قادة الإعلام العربي يجلسون على مائدة سكندرية واحدة

الإسكندرية ـ من حسام عبدالقادر
لا يهم التوصيات

ليس مهما التوصيات، والتي غالباً ما ستأخذ مكانا فسيحا في أحد أدراج مكتب من مكاتب جامعة الدول العربية، وليس مهماً أن نختلف، وأن يتحيز كل شخص منا إلى رأيه، ولكن المهم أن نجلس إلى مائدة واحدة، وأن نتناقش ونفتح حواراً. وهو ما تحقق في وجهة نظرى في منتدى قادة الإعلام الذي نظمته مكتبة الإسكندرية مع هيئة الملتقى الإعلامي العربي في الفترة من 1 إلى 2 يوليو/تموز الجاري.
لقد اجتمع أكثر من ثمانين من قادة الإعلام في الوطن العربي، لم يخلُ الاجتماع من مسئولين رسميين حيث حضر اللواء عادل لبيب محافظ الإسكندرية الافتتاح ليلقي كلمة ترحيب بالحاضرين، كما حضر الختام الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية وألقى كلمة هامة طالب فيها الإعلاميين القيام بدور مؤثر نحو عدم الاكتفاء باستهلاكنا للتكنولوجيا وأن نكون منتجين أيضا، وهو موضوع يحتاج مقالا مستقلا.
لقد اكتظت القائمة بأسماء لامعة من الإعلاميين، حاول الجميع أن يناقشوا في ثلاث جلسات الإعلام ودوره في دعم العلاقات العربية، والاستثمار في مجال الإعلام، ثم الإعلام والسلطة، وهم ثلاثة موضوعات شائكة.
ورحب لبيب في بداية كلمته بالمشاركين في الملتقى قائلا: "إنني أكن لقادة الإعلام العربي كل تقدير واحترام، كما أحيي جهودهم المتواصلة في خدمة الإنسان العربي والارتقاء بالثقافة العربية عبر الكلمة الصادقة، والخبر الأمين، والتحليل الموضوعي".
وأضاف: "أن هذا اللقاء يحمل معانيَ كثيرة نظرا لأنه يتوافق مع اختيار منظمة السياحة العربية مدينة الإسكندرية كأول عاصمة للسياحة العربية لعام 2010"، مشيرا إلى أن هذا الاختيار يضيف لرصيد المدينة الثقافي والعلمي والعربي.
وألمح لبيب إلى التحديات الكثيرة التي تواجه الإعلام العربي على الصعيدين الإقليمي والدولي في ظل السماوات المفتوحة والثورة التكنولوجية والاتصالية، مما يشكل عبئا كبيرا يتعين على الإعلام العربي مجابهته ومواكبة التطورات في هذا المجال الحيوي. كما أن ثورة تكنولوجيا الاتصال تؤدي إلى تعرض الجمهور العربي لفيضان إعلامي متعدد الأبعاد والأوجه، وبالتالي يقع على عاتق قادة الإعلام والمؤثرين في صناعته الحفاظ على الهوية العربية لجمهور المنطقة.
من جانبه، أعرب ماضي الخميس؛ الأمين العام لهيئة الملتقى الإعلامي العربي عن سعادته بعقد الدورة الثانية لملتقى قادة الإعلام العربي في رحاب مكتبة الإسكندرية، التي وصفها بالصرح الشامخ، وبمشاركة نخبة قادة الإعلام العربي والمؤثرين في صناعته في الملتقى الذي يهدف إلى إيجاد حوار نوعي مؤثر وفعّال من خلال اعتماد الشفافية والوضوح بين قادة الإعلام العربي، وذلك من أجل الوصول إلى حلول عملية وواقعية للمشكلات والعوائق التي تواجه مسيرة الإعلام العربي أو تعطلها.
