قبطية تثير أزمة في مصر بسبب اسلامها

القاهرة - من محمد ج. عرفه
الأزمة لا تزال مستمرة

رغم الهدوء النسبي، الذي غلف قضية إسلام زوجة كاهن مصري، والتي أدت لمظاهرات نظمها مئات من الأقباط، الأسبوع الماضي، بعد أن تسلمت الكنيسة الزوجة، وبدأت لجنة مسيحية "تصويب عقلها"، حسبما قال قس مصري، فقد استمر الجدل الحاد حول القضية في مصر، بسبب استمرار البابا شنوده الثالث، بابا أقباط مصر، في اعتكافه المفتوح في أحد الأديرة البعيدة عن القاهرة، كنوع من التعبير عن الاحتجاج والغضب الكنسي الرسمي على واقعة إسلام زوجة القس، واعتقال قوات الأمن المصرية 34 من الشباب القبطي وحبسهم، على خلفية اعتدائهم على 55 من الضباط والجنود وإصابتهم بجروح مختلفة.
وتزامن هذا مع بوادر ظهور حالة من الغضب الرسمي والشعبي المصري على سعي عدد من أقباط المهجر في أمريكا وكندا، عبر بيانات وصلت للصحف المصرية، الاستنجاد بأمريكا وإسرائيل لحمايتهم، وطلب وساطة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرائيل شارون مع الحكومة المصرية، فيما طالب برلمانيون باستبعاد السفير الأمريكي في القاهرة ديفيد وولش، ومطالبته بالرحيل عن البلاد، باعتباره شخصا غير مرغوب فيه، ردا على ما وصفه النواب بمحاولته افتعال أزمة جديدة لفتنة طائفية بين المسلمين والأقباط، في محاولة لاستغلال أحداث كاتدرائية العباسية الأخيرة في القاهرة.
وواكب هذا الأمر كشف عدد من أقطاب الكنيسة المصرية معلومات هامة، لصحف مصرية مستقلة، عن سر هذا الغضب الكنسي الشديد على واقعة إسلام زوجة قس مدينة أبو المطامير، في محافظة البحيرة، شمال مصر، على الرغم من رواج قصص تحول مسيحيات مصريات إلى الإسلام، وأرجعوا الأمر لأسباب دينية، مشيرين إلى أن ما أثار غضب الكنيسة الرسمية هو أنها زوجة كاهن، ما يعني أن تحولها للإسلام يعتبر إهانة للكنيسة المصرية، فضلا عن أنه سيترتب عليه طرد زوجها من سلك الكهنوتية، وتأجيج مشاعر "الشعب" القبطي في مصر، على حد قولهم.
وتتوقع مصادر مطلعة أن تقوم الحكومة المصرية بإطلاق سراح الشبان المسيحيين المعتقلين الـ 34 المتهمين بمهاجمة قوات الأمن خارج كاتدرائية العباسية، شرق القاهرة، بالحجارة، وإصابة 55 جنديا وضابطا بجروح مختلفة، لتهدئة الأوضاع الأمنية، وإرضاء البابا شنوده، مع اقتراب الأعياد المسيحية في مصر، التي تبدأ في نهاية الشهر الجاري، وتنتهي بعيد الميلاد، الذي يحتفل به أقباط مصر في 7 كانون ثاني (يناير)، ويعتبر يوم عيد وإجازة رسمية في مصر.
فقد أبدت مصادر رسمية غضبها مما تنشره بعض مواقع أقباط المهجر على شبكة الإنترنت من تحريض على الفتنة الطائفية في مصر، ومزاعم عن قصص لأسلمة زوجات كهنة، ودعوة أطراف خارجية للتدخل، خاصة بيان لـ "الجمعية الوطنية القبطية"، التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، وصل لصحف محلية، يطالبون فيه شارون بحماية الأقباط، والتدخل لدى الحكومة المصرية لمنع ما يسمى "اضطهاد الأقباط"، حيث "كان الأقباط أيام أجدادهم الفراعنة يحتمون باليهود ووزيرهم آنذاك يوسف الصديق، واليوم جاء دوركم"، وفق نص البيان.
وتزامن هذا من نشر أبناء عن إصدار وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي القرار رقم 18824 لسنة 2004 بإسقاط الجنسية المصرية عن قبطي يدعى أشرف زكي بخيت غالي، لتجنسه بالجنسية الإسرائيلية، دون الحصول على إذن، مخالفا بذلك نص المادة 10 من القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية، وبناء على قرار مجلس الوزراء في جلسته التاسعة يوم 25 تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي.
