قتل أميركي رحيم للاقتصاد الإيراني

واشنطن ـ محمد أيوب
هل الاقتصاد الايراني هش بالفعل؟

رغم الخلاف المحتدم بين الجمهوريين والديمقراطيين حول الحرب على العراق، إلا أن الملف النووي الإيراني بات هو مساحة الاتفاق التي تجمع بين الاتجاهين.
ففي أعقاب الأزمات المتكررة، التي هزت الاقتصاد الإيراني- وآخرها أحداث الشغب التي شهدتها طهران بسبب ارتفاع أسعار البنزين مؤخرا- أيقن صناع القرار في واشنطن أن ورقة الحرب الاقتصادية ضد إيران تفرض نفسها على حساب الخيار العسكري.
وأدركت واشنطن أيضا أن الخيار العسكري لن يفضي بتحقيق الرغبة الأميركية في إسقاط النظام الإيراني، بل على العكس سيعطي التيار المحافظ الإيراني الفرصة الذهبية لاستعادة شعبيته، بعد أن انخفضت بشكل كبير في العاميين الماضيين.

وتجلى التوافق بين التيارين، الليبرالي والمحافظ، حول الملف النووي الإيراني في أبهى صوره في مجموعة حلقات نقاشية عقدها معهد أميركان إنتربرايز بواشنطن المعروف باتجاهه المحافظ، لتقييم وضع الاقتصاد الإيراني وبحث كيفية تجريده من الاستثمارات الأجنبية، التي يعتمد عليها بشكل كبير.
وجاءت الحلقات النقاشية، والتي كان عنوانها "محاربة الاستثمار في إيران"، في وقت يستعد فيه الكونغرس لمناقشة مشروعات قوانين خاصة بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، وتجريم التعاون مع أي كيان اقتصادي يحمل الجنسية الإيرانية.
وتحدث في الحلقات النقاشية، التي استمرت على مدى يوم كامل، العديد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين.
وفي البداية قالت دانيال بلتيكا نائب رئيس معهد الأميركان انتربرايز للشؤون الخارجية والدفاع، إنه "منذ بداية هذا العام وهناك شبه إجماع بين قيادات الحزبين الديمقراطي والجمهوري على إصدار تشريعات من شأنها تجريد الاقتصاد الإيراني من الاستثمارات الأجنبية".
وأضافت أنه "دائما ما كان يخلط بين فرض العقوبات الاقتصادية والتجريد أو عدم الاستثمار حيث أن الأخير مختلف تماما عن الأول. فالتجريد هو اختيار يتم عن طريق الأفراد، مثل الشركات والبنوك وباقي المؤسسات التنظيمية التي على شاكلتها".
وأشارت إلى أن "هذا المبدأ أصبح يمثل معضلة أخلاقية. بمعنى أنه على الكيانات الاقتصادية أن تسأل نفسها هل الملالي الذين يتحكمون في الاقتصاد الإيراني شريك جيد يمكن أن تعقد معهم اتفاقيات من ناحية، ومن ناحية أخرى نحاربهم لأنهم يعيشون في دولة ترعى الإرهاب؟".

