فُرات عبد الله و«السقوط في دوائر الانتظار»

بقلم: أحمد فضل شبلول

رواية واقعية اجتماعية جديدة، هي الأولى من نوعها لمؤلفتها الكاتبة فرات عبد الله، يتداخل فيها الإحساس بثلاثية نجيب محفوظ، ومصر الثلاثينات والأربعيينات، ومصر الحالية، حيث العلاقات الاجتماعية الآخذة في التراجع بين الأسرة الواحدة.
فشخصية الأب محمد المنزلاوي في الرواية، تتداخل أو تذكرنا على الفور بشخصية السيد أحمد عبد الجواد (سي السيد) في الثلاثية، وشخصية الأم السيدة فاطمة عند فرات عبد الله، تتداخل أو تذكرنا على الفور بشخصية الست أمينة في الثلاثية.
غير أن الفارق الجوهري بين سي السيد، وسي محمد المنزلاوي، أن الكاتبة لم تحدثنا عن الجانب السرِّي في حياة المنزلاوي، مثلما فعل نجيب محفوظ مع سي السيد. فالمنزلاوي ـ على طول الرواية ـ ذو هيبة في المنزل والعمل، يأمر وينهي، دون مناقشة من أحد، ولنقرأ على سبيل المثال قول الكاتبة:
"عندما خرج الأستاذ محمد إلى الصالة مُلقيا تحية الصباح كعادته، كان كل شيء على ما يرام وفق العادة والنظام والدقة. وقف الجميع في انتظار جلوس الأب .. جلس الجميع، وبدأ الفطور اليومي المبكر".
هذه لقطة عن شخصية الأب الذي يسبقه دائما وصف أو لقب الأستاذ، ومدى احترام جميع مَنْ في المنزل له، ومدى احترام الكاتبة أيضا له. فهل له صورة أخرى خارج منزله؟
في واقع الأمر لمن تكن للمنزلاوي ـ كما صورته الكاتبة ـ نزواته الخارجية مثلما كان السيد أحمد عبد الجواد، ربما بحكم وظيفته في التربية والتعليم، على عكس سي السيد الذي كان يعمل تاجرا ويتمتع بعلاقات اجتماعية واسعة، ويتردد على محله جميع طوائف المجتمع.
أما السيدة فاطمة فهي صورة طبق الأصل من السيدة أمينة في الثلاثية، ولنأخذ لقطة عن شخصيتها. تقول الكاتبة:
"أرادت السيدة فاطمة أن تعقب (ونلاحظ أيضا وصفها بالسيدة)، ولكنها لم تجد لديها الجرأة، بيد مترددة تناولت كوب الماء، واكتفت بالمراقبة".
أيضا هذا الحوار الذي جرى بمناسبة عرس الابن الأكبر د. فؤاد، يدلنا على شخصية رب المنزل وزوجته:
ـ فؤاد: أهل العروسة يريدون فرحا وعوالم.
ـ الأب: لهم ما شاءوا.
ـ ونحن ..
ـ سوف نمكث بالحفل نصف ساعة بإذن الله وبعدها تصحب زوجتك.
ـ ألا يسبب هذا حرجا لهم ولنا؟
تدخلت الأم، وهي تستمع إلى الحديث من المطبخ: وحياة النبي تترك الأولاد يفرحون.
(وهنا نلاحظ أن القَسَم نفسه "وحياة النبي"، هو ما كانت تحلف به أمينة في الثلاثية، بالإضافة إلى "وحياة سيدنا الحسين" أو "والست الطاهرة"، وما إلى ذلك).
كانت الأيام والعشرة، وكبر الأولاد قد سمح لها بالتدخل في بعض الأمور أحيانا.
أجاب الأستاذ محمد ليوقف الحديث: التسهيل على الله. ثم شرع في القراءة.
هذه لقطة أخرى من حياة تلك الأسرة المصرية متوسطة الحال، التي يلعب فيها الأب دوره المركزي أو السلطوي وسط العائلة، فهو الآمر الناهي، المتحكِّم، صاحب السلطة والقرار، على الرغم من صمته الطويل، وعدم مجادلاته الكثيرة سواء في البيت أو في العمل، حتى بعد أن تخرَّج أكبر أبنائه من الجامعة، وعمل طبيبا.
وفي واقع الحال ليس الأمر مجرد تأثر الكاتبة بثلاثية نجيب محفوظ فحسب، ولكنه واقع معظم الأسر المصرية متوسطة الحال، أو الأسر المصرية البرجوازية حتى بداية السبعينيات تقريبا، هو النبع الذي امتاحت منه الكاتبة.
