قائد الدروع البشرية: الديمقراطية الاميركية مجرد وهم

لندن - من د. برهان الجلبي ومحمود القصاص
الدكتور برهان الجلبي اثناء الحوار مع اوكيف

تنطلق من لندن في السبت 25 كانون الثاني/ يناير قافلة من المتطوعين من اوروبا واميركا الذين قرروا التوجه الى العراق لتكوين دروع بشرية في محاولة لايقاف حرب محتملة، وسيمرون على مدن اوروبية اخرى لجمع المزيد من المتطوعين.
ويقود القافلة كين اوكيف جندي مشاة البحرية الاميركية السابق الذي شارك في حرب الخليج عام 1991، وهو صاحب مبادرة حملة الدروع البشرية التي يراها الطريق الوحيد للتأثير على الحكومتين الاميركية والبريطانية.
واكتسب اوكيف شهرة واسعة بسبب اعلانه رفضه حمل الجنسية الاميركية بسبب رفضه الكامل لسياساتها، والذي كان معه هذا اللقاء.
هل يمكن ان تقدم نفسك للقراء؟ نشأت في اسرة من الطبقة المتوسطة في كاليفورنيا، ثم التحقت بالمارينز عندما كان عمري 19 عاما لانني شعرت بالحاجة الى قدر من الانضباط والنظام في هذه المرحلة من عمري. وشاركت في حرب الخليج عام 1991 ضمن الوحدات المساعدة في السعودية والكويت. وكان عملي مجرد مساندة لوحدات اخرى، ولم أشارك في أي قتال.
وبعد انتهاء الحرب تركت المارينز واصبحت ناشطا في مجالات مختلفة مثل البيئة وحقوق الانسان وحقوق الحيوان، وانتقدت كثيرا من الاوضاع في الولايات المتحدة. وصورت فيلما تسجيليا بعنوان "نفاق الولايات المتحدة" اتهمتها فيه بممارسة الابادة الجماعية في حق مجموعات متنوعة من البشر بما فيها البيض. وبعدها اعلنت رفضي الجنسية الاميركية، وصدرت ضدي مجموعة من اوامر الاعتقال في الولايات المتحدة. وسافرت الى هولندا لطلب اللجوء السياسي، ولم احصل عليه حتى الآن رغم مرور سنة على تقديمي الطلب للحكومة الهولندية. ولا تزال واشنطن تعتبرني مواطنا اميركيا بهدف واحد وهو ان تتمكن من اعتقالي باي تهمة وبعدها يتم وضعي في السجن لأي سبب تافه وغير حقيقي.
وقررت القيام بهذه الحملة لانني ارى ان ما يسمى الحرب على الارهاب هي من اخطر الحروب في تاريخ البشرية، وان هجمات 11 ايلول/سبتمبر كانت هائلة بشكل يترك معه اسئلة كثيرة بلا اجابة. وقد تنتهي هذه الحرب بقيام حرب عالمية ثالثة وربما حرب نووية، وفي تقديري ان السي أي. ايه (الاستخبارات الاميركية) او الموساد الاسرائيلي وراءها.
وارى ان من يقود الولايات المتحدة ليسوا السياسيين الذين نراهم في وسائل الاعلام، بل مجموعة من اغنى الرجال في اميركا والعالم الذين يتحكمون في كل شيء من خلف الستار. وهؤلاء يريدون ان يخلقوا احداثا هائلة مثل هجمات سبتمبر او انفجار بالي ليبرروا سياساتهم العدوانية الهادفة الى السيطرة على العالم، ولبرروا تحويل الولايات المتحدة الى دولة بوليسية. ما الذي تريد تحقيقه من مهمة الدروع البشرية في العراق؟ الهدف هو ايقاف الحرب. وفي رأيي ان الطريق الوحيد لايقاف هذه الحرب هو حشد عدد هائل من الدروع البشرية في العراق لاجبار واشنطن ولندن على ايقاف الحرب، ولا يوجد بديل آخر. وعلى سبيل المثال فان المظاهرات المستمرة والواسعة في اوروبا واميركا ضد الحرب لم تغير في الامر شيئا، ولن تتمكن من ايقاف الحرب. انا اعرف ان اغلبية العرب والمسلمين تعتبر الغرب عدوا لها، ولا لومهم على ذلك. لكن في حقيقة الامر ان الشخص العادي في الغرب ليس عدوا للعرب والمسلمين، وهذا ما اريد اثباته من هذه الحملة. وهل تعتقد ان الدروع البشرية قادرة فعلا على وقف الحرب؟ نعم. ان وجود عشرة آلاف من الاوروبيين والاميركيين في العراق سيجبر قادة واشنطن ولندن على اعادة حساباتهم. من الصعب تخيل حقيقة انهم سيقتلون عشرة آلاف من مواطنيهم، وباقي الطرق السياسية لن تؤدي الى شيء. ما الذي تريده من اوروبا ومن العراق؟ اسعى الى جمع عشرة آلاف متطوع للذهاب الى العراق. بالطبع لو جاء اكثر سيكون الوضع افضل. ليس من المهم الي أي مكان نذهب في العراق، ولكن المهم هو جمع اكبر عدد ممكن. وساقوم باضراب عن الطعام حتى يتجمع هذا العدد المطلوب من الدروع البشرية. لا بد ان يعرف العرب ان اوقاتهم السعيدة مع اميركا قد انتهت. ان النخبة الاميركية تنظر الى العرب على انهم اشبه بالزنوج. بالطبع انا لا اقصد أي اهانة للعرب، لكن هذه هي حقيقة الامر بالنسبة للنخبة الحاكمة في اميركا. وهل تريد متطوعون عرب في حملتك؟ كنت اتمنى ذلك، لكن حقيقة الامر ان المسئولين الاميركيين لا يبالون بحياة العرب، ولن يهتموا اذا تعرض آلاف العرب للقتل في العراق. بالنسبة لهم هؤلاء مجرد مجموعة لا قيمة لها من اصحاب البشرة السمراء. انا اعتبر العرب اخوة واخوات لي، واريد تعلم العربية واريد قراءة القرآن الذي اهداه البعض لي، لكن موقف النخبة الحاكمة مختلف تماما.
ان واشنطن تتحدث عن السلام في وقت تنفق فيه 360 مليار دولار على الجيوش ثم تدين بعد ذلك من يقاتلون دفاعا عن بلادهم. انني اطالب الاميركيين بالتوقف عن دفع الضرائب لان اموالها توجه للحروب. ولو كنت عربيا لاعتبرت كل مسئول اميركي في قمة النفاق. ان الادارة الاميركية تدعي ان المقاتلين الفلسطينيين ارهابيين في وقت يرى فيه الفلسطيني اسرته تتعرض للقتل، ويرى نفسه مسجونا في وطن سرق منه بواسطة دولة تقدم لها واشنطن كل انواع السلاح. هل يمكن بعد كل هذا ان تصف الفلسطينيين بانهم ارهابيين؟! ادارة بوش لا تبالي بالشعوب العربية

تزعم ادارة بوش انها تسعى لمساعدة الشعب العراقي.. ما تعليقك؟ انه امر ساخر ان تستمع الى المسئولين الاميركيين يتحدثون عن رغبتهم في ادخال الديمقراطية الى العالم العربي بعد سنوات طويلة من مساندة انظمة ديكتاتورية عربية. ان أي حاكم عربي يستطيع ان يفعل ما يشاء بشعبه طالما يحقق المصالح الاميركية. اما اذا توقف عن تحقيق هذه المصالح او عارضها تحول فجأة الى نسخة جديدة من هتلر. انه من المضحك للغاية تصور ان الحكومة الاميركية حريصة على رفاهية الشعب العراقي، لكنه من المؤكد ان الشعب العراقي لا يعني لهم أي شيء، وان ما يعنيهم فقط هو النفط الذي يريدون وضعه تحت سيطرتهم. ومن المؤكد ايضا ان واشنطن سترتكب جرائم باسم الديمقراطية في العراق تماما كما حدث من قبل في اميركا الجنوبية والوسطى. حقيقة الامر ان الديمقراطية الاميركية هي مجرد وهم، وان الاميركيين لا يعيشون في ديمقراطية حقيقية. ومثال آخر افغانستان التي ادت واشنطن انها ستحولها الى ديمقراطية تحت حكم تحالف جديد، وانتهى الامر الى فوضى وجمام دماء لا يعرف احد متى او كيف يمكن ان تتوقف. نفس الشيء حدث في اميركا الوسطى، ويريدونه ان يحدث بالعراق. الحديث عن الديمقراطية يدفعنا الى الحديث عن بريطانيا التي يرفض 80% من مواطنيها الحرب، ويرفضها اكثر نواب البرلمان، ومع ذلك يصر توني بلير على خوضها..ما رأيك؟ انا افهم ان الديمقراطية هي ان تمثل الحكومة رأي ومصالح الغالبية، لكن ما نراه في بريطانيا هو بلا شك فشل للديمقراطية.ان بلير يتحدث عن ادلة ضد العراق، ولا يريد ان يطلع عليها احد بحجة ان هذا يعرض مصادر المعلومات للخطر.. هل هذا معقول؟ هل من المعقول ان يذهب الناس للحرب اعتمادا على ادلة لا يعرفوها؟ انا لا اثق في توني بلير لكي اذهب للحرب بناء على مجرد كلمات من فمه. انه يريد تبرير الحرب ضد العراق باي طريقة. انظر الى الشيخوخة السريعة التي اصابت توني بلير، والتي تعبر عن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها في محاولة اقناع الناس باشياء لا يصدقها هو نفسه. ان بلير لديه السلطة والقوة والشهرة لكنه يعاني بشدة. هل يصدق احد ما يروج له بلير؟ هل يصدق هو نفسه ما يروج له؟ ان كان يصدق فهم ابله، ولا اعتقد ان بلير شخص ابله، وهو يعلم جيدا ان تأييده للحرب هو نوع من الانتحار السياسي. من وجهة نظر اميركية: هل هذه الحرب تهدف الى التخلص من اسلحة الدمار الشامل؟ ام تهدف للسيطرة على النفط؟ اعتقد ان الحرب تهدف اساسا الى دعم السيطرة الاميركية على العالم، والنفط يمثل عامل اساسي في تحقيق هذه السيطرة لان من يسيطر على مصادر الطاقة يستطيع التحكم في اقتصاديات الدول الاخرى. وهذا ما دفع اليابانيين الى دخول الحرب العالمية الثانية بعد ان تم فرض حظر بترولي عليهم، واصبحت اليابان مهددة بالشلل. وبالنسبة للولايات المتحدة فان الامر واضح وهو تحقيق سيطرة اميركية كاملة على كوكب الارض، ويتضح هذا بجلاء من الانفاق الهائل على التسلح الذي يلغ 360 مليار دولار، وبرامج التسلح الجديدة التي من بينها ارسال اسلحة الى الفضاء. واشنطن تريد باختصار فرض سيطرة كاملة على الكون. نخبة من اثرياء اميركا تتحكم في كل شيء

ما رأيك فيما يقوله بوش وغيره من ان القيم الاخلاقية الغربية تتفوق على القيم العربية؟ وانه لابد من فرض القيم الاميركية على العالم العربي لانها ارقى.. انه يرى نفسه مخلصا للعرب من ازمتهم عن طريق تغيير ثقافتهم وفرض ثقافة افضل. هل تتفق معه؟ ان هذا مجرد نفاق واضح تماما كما يزعم بوش انه مسيحي متدين وانه يدافع عن القيم المسيحية، وهو امر لاشك في انه غير صحيح. لا اعتقد ان أي دين له الحق في احتكار الاخلاق لان كل الاديان تدعو الى الاخلاق الحسنة. وبالنسبة لي فان اعظم اميركي في تاريخ اميركا هو مالكولم اكس الذي كان مسلما، واعتبره بطلا عظيما، هذا على الرغم من انني لست مسلما.
ان حقيقة الامر ان القادة الاميركيين الذين نراهم في وسائل الاعلام يتحدثون عن تصدير الديمقراطية للدول الاخرى هم اكبر دليل على وهم الديمقراطية في اميركا، اذ انهم مجرد اتباع يتلقون اوامرهم من النخبة الحاكمة من الاثرياء في الولايات المتحدة. وهذه حقيقة خطيرة كتبت عنها من قبل. حقيقة الامر في الولايات المتحدة ان الاسر التي تمتلك ثروات مهولة مثل اسرة روكفلر وروتشيلد ووينزر واوبنهايمر تتحكم في الشركات الاميركية والسياسة الاميركية وفي كل شيء، وهي على اتصال مستمر ببعضها لتضمن تحقيق مصالحها، ومن بينها اسرة بوش. وهذه ليست نظرية مؤامرة بل هي حقيقة واضحة. انا اعرف بالطبع ان هناك من سيتهمني بالترويج لنظرية المؤامرة، لكن لا اعتقد ان لدينا الوقت لنضيعه في هذه الاتهامات، لان الواقع يؤيد ما اقوله.
ولعل افضل مثال على السياسي الذي يتلقى تعليماته من الخارج حتى لو خالفت ما يريده هو الرئيس الاسبق كنيدي الذي كان خادما للاثرياء لكن في نفس الوقت كان لديه قدر من الضمير، ولهذا كان في صراع مستمر ادى الى اصابته بامراض كثيرة. لقد كان كنيدي على وشك الغاء الاحتياطي الفدرالي الذي يخدم مصالح الاثرياء، وكان يسعى الى الحد من سلطات جهاز الاستخبارات الاميركية، وانتهى الامر بقتله.
هناك نخبة من اصحاب المليارات في الولايات المتحدة الذين يتحكمون في الاقتصاد والسياسة، والذين يحرصون على البقاء بعيدا عن الرأي العام. اما من يختارونه ليصبح رئيسا للجمهورية او رئيسا للوزراء امام الجماهير فعليه وظيفة لابد من تأديتها، وهي خدمة مصالح واهداف هذه النخبة. واذا فكر هذا الرئيس في تجاهل مصالحهم فان الامر ينتهي اما بقتله واما بالقضاء عليه سياسيا بعد تشويه سمعته. ويكفي ان نتذكر ان اغنى ثلاثة رجال في اميركا يمتلكون ثروة تفوق ما تمتلكه افقر 48 دولة في العالم. ويستطيع أي واحد منهم القضاء على مشكلة الجوع في العالم اذا اراد. يستطيع ذلك بضخ الاستثمارات اللازمة لاصلاح الاراضي وامداد المياه وغيرها، لكن اصحاب المليارات لا يريدون ذلك. استطيع القول انهم مرضى نفسيين يريدون السيطرة على كل شيء واي شيء. انهم يتمتعون بضرب اصحاب الثقافات المختلفة ببعضهم، مثل اشعال الكراهية بين المسلمين والغرب ليتمكنوا من الاستمرار في السيطرة على كل شيء. ان الامر يشبه ايام حكم الرومان حين كان الحكام يتمتعون بمشاهدة مصارعين يحاول كل منهما قتل الآخر. بل انني اعتقد ان النخبة الثرية تريد تخفيض اعداد البشر ليتسنى السيطرة عليهم بشكل افضل.
لكن الامور لا تسير دائما على النحو الذي يريدونه. هناك مشاكل ظهرت لتحد من سيطرتهم منها الانترنت وثورة المعلومات التي اتاحت حرية الاتصال وتبادل المعلومات للجميع. هناك ايضا مشكلة تأنيب الضمير لدى الكثير من السياسيين الذين يعرفون حقيقة الاوضاع. ولهذا خلقت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة هذه الحرب على الارهاب لتصرف انظار المواطنين عن المشكلات الداخلية وضرورة الوصول الى اصلاحات. ما هو شعورك امام الاتهامات الاميركية لك؟ اتهمتني السلطات الاميركية بانني اؤيد الرئيس العراقي صدام حسين، وهذا امر مفهمو بالطبع، واتهمتني بانني غادرت المارينز بعد ثلاث سنوات وكان من المفترض ان اقضي به ثلاث سنوات، وكلها اتهامات بسيطة لا تعني شيئا. اشعر بسلام داخلي لاني افعل ما استطيع لجعل العالم افضل واكثر عدالة. لا احب فكرة ان يتبعني الناس.. اريدهم ان يفكروا بعقل مفتوح وقلب مفتوح. ان التغيير ممكن لو اراد الناس.. لو رفضوا التنازل عن حقهم في الاختيار. لقد تحول الناس في الولايات المتحدة الى اشخاص بلا حول لهم ولا قوة، مجردين من أي قدرة على الاختيار سواء في العمل او في السياسة، ولابد ان يتغير هذا الوضع يوما ما. لو قدر يوما ان يرى العالم محكمة جزاء دولية غير خاضعة لواشنطن.. من يستحق المحاكمة في رأيك؟ من المؤكد ان جورج بوش الاب الذي امر بنشر اليورانيوم المستنفد في الخليج يتصدر قائمة من يستحقون المحاكمة بلا ادنى شك، وليس ميلوسفيتش. لان بوش ببساطة عرض حياة وصحة آلاف المدنيين للخطر لكي يجرب اسلحة جديدة. ونفس الشيء قام به جورج بوش الابن في افغانستان حيث تم تجريب اسلحة جديدة على المدنيين. ومن المؤكد ان القائمة تضم سياسيين اميركيين من المشاهير وعلى رأسهم هنري كيسنجر. لكن المشكلة ان القانون الدولي يطبق حسب الاهواء السياسية.. يطبق على من تريد واشنطن ان يطبق عليه، وهذا يعني انه بلا قيمة. انا اؤمن بالقانون وبضرورة وجود قواعد. ليس من حقي مثلا ان اسدد لكمة الى وجهك لاني اريد ذلك، لكن اؤمن ايضا انه لا بد ان تكون قواعد القانون عادلة وواضحة والا فانه لا معنى للقانون.