ونوّه إلى أن هناك ثلاثة محاور أساسية للملتقى؛ تتناول الأولى منها دور الإعلام في دعم العلاقات العربية، بينما تدور الجلسة الثانية حول اقتصاديات الإعلام وأبرز العوائق التي تواجه المستثمرين في هذا المجال وأثر الأزمة الاقتصادية على وسائل الإعلام، أما الجلسة الثالثة فتتركز حول العلاقة بين الإعلام والسلطة.
وأشار الدكتور خالد عزب إلى أن عقد مثل هذا الملتقى الذي يضم نخبة الإعلام العربي في الإسكندرية ومكتبتها يعد خطوة كبيرة في سبيل إنهاء المركزية الإعلامية للقاهرة.
وأضاف أن المكتبة تعمل على امتلاك أداوتها الإعلامية في ظل التطور الحادث في المشهد الإعلامي؛ حيث تستخدم الوسائط الإعلامية الإلكترونية في الوصول إلى الجمهور، إضافة إلى تأسيسها أستوديو تليفزيوني سيقدم قريبا للجمهور في المنطقة أول برنامج تليفزيوني علمي عربي خالص يعرض العلوم المعاصرة فيما يزيد عن 80 حلقة.
كما لفت عزب إلى مشروع إنشاء محطة إذاعية تقوم به المكتبة بالتعاون مع محافظة الإسكندرية، كي تخدم المجتمع المحلي.
وفي سياق متصل، عقدت الجلسة الأولى لملتقى قادة الإعلام العربي بعنوان: "الإعلام والعلاقات العربية"، والتي ترأسها صالح القلاب؛ وزير الإعلام الأردني السابق.
وطرح القلاب في بداية الجلسة تساؤلا؛ هو: "العلاقات العربية والإعلام... من يشكل عبئا على الآخر؟!"، لافتا إلى أن البعض يحمّل الإعلام مسئولية توتير العلاقات العربية البينية، في حين يشير آخرون إلى أن العلاقات العربية تقيّد الإعلام وتحد من حريته.
وقال نبيل الحمر؛ المستشار الإعلامي لملك البحرين، إن العالم العربي يمتاز بالحساسية في علاقاته البينية؛ حيث إن الصحافة مستغلة من قبل السلطة في معظم الدول العربية إن لم يكن جميعها، مما يؤدي بها إلى توجيه الصحافة والإعلام إلى نشر رسائل تتوافق مع سياسة السلطة الحاكمة؛ وهو ما يؤدي أحيانا إلى الإساءة إلى العلاقات بين الدول العربية.
وأوضحت سميرة المسالمة؛ رئيس تحرير صحيفة "تشرين" السورية، من جانبها، أن مسئولية توتير العلاقات العربية البينية تقع على عاتق الأنظمة والإعلام بشكل متساوي؛ فالإعلامي الذي ينجذب إلى السلطة يصبح مرتهنا بعلاقة تلك السلطة مع الدول الأخرى.
ونوّهت المسالمة إلى أنه من الخطورة بمكان أن تتحول العلاقات المتوترة بين الأنظمة إلى التأثير على العلاقات بين الشعوب العربية، مضيفة أنه يتعين التوجه بإطار عمل عربي لمعالجة هذه القضايا.
وأشار فيصل مكرم؛ رئيس تحرير صحيفة "الغد" اليمنية، إلى أن الإعلام العربي لا يزال مقيدا في إطار السياسة القطرية لكل دولة، كما أنه لم يستطع تأدية رسالته في الفضاء المفتوح للإعلام، مشددا على أنه أمام تحد حقيقي يتمثل في كيفية التعاطي مع العلاقات العربية في إطار من الحرية، وبما يخدم المتلقي العربي.
وألمح إلى أن التأطير القانوني للإعلام في العالم العربي مقيد للحرية ولا يخدم تعاطيه مع العلاقات العربية؛ حيث إن التشريعات في هذا المجال عادة ما تكون "قاسية"، و"مخيفة"، و"مخجلة"، على حد تعبيره.