ووصف عضو مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي براد شيرمان، وهو أعد أعضاء لجنة مكافحة الإرهاب الفرعية المنبثقة عن لجنة الشؤون الخارجية ، ما تقوم به الولايات المتحدة حاليا مع إيران بالعجز، مضيفا أنه "على الرغم من الآليات المتعددة التي تملكها واشنطن لإجبار طهران على تعديل سلوكها النووي، إلا أنها لم تستخدم إلا الحد الأدنى من هذه الآليات".
واستعرض شيرمان المخاطر التي ستواجهها الولايات المتحدة في حالة امتلاك إيران سلاحاً نووياً، قائلا "ان ذلك من شأنه أن يشجع العديد من دول العالم على السعي لامتلاك سلاح نووي، خاصة دول الخليج والدول المجاورة لإيران، مما سيؤدي لمعاهدة حظر الانتشار النووي".
وأضاف "كما أن إيران النووية ستكون أكثر جرأة من الوقت الحالي وسيحفزها على الدخول في صراعات مباشرة مع الولايات المتحدة، وذلك لبسط سيطرتها على الشرق الأوسط بفعل 'عملائها' الذين في العراق وفلسطين ولبنان".
وتحدث شيرمان حول تجريد إيران من الشركات الأجنبية المستثمرة فيها قائلاً "إن عملية التجريد هي خطوة هامة في الوقت الحالي لتغيير سلوك النظام الإيراني، فالعديد من التقارير التي تلقتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب تقول ان أعمال الشغب التي حدثت في الفترة الأخيرة بسبب تقنين البنزين، تؤكد أن الاقتصاد الإيراني هش وأن سحب الاستثمارات الأجنبية من شأنها تدميره".
وأضاف "ان هناك عاملين سيساعدان واشنطن على ذلك. الأول؛ أن النظام الإيراني الحالي متمثلاً في هيمنة آية الله على القرارات الاقتصادية أدى إلى انعكاسات سلبية على إدارة الاستثمارات الأجنبية".
وأكد أن "مشكلة الاقتصاد الإيراني ليست أنه يستورد 43% من احتياجاته من الجازولين، فإيران لديها الموارد المالية لشراء احتياجاتها، لذلك تجريدها من تلك الموارد سيكون بمثابة عصا سحرية لتدمير الاقتصاد الإيراني ومن ورائه صورة النظام الثوري،خاصة أن إيران لن تستطيع الاستمرار في تقديم الدعم للمواطنين على الجازولين لمدة طويلة، وهذا ما حدث حين رفعت سعر جالون البنزين من 25 سنتاً إلى 41 سنتاً".

واستطرد شيرمان "أما العامل المساعد الثاني؛ هو أن الديناميكية السياسية في إيران أصبحت معقدة بشكل لافت، فهي ليست بلدا ديمقراطيا، إلا أنها في الوقت نفسه بلد يمكنك أن ترى فيه احتجاجات وتظاهرات بسبب مشاكل اقتصادية، وذلك عكس الوضع في كوريا الشمالية التي لا يستطيع أي مواطن فيها أن يعترض على أي شيء".
وشرح شيرمان كيف تسعى لجنته الفرعية لتطبيق "تجريد إيران" تعديل بعض التشريعات الحالية، ومن ضمنها قانون فرض العقوبات على إيران.
وأشار إلى أن "الخطوة الأولى تغيير سلوك الكيانات الاقتصادية التي تستثمر في إيران، وذلك بإقناعهم بأن الاستثمار هناك يمثل مخاطرة كبيرة على مستقبلهم المالي، كما أنه سيفقدهم الفرصة في إيجاد فرص استثمار في مناطق أخرى في العالم، وخاصة دول الإقليم".
وأضاف "أن هذا الخطوة لابد أن تقوم على استهداف ثلاثة أنواع رئيسية من الكيانات الاقتصادية التي تستثمر في إيران وهي كالتالي:
•النوع الأول هي الشركات التي تستثمر في قطاع النفط الإيراني وحجم إستثماراتها أكثر من 20 مليار دولار.
•أما النوع الثاني هو الشركات متعددة الجنسيات أو ما يطلق عليها الشركات عابرة القارات، وهذا النوع ليس من السهل إقناعه بمبدأ التخلي عن استثماراته في إيران، إلا أنه في الوقت نفسه من الممكن الضغط عليه من خلال فروعه الموجودة على الأراضي الأميركية عن طريق فرض عقوبات عليها إذا تجاوزت القوانين أو التشريعات، التي تحظر التعاون مع أي كيانات اقتصادية إيرانية.
• أما النوع الثالث الذي يجب استهدافه؛ فهو تلك الشركات، التي تصدر الذخائر لإيران ومعظمها شركات يابانية وصينية وروسية وأوروبية".
وشدد شيرمان أيضا على أهمية العامل الدبلوماسي قائلا انه "على الإدارة الأميركية أن تحاول كسب بعض الإطراف الدولية في صفها، مثل روسيا بمعنى أن تقدم واشنطن تنازلات في بعض الملفات العالقة بين الطرفين، والتي تمثل أهمية أقل من الملف الإيراني عند الولايات المتحدة، وذلك في مقابل تمرير بعض القرارات الدولية داخل مجلس الأمن".

