة، والاستمتاع بما فيه من نماذج أدبية عظيمة مقدمة في قالب شائق رائق.