ووجه رئيس مجلس الشورى وأمين عام الحزب الوطني الحاكم صفوت الشريف انتقادات لما تنشره هذه المواقع في الخارج عن مصر. وقال في تصريحات نشرتها الصحف "لا يوجد مواطن مصري يرضيه ما يتم نشره على مواقع الإنترنت، التي تدل على أن هناك أياد خبيثة تريد أن تنال من وحدة هذه الأمة، ولن يتحقق لهم مرادهم، فمصر قد تعهد الله بحمايتها في القرآن والإنجيل"، كما قال.
كما شنت صحف مستقلة حملة ضد هذا التحريض الخارجي على مصر، والذي وصل لإعلان منظمات قبطية، أنها أجرت اتصالات مع كبار المسؤولين الأمريكيين للتدخل فيما يجري لأقباط مصر، حيث قام المهندس مايكل منير رئيس منظمة أقباط الولايات المتحدة، وفق موقع "أقباط أمريكا" على الإنترنت، بإرسال عدة خطابات إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش وأعضاء الكونجرس الأمريكي، يحثهم فيها على التدخل لدى الرئيس المصري حسني مبارك، لإيقاف "مثل هذه الأعمال الإرهابية من قوات الأمن المصرية". وقالت إنه سيتم عقد لجنة سماع في الكونجرس عن الأحداث القائمة في مصر قريباً.
كذلك نشرت هذه المواقع تحريضا سافرا ينادي بقطع المعونة الأمريكية عن مصر، تحت عنوان "معونات أمريكية لشعب لا يستحقها"، جاء فيها أن "مليارين من الدولارات تخرج من جيوب المسيحيين في أمريكا كل عام لتطعم أفواه المسلمين الجائعة في مصر، وحين يشبعون لا يجدون ما يُحَلّون به أسنانهم إلا دماء المسيحيين.. يجب أن نخرج مطالبين الإدارة الأمريكية بوقف كل معونة اقتصادية وغير اقتصادية لمصر، إلى أن تتعهد الحكومة المصرية برفع الغبن عنهم". دعوات للحكم الذاتي
وكانت قيادات قبطية في المهجر قد دعت إلى منح الأقباط حكما ذاتيا، في محاولة تعد الأولى من نوعها لإضفاء طابع سياسي على مطالب الأقباط المسيحيين في مصر. وقالت "الجمعية الوطنية القبطية الأمريكية" في بيان نشرته وكالة "يو بي" إنها بلورت استراتيجية جديدة، تهدف إلي المطالبة بحكم ذاتي للأقباط.
ودعت كافة الأقباط إلى دعمها. وجاء في البيان، الذي وقعه رئيسها المحامي موريس صادق، أن خطة الحكم الذاتي التي تقترحها تحتاج لمدة أربع سنوات، قبل إقرارها، يتم فيها منح حريات التجمع والنشر، وتدعو إلى إشراف دولي على الحكم الذاتي من قبل حلف الناتو.
إلا أن قيادات في الكنيسة المصرية تعارض هذه الخطط، حيث سخر "يوسف سيدهم"، رئيس تحرير جريدة "وطني" القبطي،في لقاء برواق مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، الأسبوع الماضي، من اقتراح مماثل لرئيس مجلس أمناء "مركز الكلمة لحقوق الإنسان المصري القبطي" ممدوح نخلة، يقترح فيه تحديد مناطق خاصة للمسيحيين وأخرى للمسلمين في مصر، كما نفى المزاعم بشأن إجبار الفتيات المسيحيات على اعتناق الإسلام، وأقر بأن بعض الفتيات يشهرن إسلامهن دون إكراه، معتبرا إن البيئة القبطية خصوصا في صعيد مصر (جنوب) قد لا تتقبل إسلام الفتيات بصورة سلمية، وتعتبره عاراً على أهلها.
ويقدر عدد أقباط في إحصاءات رسمية بـ 5.3 في المائة من عدد السكان البالغ 70 مليون نسمة، بيد أن مصادر قبطية تقول إن العدد أكثر من ذلك، وترفع النسبة المئوية إلى 10 في المائة، فيما تقول مصادر قبطية أخرى إن عدد الأقباط في مصر 10 ملايين نسمة. أسباب كنسية وراء غضب الكهنة
وقد شرح عدد من كهنة الكنيسة المصرية، في تصريحات نشرتها بعض الصحف المستقلة الصادرة أمس الأحد، الأسباب الحقيقية لغضب قيادات الكنيسة من جراء حادثة إسلام زوجة أحد القساوسة تحديدا، رغم أن إسلام فتيات مسيحيات في مصر أمر عادي، مرجعين ذلك لأسباب دينية، تتعلق باحتمالات طرد زوج هذه السيدة التي أسلمت من رتبته الكهنوتية، وعدم ثقة "شعب الكنيسة" بهذا الكاهن، لأنه لم يحافظ على بيته، كما إن قيادات الكنيسة تعتبر إسلام زوجة الكاهن موجه ضد الكنيسة المصرية نفسها.