وقال باتريك كلوسون الباحث بمعهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى "ان الاقتصاد الإيراني بات أداؤه باهتاً في السنوات الخمسة الأخيرة، مضيفا أنه يعاني من أربع مشاكل رئيسية".
وأضاف "المشكلة الأولى هي سيطرة المؤسسات الثورية على الاقتصاد وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، والتي تجني مكاسب سياسية خرافية من جراء نفوذها مما يعزز الفساد الإداري والمالي داخل المؤسسات الاقتصادية الرئيسية. أما المشكلة الثانية؛ فهي الاستخدام الغير السيئ لموارد الحكومة، والتي تنفق معظمها على دعم السلع الاستهلاكية والبنزين".
وقال "أما المشكلة الثالثة؛ فتتعلق بالبطالة والتي تتزايد بشكل مستمر، خاصة في أوساط الشباب الذين يمثلون الأغلبية من التعداد السكاني الإيراني. أما الرابعة؛ فهي خاصة بالانحدار المستمر في أداء قطاع البترول، والتي تشهد حالة من الانهيار بعد أن أصبحت المصافي النفطية الإيرانية فقيرة للغاية، غير قادرة على توفير الحد الأدنى من احتياجات الشعب الإيراني من الجازولين".
واقترح كلوسون الذي عمل بالبنك الدولي لفترة طويلة، أن تستخدم الولايات المتحدة سياسة العصا والجزرة مع إيران عن طريق استغلال هذه المشاكل الرئيسية، لضغط على النظام الإيراني لتغيير سلوكه أو لإسقاطه بعد أن يكون الاقتصاد الإيراني قد انهار تماما.

وكانت مراكز القوى التي تحكم المجتمع الاقتصادي الإيراني محور حديث كين كاتزمن المتخصص بشؤون الشرق الأوسط بوحدة الأبحاث بالكونغرس الأميركي.
وحدد كين مراكز القوى بمركزين؛ "الأول يتمثل في التيار الذي يتزعمه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. والذي يؤمن بسيطرة الحكومة على الاقتصاد، وتقديم الدعم للطبقة الفقيرة والعاملة عن طريق منح قروض صغيرة ميسرة، وهاتان الطبقتان- العمال والفقراء- يمثلون في وجهة نظرة كين القاعدة الشعبية التي يعتمد عليها الرئيس الإيراني الحالي، وهم يعيشون بعيدا عن عيون الإعلام في الريف الإيراني".
ويضيف كين "ان من ينتمون لهذه الطبقة لا يكترثون للعقوبات الاقتصادية التي فرضت أو سوف تفرض على إيران لأنها لن تضرهم فهم ليسوا مستهلكين لسلع الرفاهية وليس لدى معظمهم سيارات تجعلهم يغضبون من غلاء البنزين، وهذا يفسر استمرار ارتفاع نسبة شعبية أحمدي نجاد".
ويؤكد "فالمتضرر الحقيقي هي طبقة رجال الأعمال التي تستورد وتصدر إلى دول العالم، فهي التي تسعى وراء اتفاقات التبادل التجاري مع الدول الأوربية والصين ودول جنوب شرق آسيا. وهنا يكمن نقطة الضعف في الاقتصاد الإيراني؛ فالضغط على هذه الطبقة، عن طريق فرض عقوبات أو تجميد أرصدة، سيصيب المجتمع الإيراني ككل بحالة من الشلل المؤقت، حيث أن الأعمال التجارية التي تقوم بها طبقة رجال الأعمال الإيرانيين توفر ملايين فرص العمل للمواطنين الإيرانيين، وهذا مع الوضع في الاعتبار أن الحكومة فشلت في توفير فرص عمل مما أدى لارتفاع معدلات البطالة".
ويرى كين "ان أية قوانين تصدر من الكونغرس أو قرارات خاصة بفرض عقوبات على الاقتصاد الإيراني، عليها أن تركز على ضرب مصالح هذه الطبقة - رجال الأعمال ـ التي من المتوقع أن تشكل عامل ضغط كبير على النظام المحافظ الإيراني الحالي".