وفي ذات السياق، تحدث الدكتور شبل بدران؛ عميد كلية التربية بجامعة الإسكندرية، قائلا إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي خلال السنوات العشرين إلى الثلاثين الماضية، أدت إلى ظهور الإعلام المستقل أو الخاص، منوّها إلى أن الرهان يقع على عاتقه؛ فهو يستطيع طرح قضايا الأمة وشعوبها.
من جانبه، أكد ياسر عبدالعزيز؛ الخبير الإعلامي المصري، أن الإعلام العربي كان أداة لتوتير العلاقات بين الأنظمة والشعوب، مما خلق أزمات كبيرة، مدللا على ذلك بالعديد من الأمثلة التي حدثت خلال الفترة الماضية.
وشدّد على أن وسائلنا الإعلامية لم تبرهن قدرتها على العمل باستقلالية عن مالكيها مقارنة بتلك في الدول الغربية التي لم ترق إلى الاستقلالية الكاملة، إلا أنها طوّرت أدوات من أجل ممارسة إعلامية أكثر استقلالية، وذلك من خلال التنظيم الذاتي لوسائل الإعلام ونشر الخطوط العريضة لسياستها التحريرية ومراقبة الدقة العامة.
وقال صلاح سلام؛ رئيس تحرير صحيفة "اللواء" اللبنانية، إنه من الظلم تحميل الإعلام مسئولية العلاقات العربية؛ حيث إنه مرآة المجتمع، مضيفا أن المواقف السياسية هي التي تخرب العلاقات بين الدول العربية أو تحسنها، وبالتالي فإن العلاقات العربية تشكل عبئا على الإعلام.
وأوضح أمين بسيوني؛ رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي بجامعة الدول العربية، أن هناك متغيرات عديدة في الإعلام اليوم أحدثتها ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وظهور وسائل الإعلام الإلكترونية، لافتا إلى أن جامعة الدول العربية تعمل دائما على مواكبة تلك التطورات.
وشدد بسيوني على الحاجة إلى مناقشة الدور الذي تقوم به القنوات الفضائية العربية وسلوكياتها واعتماد بعضها على الإثارة في محتواها؛ وهو ما يشكل عبئا على العلاقات السياسية العربية والقيم الثقافية.
وفي هذا الإطار، اقترح التونسي أبوبكر الصغير؛ رئيس تحرير صحيفة "الملاحظ"، أن يتم تأسيس مرصد يعد في مرحلته الأولى تقريرا سنويا يرصد فيه حالة الإعلام العربي.
من جانبه، نوّه صلاح عيسى؛ رئيس تحرير صحيفة "القاهرة"، إلى أن تأثير الإعلام في العلاقات العربية موضوع قديم جديد يحدث منذ ستينيات القرن الماضي، مشددا على أن الإشكالية تكمن في كيفية الحفاظ على العلاقات الإستراتيجية بين الشعوب العربية بمنأى عن التوترات السياسية بين دول المنطقة.
وقالت الكاتبة الصحفية البحرينية لميس ضيف إنه لا يمكن لوسائل الإعلام المطالبة بالحرية في تناول العلاقات العربية دون توافر الحرية في الداخل أولا؛ حيث إن هذا يُفقد تلك الوسائل مصداقيتها. وأوصت ضيف بأن يكون وزراء الإعلام العرب من الإعلاميين.
ولفت عبدالله كمال؛ رئيس تحرير "روز اليوسف"، إلى الحاجة إلى الاعتراف بأن وسائل الإعلام وعلاقتها بالسلطة هي محصلة طبيعة المجتمعات التي يحدث بينها أحيانا مناوشات ومناقشات. وأضاف أن إشكالية حرية الإعلام لا تتلخص في مقدار ما تتيحه السلطة من مساحة لوسائل الإعلام فحسب، وإنما أيضا ما يتيحه المجتمع الذي يحد من حرية الإعلام في الكثير من الأحيان.
أما يونس مجاهد؛ نقيب الصحفيين المغاربة، فأثار نقطة هامة تتعلق بأنه أحيانا تفرض على وسائل الإعلام العربية ضغوطات اقتصادية وسياسية في حال تناولها لقضايا دولة أخرى، كأن يتم تسريح عمالة دولة تناول إعلامها قضية دولة أخرى في إطار الضغوط التي تمارس لتكميم الأفواه.
عقب ذلك، عقدت جلسة بعنوان: "اقتصاديات الإعلام" ترأسها نبيل الحمر؛ المستشار الإعلامي لملك البحرين، وتحدث فيها صلاح دياب؛ رئيس مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم"، وحسن راتب؛ رئيس مجلس إدارة قناة "المحور" الفضائية، إلى جانب قادة الإعلام العربي المشاركين في الملتقى.
وقال الحمر إن الاقتصاد محوري في مجال الإعلام؛ حيث تواجه وسائل الإعلام العربية حاليا أزمات مالية، لافتا إلى أنه هناك استثمارات ناجحة في مجال الإعلام العربي مثل نموذج "المصري اليوم" و"المحور"، كما توجد إخفاقات كثيرة أيضا.
من جانبه، أوضح دياب أن الاستثمار في الإعلام لا يمكن أن يقوم على الربح فحسب، وإنما يتعين أن تكون هناك رسالة من وراء إنشاء وسائل إعلامية. وأضاف أن الحديث عن عدم وجود استقلالية للإعلام يؤدي إلى الشعور بالإحباط؛ حيث إن هناك وسائل تعمل على تحقيق أكبر قدر من الاستقلالية. وأكد أن القارئ هو الذي يوجه الصحف، وليست السلطة أو غيرها، فالقارئ هو المالك الحقيقي للصحف، وهو الذي يفرض التغيير، كما أن أرقام التوزيع هي التي تحدد مسار الصحف.
وخلص حسن راتب إلى أن الاستثمار في الإعلام يغلّب القيمة على الجدوى، وليس الجدوى على القيمة كما في مشروعات استثمارية أخرى، مشددا على أن المستثمرين في الإعلام يتعين أن تكون لديهم رؤية. وألمح إلى أن وسائل الإعلام تعبّر عن رأي أصحابها، قائلا إن الحديث عن الفصل بين الملكية والإدارة يدخل في إطار الكلام غير العلمي؛ فالمالك يضع الأهداف العمومية والخطوط العريضة بحيث يعمل المختصّون في إطارها. وطالب بأن يشارك المجتمع المدني في الاستثمار في مجال الإعلام وأن يشارك في التمويل.
وقال التونسي الدكتور أحمد الحذيري؛ رئيس تحرير صحيفة "الحرية"، إن من يقوم بالاستثمار في الإعلام يتعين أن يكون من الإعلاميين أو من رجال الأعمال الذين يعرفون حدود التدخل في العمل الإعلامي الذي يستثمرون فيه. في حين حيّا صلاح عيسى؛ رئيس تحرير صحيفة "القاهرة"، رجال الأعمال العرب الذين يدخلون حقل الاستثمار في الإعلام على شجاعتهم في المخاطرة بالدخول في هذا المجال؛ وهو ما اتفق معه خالد صلاح؛ رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع"، وحسين عبد الغني؛ مدير مكتب قناة "الجزيرة" بالقاهرة، وعدد من المشاركين الآخرين في الجلسة الذين أكدوا على أهمية الإعلام الخاص في إثراء الساحة الإعلامية العربية، إذا ما التزم بالمعايير المهنية وأخلاقيات الإعلام.
من جانبه، تحدث عبد الله محمدي؛ رئيس مؤسسة "صحرا ميديا" الموريتانية، عن صحافة المواطنة؛ مثل المدونات، والتي لا تحتاج إلى استثمارات كبيرة، كما أنها تحظى بنسبة إقبال عالية خاصة من قبل الشباب. حسام عبدالقادر ـ الإسكندرية hossam.abdelkader@bibalex.org