قاوم السلطة: محاولة جريئة لكسر تابوهات سعودية

بقلم: حبيب طرابلسي
فاطمة: لست خائفة

أثار الفيلم الوثائقي "ريزست ذي باور! العربية السعودية" (قاوم السلطة! العربية السعودية) الذي عرضته قناة أم تي في في برنامجها الشهير "ترو لايف" (الحياة الحقيقية)، والذي يصور المملكة وكأنها سجن كبير، حالة من الغضب في الشارع السعودي الذي تعامل بصرامة مع "المجاهر بالمعصية" في برنامج "أحمر بالخط العريض" على قناة ال بي سي اللبنانية، لكن أحد "أبطال" الفيلم، الذي تم تصويره في مدينة جدة، تجاوز خطا أحمر أيضا.

وتضمن الفيلم الوثائقي أربع حلقات أبطالها شابان وفتاة ينتقدون العادات والتقاليد السعودية التي تمنع الشباب والفتيات من تكوين صداقات بينهم، ويصفونها بـ"التخلف"، ويطالبون بالمساواة بين الجنسين، فيما يجاهر أحد الشبان بعلاقته بإحدى الفتيات.

وفي إحدى الحلقات، تتمرد "فاطمة" على الزي التقليدي النسائي وتنتقد اقتصار "العباءة" على اللون الأسود. فتعمل على تصميم عباءات بألوان زاهية وتسويقها بين معارفها، كما تعمد "فاطمة" إلى قيادة دراجة هوائية مع زميلتها في شوارع جدة بعد تنكرهما بزي رجالي.

وأغلب القضايا التي أثيرت في الفيلم الوثائقي هي من المسائل التي تتعلق بالمرأة كالاختلاط وقيادة السيارة، والتي أشبعت طرحا وتحليلا على لسان العديد من الكتاب والصحافيين السعوديين الذين غالبا ما يحصرون محاور الاختلاف بين التيارين المتناحرين في المملكة (التيار الإسلامي المتشدد و التيار الموصوف بالليبرالي) في مثل هذه القضايا التي تثير زوابع إعلامية وتشغل الرأي العام المحلي والعالمي.

"أحمد" يتجاوز الخط الأحمر.. بالعريض

أحد الشبان، "أحمد"، وهو شاب مثقف يتحدث الإنجليزية بطلاقة، تجرأ على التطرق إلى مفاصل الحياة السياسية في المملكة. فتحدث عن الفقر والعدالة والمساواة وعن "آلاف الكتب والمواقع الإلكترونية الممنوعة في المملكة" وعن الممنوعين من الكتابة ومن السفر بسبب آراءهم، إلى جانب الحديث عن التطور البطيء لحريات المرأة وقضايا فصل الجنسين في العديد من المجالات.

وهذه، حسب رأيه، "حقوق لا تعطى كهدية بل يجب أخذها" عنوة.
ويستعرض "أحمد" كذلك كيف أنه استطاع ترتيب لقاء هو الأول من نوعه بين سيدات ومسؤولين بالمجلس البلدي بجدة. كما يروي كيف أنه أدخل من لندن مجموعة من الكتب السياسية المحظورة في المملكة، والتي يعرض عدة عناوين منها.

واعتبرت عدة صحف محلية الفيلم "تشويهاً متعمداً لصورة المملكة" و"إساءة للعادات والتقاليد الإسلامية" و"دعوة إلى مخالفة الثوابت الوطنية". وهذا ما أشارت إليه صحيفة "الرياض" في مقال بعنوان "قناة ام تي في الأميركية تستغل شبابنا لتشويه صورة المجتمع السعودي"، منتقدة "تطفل القناة على قضايا هي في الأساس محل نقاش وسائل الإعلام المحلية (...) حتى تأتي محطة إم تي في الأميركية والمتخصصة في الأساس في الموسيقى لكي تطرحها على لسان بعض الشباب السعودي".
وهناك "متعاطفون"

أثار المقال مئات التعليقات في مجملها منددة بـ"استهداف المملكة" و"التطاول على الدين الإسلامي" ومطالبة برفع دعوى ضد القناة وبمحاكمة الشبان والشابات المشاركين في البرنامج، باعتبارهم "أداة يستخدمها الغرب لتصفية حسابات خاصة ضد المملكة والإسلام".
غير أن عددا من القراء دافعوا بشدة عن المشاركين في البرنامج.
فقال أحدهم "هذا واقعنا. لماذا نخجل منه؟ والانفتاح والحريات مطلوبة. والقناة الأميركية لم تعمد التشويه بقدر ما تكون مغامرة لكسر القيود والأغلال المفروضة على المجتمع من الشرطة الدينية".

وعلق آخر قائلا "أليس من المضحك عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة والسماح لها باستقدام سائق أجنبي يحتك بها مباشرة في المنزل ويختلي معها في السيارة؟ ليس دفاعاً عن ما قامت به ام تي في ولكن شبابنا بصراحة مهمش وباب الحوار دائماً مغلق. لماذا تنكرون الحقيقة، وهي أن الشباب والفتيات يعيشون في كبت لا يحسدون عليه وأن مجتمعنا غارق في التناقضات".

ويستعد المئات من المواطنين لتقديم دعوى إلى هيئة التحقيق والادعاء العام ضد القناة الأميركية وضد "أبطال" الفيلم الذين ذكروهم بقضية "المجاهر بالمعصية" التي شغلت الرأي العام المحلي والدولي زمناً طويلاً قبل إسدال الستار عليها بالحكم بسجن المتهم الرئيسي خمس سنوات وجلده ألف جلدة ومنعه من السفر خارج المملكة لمدة خمس سنوات في مطلع أكتوبر/تشرين الاول الماضي.
وكان الشاب السعودي قد ظهر على قناة ال بي سي وهو يشرح تفاصيل لقاءاته بفتيات الهوى ويمارس معهن الجنس.
كما تم إطلاق حملة على موقع "الفيس بوك" بعنوان "لن نسمح باختراق قيم المجتمع السعودي"، تجاوز عدد المنضمين لها أكثر من 1300 سعودي مطالبين بمحاكمة القناة والشابين والفتاة.

"لست خائفة"

المتحدث الرسمي باسم وزارة الإعلام، عبدالرحمن الهزاع، أكد لصحيفة "اليوم" أن الوزارة لن تتخذ أي إجراء، ما لم تتقدم أي جهة بشكوى حول ما تم نشره، مبينا أن وزارته مسؤولة عن مكاتب التلفاز الموجودة في المملكة فقط، وما تقدمه تلك القنوات من مواد إعلامية، وليست للوزارة أي سلطة على المكاتب الموجودة خارج المملكة".

ومن جانبه، أكد مصدر مسؤول في المحكمة الجزئية بجدة أنها ستنظر في دعوى المواطنين ضد القناة الأميركية في حالة إحالتها رسميا من قبل هيئة التحقيق والادعاء العام. لكنه أكد انه قبل الشروع في إجراءات المحاكمة واستدعاء أطراف القضية عند إحالتها من المدعي العام، يتم الإطلاع على حيثياتها والتأكد من أنها من اختصاص المحكمة.
لكن يبدو أن "فاطمة"، بطلة "الحياة الحقيقية"، غير عابئة بما يثار من لغط.
ففي ردها هاتفيا على سؤال لـ"المدينة" عن مدى تخوفها من ردة فعل المجتمع وانتقاده لها أو من رفع دعوى قضائية ضدها إكتفت بالقول "لا. لست خائفة، ولن يحدث شيء من هذا، وبالنسبة للمجتمع فهو بالطبع سينتقد". ثم أنهت المكالمة متحججة بأن وقتها لا يسمح بالمزيد. www.saudiwave.com