وعقبت دانيال بلتيكا نائب رئيس معهد الأميركان انتربرايز للشؤون الخارجية والدفاع، على حديث كين قائلة "ان الكونغرس أصدر قرارين بشأن دارفور والسودان، يقضيان بفرض عقوبات اقتصادية على الخرطوم إلا أنه ليس من المؤكد أن يتحول قرار فرض العقوبات على إيران إلى قانون".
وأشارت إلى أن "المشكلة ليست في الشركات الأميركية، التي أعلن معظمها أنه سيسحب إستثمارته من إيران، إلا أن المشكلة الحقيقية في الشركات الأجنبية، التي لديها فروع في الولايات المتحدة".
وأضافت أنه "لم يكن من السهل على الإدارة الأميركية الحالية أن تقنع بريطانيا وفرنسا وروسيا بالموافقة على القرارين الأخيرين اللذين أصدرهما مجلس الأمن، وهذا ينعكس على الوضع الحالي حيث ترددت العديد من المؤسسات البنكية الدولية وغيرها من الشركات في تنفيذ العقوبات التي وردت في قرار مجلس الأمن الأخير".
السيناتور الجمهوري جون كيل شبه الخطر الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني بالخطر النازي الذي كان يهدد العالم خلال الحرب العالمية الثانية.
وقال كيل "ان على واشنطن أن تتخذ العديد من الخطوات لاحتواء الخطر الإيراني، مضيفا أن حملة فعالة لتجريد الاقتصاد الإيراني من استثماراته الأجنبية ستكون مجدية، وهذا بالتوازي مع هجوم دبلوماسي يجب على الإدارة الحالية أن تشنه على كل الصين وروسيا لممارسة ضغوط اقتصادية عليهم".

أما أمينة خزانة ولاية ميسوري سارة ستيلمان فعرضت خبرتها المحلية في التعامل مع الشركات الأميركية بولاية ميسوري، والتي لها استثمارات في إيران.
وقالت ستيلمان "عندما توليت المنصب وجدت أن العديد من الكيانات الاقتصادية الكبيرة لديها استثمارات مباشرة في إيران". مضيفة أن "ذلك من شأنه يشكل عملية تمويل مباشر لأحد أخطر أعداء الولايات المتحدة في العالم".
وأشارت الى "ان الولاية استطاعت من خلال بعض التشريعات المحلية الحد من هذه الاستثمارات وذلك عن طريق إقناع المستثمرين بخطورة الاستثمار في الاقتصاد الإيراني".
وأردفت قائلة "إن هذه الإجراءات وجدت رد فعل إيجابي من قبل العديد من الشركات، ومن أمثلتها شركة يو بي إس التي رفضت سحب استثماراتها من إيران في البداية، وكان رد فعلنا عليها هو طردها من قائمة بيع الأسهم الخاصة بالولاية".
واستطردت "هذه الخطوة جعلت تلك الشركة ترضخ لشروطنا بعد أن أدت العقوبات، التي فرضت عليها من قبل الولاية إلي توقف معظم أعمال الشركة وخسارتها ملايين الدولارات في فترة قصيرة".
وعرض تيد دويتش ـ وهو أحد أعضاء كونغرس ولاية فلوريدا ـ للكيفية التي تعاملت بها ولاية فلوريدا على المستوى المحلي مع الشركات التي لديها استثمارات في إيران.
وقال "ان قانون معاقبة إيران في فلوريدا يمس أكثر من ثلاثين شركة، يبلغ حجم استثماراتها نحو 830 مليون دولار".
وأضاف "ان معظم الشركات رضخت لقرارات الولاية الخاصة بفرض عقوبات يقوم بتمويل دولة ترعى الارهاب مثل إيران".