وأبدى القساوسة في تصريحاتهم تشددا كبيرا في تحول الزوجة للإسلام، مصرين على أنها تحتاج للتطويب، و"تصويب عقلها"، وعقد جلسات طويلة معها، قد تستمر مدة عام كامل. وقال بعضهم إنها تحتاج أيضا لعلاج نفسي، رغم أن صحف مصرية نقلت تسريبات عن اللقاءات الأولى لوفد الكنيسة مع الزوجة أكدت فيه أنها أسلمت منذ عامين وعن قناعة، ومن دون إكراه من أحد، وأنها تحفظ 17 جزءا من القرآن الكريم، وتصلي وتصوم رمضان سرا!.
فقد زعم قساوسة مصريون أن حالة زوجة القسيس يوسف عوض كاهن كنيسة أبو المطامير، التي تحولت للإسلام "حالة دينية خاصة" من شأنها تأجيج المشاعر الدينية. ففي العرف الكنسي أن زوجة الكاهن تعد أما للشعب، ومعينة له في الخدمة، وفي رعاية أبناء المسيحيين. وفي العرف الكنسي أيضا أنه إذا أخطأت زوجة الكاهن خطأ كبيرا يمنع الكاهن عن الصلاة وتأدية طقوس كنيسته، من منطلق أنه إذا لم يكن هذا الكاهن قادرا على رعاية أهل بيته فهو ليس قادرا على رعاية شعب كنيسته، في ما يعني أنهم يعتبرون الانتقال إلى الإسلام بمثابة خطيئة كبيرة.
وذكر الأنبا باخوميوس أسقف محافظة البحيرة شمال مصر لجريدة "صوت الأمة" أن "الزوجة لو تركت دينها فلابد أن يفصل زوجها من رتبة الكهنوتية"، فيما قال المحامي ممدوح نخلة لصحيفة "العربي" الناصرية أن "الزوجة (وفاء) ليست مسيحية عادية وإنما زوجة كاهن.. والقضية أنها رمز للكنيسة وهي بؤرة حرجة"، وقال القس اسطفانوس من كنسية ماري جرجس بكفر الدوار إن "مسألة إسلام بعض المسيحيات شيء يحدث من زمان ولا نعترض عليه، فكل واحد حر.. ولكن حينما تمس زوجة كاهن، فالمقصود هو الكنيسة"، على حد زعمه.
وجاء رد الفعل على احتمالات ترك الزوجة التي أسلمت إسلامها بحرية، حادا بدوره من قيادات كنسية، إذ قال القس اسطفانوس أن إسلام زوجة الكاهن ليس له أي قيمة، بعد ما أسماه "التهديد وغسيل المخ الذي تعرضت له". وأضاف "لن تكون وفاء سليمة العقل لتعلن أنها مسلمة". وقال الأنبا باخوميوس، ردا على سؤال ماذا لو رفضت الزوجة العودة (للكاهن وللمسيحية)، إن "الموضوع لا يحتمل، فلابد أن يتم تسليمها.. فهي زوجة رجل كهنوت، وتعلم أنه ليس لها الإرادة فيما تفعله".
ووصل الأمر بالأنبا بيشوى سكرتير المجمع المقدس للقول إن "وفاء تحتاج إلى سنة على الأقل لتصويب عقلها، وما حدث فيه، حيث لا تحتاج إلى نصح وإرشاد ديني فقط، بل لعلاج نفسي أيضا". كما قال إنها "تشعر بحالة دوخة شديدة منذ تسلم الكنيسة لها، وتحتاج لأدوية كي تفيق من غيبوبتها"، في إشارة غير مباشرة للتأثير عليها.
يذكر أن الأنبا بيشوى ذكر في تصريحات لصحيفة العربي الأحد أسباب غضب البابا شنوده وتوجهه إلى دير الأنبا بيشوي في مدينة وادي النطرون على طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي، ولخصها في تأخير أجهزة الأمن المصرية تسليم السيدة وفاء قسطنطين إلى الكنيسة يوم الأربعاء الماضي مدة ساعتين تقريبا، مما اعتبره البابا تلاعبا بالكنسية.
وقال إن قضية "تلفيق اتهامات مزورة للشباب القبطي، وتقديمهم للمحاكمة يعد أمرا غير مشروع ولا مقبول"، في إشارة لرفض البابا اعتقال هؤلاء الشباب، والمطالبة بإطلاق سراحهم، كما اعتبر "إلقاء قوات الأمن الحجارة على المتظاهرين داخل الكاتدرائية" عدم احترام لحرمة الكنيسة.(قدس برس)