ولكننا ـ في حقيقة الأمر ـ مازلنا نقرأ رواية فرات عبد الله، على خطين متوازيين: خط الثلاثية المحفوظية، وخط الواقع المصري في الستينيات والسبعينيات تقريبا، حيث يُقبض على الابنين: د. فؤاد وشركائه في المستشفي التي يعمل بها، والتي شارك في إنشائها، بسبب إطلاقه لحيته، وتعاونه مع الحاج رضوان المقاول الأخواني القديم، والابن فوزي بسبب أفكاره الشيوعية التي اعتنقها في كليته (كلية الطب).
ويلتقي الأخَوان في المعتقل، دون تعميق الكاتبة لفكرة الاعتقال السياسي في روايتها، وكأنه حدثٌ عادي في الرواية، أو حدثٌ مفروض على الرواية، أو حدثٌ يمر والسلام. وبغير التوقف طويلا عند هذه اللقطة أو هذ الفكرة في عملها.
(تلاقي الأخوان في عناق دامع. صاح كل منهما في الآخر:
ـ ماذا أتى بك؟
ـ الإسلام، وأنت؟
ـ الشيوعية.
تضاحكا، وأشار كل منهما إلى جماعته).
ويخرج الأخوان بعد سنتين من معتقلهما، دون أن تتوقف الكاتبة عند دلالة الاعتقال، تلك الفكرة التي زرعتها في الرواية، أو استنبتتها، ولكن دون إقناع كبير للقارئ.
وربما كانت الكاتبة في حاجة إلى مراجعة صفحات أو سجلات الاعتقال في التاريخ المصري الحديث، لتعمق فكرتها تلك. فليس، لأن هذا حدث بالفعل في الواقع المصري خلال السنوات المشار إليها، فإنه يصلح لنقله للرواية دون توظيف فني حقيقي، فللرواية منطقها الخاص بها، حتى وإن لم يكن الحدث قد وقع بالفعل في الحياة الحقيقية. ولنا في "كرنك" نجيب محفوظ أسوة في ذلك.
الشيء الوحيد الذي وفقت الكاتبة فيه في هذه الجزئية قولها على لسان الراوي: "الأحوال في خارج المعتقل ليست بأفضل مما هي في داخله". فهي عبارة قصيرة ولكنها دالة على أشياء وأحوال كثيرة يمور بها المجتمع المصري في تلك الآونة.
وأنا أعتبر أن شخصية نادية، زوجة د. فؤاد التي استغلت فرصة القبض على زوجها وشركائه لتهيمن على المستشفى، وتديره لحسابها الخاص، من أهم الشخصيات المرسومة بدقة، ومن صنع الواقع الروائي بالفعل، فهي من البداية شخصية متسلطة على غير وفاق مع أسرة زوجها. لا تذهب معه في زياراته الأسبوعية لبيت العائلة، إلا نادرا، وإذا حدث فهي لا تتفاعل مع أفراد الأسرة، وإنما تأخذ جانبا، وكأنها غير موجودة، وأثناء سنتي اعتقال زوجها، لم تفكر مرة في زيارة عائلته، وفي الوقت نفسه أخذت تخطط لتزوج أختها الصغرى من فوزي أخي فؤاد، لتتم لها السيطرة على أفراد العائلة أو رجالها على نحو أصح، وتنجح في ذلك، على الرغم من عدم اقتناع فوزي وشعوره بنفور شديد تجاه نادية زوجة أخيه وأسرتها، وتواضع جمال فريدة، وحدة لسانها، وسخريتها وتهكمها على كل شيء، إلا أنه وافق على الزواج، أو على إتمام الصفقة، ليعمل في المستشفى بعد خروجه من المعتقل، وإحالته إلى كلية الآداب بدلا من كلية الطب.
(لم يجد فوزي ما يقوله. أومأ برأسه بالموافقة وكأن الموضوع لا يعنيه، وألحت نادية على الأمر سريعا حتى لا تكون أمامه فرصة للتراجع .. وأصرت على أن يكون حفل الزواج حفلا حقيقيا، وأن يقام في أفخم صالات الأفراح في المدينة، وأن تحييه فرق مشهورة، وأن يُدعى إليه كل المعارف والأهل والأقارب، وحتى تقطع الطريق على فؤاد أخبرته بأنها سوف تتكفل بكل النفقات).
