قالوا وقلنا: ما بين الدين والتدين

الدين الحقيقي لله السياسة غير جديرة به

يقول القرآن: "إن الدين عند الله الإسلام"(آل عمران: 19). أقول: في هذه الآية خلط بين الدين والتدين، وقد التبس الأمر على كثير من المفسرين وعلماء الدين وذهبوا في تفسير هذه الآية الى ان المراد هو تسليم القلب لله،اي الإسلام العام الذي يستوعب جميع الاديان السماوية ودعوات الانبياء(انظر تفسير الميزان ذيل هذه الآية)، والحال ان تسليم القلب لله هو تدين لا دين، وببيان أوضح ان المقصود من الدين في الآية تارة يكون المعنى النظري،اي مفهوم الدين من التوحيد وإرسال الأنبياء والكتب السماوية والمعاد وأمثال ذلك،فكون هذا الدين عند الله الإسلام لا ينفعنا شيئاً، لأنه بمجرد أن يخرج من عند الله ويصل الى البشر يتشظى ويتفرق على شكل فهوم وقراءات متعددة بحكم تأثير البيئة والتربية والثقافة وما الى ذلك ولا يبقى واحدا،والمفهوم من الآية مورد البحث ان الدين واحد وهو الإسلام.

وحسب تقسيم كانت للواقع إلى: نومن وفنومن، أو ماهو في ذاته وما يظهر لنا، فالإسلام في ذاته-اي في اللوح المحفوظ او عند الله لا نعلم منه شيئا،والإسلام كما يبدو لنا فهو ليس كما عند الله، إذا ما فائدة حصر الدين بالإسلام عند الله؟ والاهم من ذلك ان تقسيم كانت المتقدم ناظر إلى الأمور الواقعية المحسوسة في العالم، والدين من القضايا الاعتبارية والذهنية كما في الإنسان الكلي الذي لا وجود له في الخارج إلا بوجود افراده، فلا معنى ليكون له وجود مستقل عند الله إلا على اساس نظرية المثل الافلاطونية.

وتارة اخرى يكون المراد المعنى العملي للإسلام وهو التسليم لله،فهو التدين، وهنا ايضا لا يمكن ان يكون التدين واحداً، لأن التدين يرتبط بشكل وثيق بنمط الشخصية والمزاج ونفسيات الناس،وهي ليست على نمط واحد كما هو الثابت في علم النفس، وإذا أردنا تصنيف الناس حسب تدينهم فيمكن القول بوجود ثلاثة انحاء من التدين: تدين الشعائر، والشريعة، والشعور:

تدين الشعائر:

تدين العامة من الناس، أي تدين العوام من أتباع كل دين ومذهب، ويتميز بأنه تدين يهتم بالشعائر والطقوس والغرض منه ارضاء حاجات نفسية وعاطفية وخيالية للمتدين ولا ينطلق من موقع العقل والتحقيق، ولذا تكثر فيه المعتقدات الخرافية والطقوس العبثية، ويتسم ايضا بكونه تاريخي، أي يهتم بتاريخ الدين ويحسبه من الدين، وكذلك يتسم بالتقليد لمرجعيات دينية أو تقليد الآباء والغالبية من الناس ولا يخرج عن اطار المألوف في المجتمع، والتدين بهذا المعنى قد تكون ايجابياته وفوائده النفسية والاجتماعية أكثر من سلبياته لما يحقق للفرد من هدوء وراحة نفسية وتلاؤم مع العرف والمجتمع وتقوية العلاقات الاجتماعية وغير ذلك.

تدين الشريعة:

تدين رجال الدين والأحزاب الإسلامية والإسلاميين بشكل عام، والمقصود من الشريعة هنا المعنى العام وما يشمل العقائد والأحكام الشرعية، وهذا الصنف من المتدينين بحثوا في مسائل الدين ودرسوا احكامه وتعاليمه حتى تحول لديهم إلى ايديولوجية تستوعب كافة مناحي الحياة، ولذلك هم اخطر من الصنف الاول على المجتمع والأخلاق والعقلانية بل على الإنسان نفسه، لان الدين عندما يتحول الى ايديولوجيا ينتج الاغتراب عن الذات كما يقول فويرباخ، والشخص المؤدلج لا يفهم من الاخلاق إلا ما يصب في صالح ايديولوجيته حتى لو قادته الى قتل الابرياء واستخدام العنف في سبيل فرض دينه على الآخرين، ومن إفرازات هذا التدين الإسلام السياسي، لأن المتدين بدين الشريعة يرى ان الإسلام دين ودولة ولا يصح الفصل بينهما بحال ولذا يتهم العلمانيين بالكفر والانحراف عن الدين، بل يتهم كل من خالفه في بعض قضايا الدين بالانحراف لأن الايديولوجية لا تتحمل الخلاف، ويترتب على ذلك الدوغمائية والتعصب وربما الاقتتال الطائفي، ومن سمات هذا التدين رفض الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بحجة انها وضعية وان الإسلام يحتوي على جميع مايحتاجه البشر من احكام وتعاليم وهي احكام سارية المفعول الى يوم القيامة حتى الغزو والرق وزواج القاصرات والجزية وأمثال ذلك، بينما نرى ان الصنف الاول من المتدينين لا يقفون هذا الموقف السلبي من الحداثة بل يأخذون منها ما ينفعهم من الحقوق والقوانين والمفاهيم، بمعنى أن أتباع التدين الشعائري يعانون من جهل بسيط، أما أتباع تدين الشريعة فيعانون من جهل مركب ومن الصعب بمكان اقناعهم بالعودة عن تدينهم والانفتاح على الحداثة والعقلانية ومقتضيات العصر.

تدين الشعور:

التدين القائم على أساس التجربة الدينية والإيمان القلبي بالله والتوكل عليه وتوثيق العلاقة معه والاستمداد من الشرع الباطن وهو الوجدان بعيدا عن التمسك الحرفي بالنصوص والفقه، ومن إفرازاته الحب للناس والسعي لقضاء حاجاتهم والتخفيف من معاناتهم والالتزام بالقيم الاخلاقية والمثل الإنسانية، ومن سماته إنه مرن ويتقبل الحداثة وحقوق الإنسان ولا ينغلق على القديم، وأيضا من سماته انه تدين فردي ولا يخضع لضغوط المجتمع ولا يؤمن بالتقليد، ومثل هذا التدين، مضافا الى دوره الهام في إخراج الإنسان من سجن الذات الفردية والنفس الأنانية ومنح الإنسان الامل والبهجة والمعنوية في الحياة، فانه يخلو من كافة السلبيات المترتبة على التدين الأول والثاني، وهذا النمط من التدين هو ما ندعو اليه ونسميه بالتدين الوجداني وهو تدين العرفاء.

السيد أحمد القبانجي

كاتب عراقي