قارة الاكتئاب

بقلم: محمد كركوتي

"الاكتئاب هو عدم القدرة على بناء المستقبل"

رولو ماي عالم وجودي أميركي

رُزق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بابنة من زوجته الشهيرة الجميلة، وشهد نتائج سياساته ومخططاته التي أدت إلى سقوط معمر القذافي أحد أسوأ الطغاة في العصر الحديث، لكنه لم يبتسم بصورة تتوازى من الحدثين. فقد كان الاكتئاب ضافياً عليه مع كل الأحداث المفرحة.

اكتئاب ساركوزي ليس حديثاً، عمره من عمر الأزمة الاقتصادية العالمية، لكنه ازداد عمقاً وكرباً وخوفاً من مجهول معلوم، وبات جزءاً أصيلاً من المشهد الأوروبي العام في نطاق القيادات، وهو كذلك –في الواقع- في محيط الشعوب أيضاً.

ويشهد العالم حالياً، نسمات الربيع العربي في قلب أوروبا، بعد أن مرت على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

والفارق أن الناس في أوروبا لا يُقتلون، وقادتهم لا يَقتلون من أجل البقاء.

في القارة التي رسمت معالم العالم أجمع. ضاعت العناوين المبهجة في زحمة عناوين وحقائق قاتمة، يائسة، محبطة، متشائمة، منذرة، مخيفة. وكلها عناوين مستلهَمة من "نص" الأزمة، ومن "متن" مصائبها، مستخرجة من تاريخ أوروبي يتشكل، لم يرغب الرئيس الفرنسي (وزملائه الأوروبيون، ولا سيما المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل) أن يشهده، أو أن يرتبط به في سجلاته ووثائقه.

فبعد تردد دام أشهراً طويلة، يعترف رئيس فرنسا، الدولة التي لا تزال تدافع عن "أحقيتها بحضانة" أوروبا، ليقول: "إن خطر تفكك أوروبا لم يكن يوماً كبيراً كما هو اليوم".

مهلاً..هل سرق ساركوزي العنوان-التصريح من زعيم حزب قومي بريطاني أو الماني أو فرنسي أو إيطالي متطرف؟! إنه بلا شك "أب" العناوين كلها. بعد ذلك يتجرأ وزير المالية البولندي جاسيك روستفيسكي ليقول: إن مخاطر الكارثة الاقتصادية التاريخية قد تؤدي -كأزمة انكماش الثلاثينيات من القرن الماضي- إلى الزج بأوروبا، أين؟ في الحرب!

لنستعرض "عناوين الاكتئاب"، ولا أبلغ إن وصفتها بـ "الخراب"، التي تزخر بها ألسن الاقتصاديين الغربيين (ولا سيما الواقعيين منهم)، وتغطي المساحات الأكبر في واجهات الإعلام.

تلك العناوين التي كانت تهمين (في الأشهر السابقة) على الاجتماعات في الغرف المغلقة فقط، لكنها باتت جزءاً من الاجتماعات المفتوحة والمعلنة: ركود جديد. انكماش آت. أزمة أخرى. انزلاق نحو المجهول. اليونان تترنح بديونها. إيطاليا تنتظر دورها. الاقتصادي الأميركي الشهير نورييل روبيني يتوقع خروجاً لهذا البلد من اليورو. البنوك الفرنسية تستسلم. وكالة "ستاندارد اند بورز"، تهدد بتخفيض التصنيف الائتماني الممتاز لفرنسا. الوكالة نفسها تعلن تهديدها لـ 15 دولة من دول منطقة اليورو الـ17 بتخفيض تصنيفها جميعاً. الألمان غاضبون. الدول الدائنة ستصبح مدينة. هل من الأفضل لألمانيا احتلال اليونان؟! ألمانيا ذاتها تنزلق إلى الكساد. اليابان تُعنف الأوروبيين على أزماتهم. أخطر أزمة تواجه منطقة اليورو في تاريخها. اليورو رصاصة قاتلة للاتحاد الأوروبي. وفي الصيف الماضي انطلق هذا العنوان: الخناق يضيق على اليورو، ويُقرب خريف أوروبا. الحكومات الأوروبية تتساقط، انظروا كيف سقط باباندريو في اليونان، وثاباتيرو في إسبانيا، وبرلسكوني في إيطاليا. أوروبا قد تلجأ إلى من؟ إلى صندوق النقد الدولي! منطقة اليورو تبحث عن منقذ، لكن الصين ترد رسمياً بـ "ألا تتوقع هذه القارة أن تستخدم بكين جزءاً من احتياطياتها من القطع الأجنبي البالغة 3,2 تريليون دولار أميركي لإنقاذ القارة". الأميركيون يؤنبون الأوروبيين..أميركا (نفسها) تتراجع ائتمانياً. الأميركيون يفكرون في احتلال "وول ستريت". الأميركيون احتلوا "وول ستريت" فعلاً. الديون تدق إسفيناً في العلاقات الأميركية الأوروبية. صندوق النقد والبنك الدوليين: العالم في خطر داهم. الأسواق تكتسي اللون الأحمر الناري. أزمة اليورو تفاقم الجوع في إفريقيا. لا جسارة عند السياسيين الغربيين.

قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، كانت هذه التحذيرات والعناوين تعتبر مجرد كلمات تهويل غير واقعية، من اقتصاديين وإعلاميين لا يحبون التفاؤل. بل كان هؤلاء متهمين بشن حملات تستهدف عن قصد نشر الإحباط والاكتئاب في الأجواء. الذي حدث أن الأزمة الكبرى وقعت وأوقعت معها العالم. وبعد الأزمة، اختفت أصوات من تبقى من المتفائلين، لينضم السياسيون إلى الواقعيين. فكل عنوان يحمل حقيقة كارثة تحتضن برهانها، ويضع خطاً في لوحة تحتوي معالم مستقبل اقتصادي عالمي، ستكون "لوحة الأزمة" (بالمقارنة) أكثر إشراقاً. إن العناوين لن تتوقف عن الانطلاق في كل الأرجاء، ومن المرجح (والبعض يقول من المؤكد) أن تكون العناوين المقبلة بمضامين أشد رعباً وشؤماً، مثل: الإعلان رسمياً عن إفلاس اليونان، وخروج إيطاليا من اليورو، وألمانيا عاجزة عن مواصلة إنقاذ الدول الغارقة بالديون، والمنقذون يبحثون عن منقذين لهم، والبنك المركزي الأوروبي يدرس طرد بعض الدول من منطقة اليورو، ودعوات لتفكيك منطقة اليورو، ورصاص اقتصادي يدمر منطقة اليورو، وأثنين وثلاثاء وأربعاء وخميس وجمعة سوداء في الأسواق العالمية، ومرحى للأزمة السابقة، وتعاظم فواتير الأزمات الغربية التي تدفعها الدول النامية، وربما سيبرز عنواناً هو: الشعوب الأوروبية تحتل بورصات بلدانها كلها، والعالم يبحث عن حلول لأزمتين تاريخيتين مفجعتين في آن معاً.

ستكون عناوين صادمة، لعالَم اقتصادي مشوه، من المستحيل تجميله.

(نُشر في جريدة "الاقتصادية")

محمد كركوتي

m@karkouti.net