هذه هي نادية أهم الشخصيات المتطورة أو النامية في الرواية، والتي أجادت المؤلفة ـ بحق ـ رسم شخصيتها، ولعلنا إذا قارنا وصف الكاتبة ليلة عرس نادية أو حفل زواجها من د. فؤاد في بداية الرواية، وموقف الأستاذ محمد المنزلاوي ليلة الفرح، وموقف نادية من حفل زواج أختها التي تريده أن يكون حفلَ زواج حقيقيا، دلالة على اقتناعها بأن حفل زواجها من فؤاد لم يكن حفلا حقيقا، لأدركنا مدى نجاح الكاتبة في رسم تلك الشخصية المُسيطرة التي اتضح ـ من خلال السرد ـ أنها غير قادرة على الإنجاب، ومع ذلك لم تنكسر أو تتراجع عن طغيانها، بل تزداد فيه.
ومع ازدياد طغيان نادية، وسيطرتها على المستشفى، وكأن زوجها يعمل طبيبا عندها، في مستشفاها، واستسلام فوزي تماما للعمل بالمستشفى تحت رئاسة أخت زوجته، واستسلامه لزوجته، فلا يعترض على شيء ولا يناقش شيئا، وزيادة نفوذ زوجته فريدة التي تتخذ القرارات وتنفذها، مع كل هذا يبدأ الأستاذ محمد المنزلاوي في الانسحاب من الحياة في الرواية، وهو انسحاب نجحت الكاتبة في نسج خيوطه، فالزمن لم يعد زمن المنزلاوي، الذي كان يحلم بمنصب وكيل وزارة التربية والتعليم بالإسكندرية، ولكنه يأخذ خطاب الشكر ويُحال على المعاش، فتتبخر أحلامه، ويبدأ في الانسحاب التدريجي من الحياة، (انسحب محمد المنزلاوي بأعوامه الستين وخطاب الشكر، وظل في منزله أسبوعا لا يخرج ولا يتحدث مع أحد ..).
هكذا يسقط المنزلاوي في دوائر انتظار رحيله من الحياة، وهنا يطل علينا عنوان الرواية الذي يدل على حسن اختيار الكاتبة، ليتواءم مع أحداثها ومع الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية محمد المنزلاوي الذي سيبدأ من الآن وحتى رحيله الفعلي عصرا غريبا عليه، لم يتكيف معه، وبذلك تمهد الكاتبة لموته الذي يستشعره القارئ في نهاية الفصل التاسع، أي قبل الأخير.
وقعت الرواية في عشرة فصول قصيرة ذات إيقاع سريع، وجاءت في 92 صفحة بمقدمة للدكتور محمد زكريا عناني، أهم ما فيها قوله: "أجادت فرات عبد الله رسم ملامح هذه الحفنة من البشر، دون أن تدخل في التفصيلات، واستطاعت بلمسات بسيطة أن تجعل حركة أبطالها متوافقة مع إطاري الزمان والمكان، وبلغت الإجادة ذروتها في مفتتح الرواية وفي نهايتها على ما بينهما من تناقض: في الأولى حركة الحياة وهي تستيقظ، وفي الأخرى أجنحة الموت وهي ترفرف في مهابة وشجن".
وتبدأ زوجتا ولدي المنزلاوي (فؤاد وفوزي) في التحكم في إيقاع العائلة، ولم تصبح الكلمة النهائية لصاحب البيت ومؤسسه، حتى زوجا ابنتيه (فادية، وفوزية) لم يكن لهما تأثير كبير في الأحداث الروائية، فهما مجرد كومبارس. إذن الكلمة الطولى أصبحت في نهاية حياة المنزلاوي، وقرب نهاية الرواية لنادية ثم فريدة. وكأن الكاتبة تبشر بعصر جديد الكلمة فيه للمرأة المسيطرة، وليس للرجل، خاصة إذا كان هذا الرجل من نوعية المنزلاوي، أو من نوعية السيد أحمد عبد الجواد، وكأن الخصائص النفسية لسي السيد، والمنزلاوي، من حيث التحكم والسيطرة، قد انتقلت بدورها إلى المرأة التي تمثلها في رواية فرات عبد الله، نادية وفريدة.
وإذا كان قهر أمينة في "الثلاثية"، وقهر فاطمة في رواية "السقوط في دوائر الانتظار" قد تحقق على يد الرجل (سي السيد والمنزلاوي) فإننا في الرواية الأخيرة نرى تحول هذا القهر ليصبح قهر الرجل (فؤاد وفوزي) على يد المرأة الزوجة (نادية وفريدة). وهو ما يحقق إضافة جديدة للرواية العربية المعاصرة التي تبدعها المرأة، وهي هنا فرات عبد الله التي تأتي روايتها على عكس ما ذهبت إليه كاتبات أخريات مثل: سحر الموجي في روايتها "دارية"، ود. حورية البدري في روايتها "عودة الموناليزا" اللتين تتحدثان عن قهر الرجل (سيف في الأولى، ومجدي في الثانية) للمرأة على نحو من الأنحاء. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية