قبول التحدي: شباب تونس يتصدر صفوف معركة التقدم

بقلم: د. هيثم الزبيدي
انقل لكم صوت الشباب

كان منظر مفيدة الصمايري، الشابة التونسية ابنة العشرين ربيعا، لافتا وهي تقف امام الحشد الهائل من المشاركين في المؤتمر الخامس للتجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. لم تهتز او ترتبك وهي تحدق طورا صوب منصة الرئيس زين العابدين بن علي، ثم تلتفت طورا لتخاطب جمهورا بالمئات.
الصورة التي تركتها الصمايري في ذهن الحاضرين كانت صورة واثقة: أنا هنا، بينكم؛ سأقول ما أريد وأنقل لكم صوت الشباب؛ وهو ليس صوتا عابرا، بل صوت من عمل قبل أن يأتي الى المؤتمر على ازاحة ما يصل الى 100% من "الحرس القديم" في بعض لجان الاعداد للمؤتمر.
صوت المندوبة الشابة انعكس بقوة في تشكيلة اللجنة المركزية للتجمع لتنتهي بعد انتخاباتها بتغيير 77% من اعضائها القدامى. وصوتها، او صوت جيلها، حجز 25% من مقاعد اللجنة المركزية لنفسه. وصوتها النسائي اوصل ايضا نسبة حضور المرأة في اعلى هيئة قيادية في الحزب الحاكم الى 38%.
الصمايري خاطبت الرئيس بن علي بلهجة قبول التحدي الذي اطلقه بوعي من اجل تجديد هياكل الحزب وتغذيته بالدماء الشابة.
ويا له من تحد.
لماذا؟ لعدة اسباب.
لا يمكن مقارنة الجيل الحالي بأي من الاجيال السابقة. هذا الجيل صعب المراس لأنه يعرف ما يريد.
الاجيال السابقة كانت أسهل وأكثر قبولا للقياد. إذ كان بوسع اي زعيم لحزب او دولة أن يجيش الشباب حول الشعارات المثالية، ولسنوات طويلة، دون ان يطالبه أحد من هؤلاء الشباب بالعمل على تطبيقها الفعلي.
اصرخ ماركسية او نادي بالقومية، وستجد الملايين منهم تستجيب، وتستجيب، وتستجيب.
تحدث مع "الشيوخ" الشباب ممن عاصروا الخمسينات والستينات، وستجد انهم حتى يومنا هذا يرددون شعارات المرحلة التي عاشوها بجوارحهم، وانهم لا يزالون - في كثير من الاحيان - عاجزين عن تصديق انها لم توصلهم الا الى القليل.
نكبات الشعارات في عالمنا العربي، وفي مناطق كثيرة من العالم النامي، أكثر من أن تذكر. ولا نحتاج أن ننقب عميقا لكي نرى كيف انقلبت عليها اجيال الشباب في الثمانينات والتسعينات نحو انماط محيرة من التشدد والاصولية.
جيل الالفية الثالثة شيء مختلف.
جرب ان تدفع بشعارات الى الجيل الجديد، ولن تجد استجابة تذكر.
بالطبع يمكن ان نستسهل وصف الجيل الجديد بأنه جيل صرعات موضة وموسيقى وثقافات مستوردة. ولكن هذا الوصف مناف للحقيقة. انه جيل واع لما يريده.
فأنت تجد شاب اليوم ينظر الى الحياة بمنطق مادي لا يتناسب مع الطريقة التي جُبل عليها آباؤهم.
ولكن اليس هذا هو الهدف من كل الشعارات: تحويل الكلام الى واقع مادي؟
فشباب اليوم اختصروا الطريق نحو الغايات، وقرروا ألا يخرجوا الى الشارع للهتاف على ما يستحق ولا يستحق، كما كان يفعل آباؤهم.
واذا اردت مخاطبتهم بمشاريع فأنهم ينتظرون من التفاصيل اكثر مما يأملون من الوعود. شباب اليوم ليس حالما، بل واقعيا وموضوعيا في آن.
ولعل الشباب في تونس من أكثر الاجيال اليافعة في عالمنا العربي وعيا بما يريدون. فهم نتاج لعقود من تراكم الوعي بأهمية الانجاز والدور.
ولعل السنوات العشرين الاخيرة كانت حاسمة بهذا الخصوص.
فأمام مهمة التحول التي تولاها بن علي، برز خياران: اما الاستمرار على نهج "الحشد" حول قضية وطنية معينة؛ أو تبني واقعية سياسية تهدف الى الاشراك العملي للمجتمع في تفصيلات نهوضه.
ولم يتردد بن علي، واختار بوعي الواقعية السياسية.
ومع الواقعية تأتي أهمية التفاصيل وضرورة التواصل مع الفئات العمرية المختلفة للمجتمع.
والشباب كان في مقدمة الاهتمامات: فلا تطور من دونهم.
وهذا الوعي، على ما يبدو ما فيه من سهولة، ليس واردا في الكثير من المجتمعات، حتى الغربية منها، التي اعتادت على أن يُسيّرها شيوخها وان على الشباب أن ينتظروا دورهم حتى يشيخوا.
التعليم والتدريب والإشراك السياسي كانت من بين العلامات المتميزة لحكم بن علي. فحتى الشاب الذي يقضي بعض وقته في المقهى في واحد من شوارع تونس ويبدو مشغولا بنتائج مباريات كرة القدم، يفاجئك بمدى وعيه السياسي ومستوى تعليمه. فهو يعرف ما يجري في الدنيا تماما، ولكنه يعرف اكثر ما يجري في بلده وما يريده منه. انه مشغول بهموم العرب القومية في فلسطين والعراق، ولكنه حريص على ألا يُضيّع، في زحمة القضايا الكبرى، قضاياه الخاصة بالتنمية والعيش الكريم. والشاب التونسي يعرف أن محاربة الفقر لا تقل أهمية عن محاربة أعداء الوطن والامة، وإن لا معنى لحماس التضامن مع حاجات الافارقة والآسيويين قبل أن يتمكن من التضامن مع احتياجات الأقربين.
منهجية العمل وجديته اللتان أرساهما الرئيس التونسي انتقلت الى الجيل الجديد: لا تقل ما لا تستطيع فعله وتحقيقه، بل قل ما أنت قادر عليه.
مؤتمر التجمع الدستوري الديمقراطي الخامس لم يكن مرحلة جديدة بالمعنى الحرفي فيما يخص الشباب. ولكنه كان نقطة التأطير المفصلية لدور الشباب في التحدي الجديد الذي وضعه بن علي لنفسه ولبلده كرؤية وهدف: الانتقال من العالم النامي الى مصاف الدول المتقدمة.
وإنطلاقا من الحكم على الأساس والمقدمات، يمكن عقد الآمال على ان هدف الوصول الى مصاف الدول المتقدمة هو أمر يمكن للشباب التونسي تحقيقه.
وصدى صوت المندوبة الشابة مفيدة الصمايري، يفيد هذا المعنى، ويساعد على تركيز همم جيلها في هذا الإتجاه، لهذا السبب فانه سيبقى يتردد طويلا. د. هيثم الزبيدي