في وداع 2008: الجزائر.. بوتفليقة 'ملكا'

على خطى مبارك

الجزائر – لم يتغير حال الجزائر كثيرا بعد أكثر من أربعة عقود من استقلالها عن فرنسا فأزمة الشرعية التي اندلعت عقب الاستقلال في 1962 تكاد تكون نفسها في 2008 والحزب الواحد ومن خلفه المؤسسة العسكرية هو من يحكم وهو الوحيد الذي يعرف مصلحة الجزائريين ويقرر مكانهم حتى وان كان ذلك مخالفا لارادتهم ويسبب لهم المآسي.
وسط هذه الظروف فان الفقر والتهميش واللاعدالة هي نفسها المسيطرة منذ 1962، الوجوه نفسها تتبادل كراسي الحكم فيما بينها، وما تغير من حياة الجزائريين فيعود فضله بالدرجة الأولى عوامل خارجية تتمثل في المنتجات التكنولوجية الغربية والصينية التي وصلت حتى ادغال الأمازون، فأصبح بإمكان الجزائري ان يقتني هاتفا وسيارة يقودها على طرقات سريعة أنجزت بفضل عائدات النفط الضخمة لكن الاعلام الرسمي واحزاب الرئيس تتباهى بانها من "معجزات بوتفليقة" وبالتالي يستحق تتويجه رئيسا للابد.
وشكل تعديل الدستور الحدث الأبرز في الجزائر خلال عام 2008 لأن هذا الأمر الذي كان أمنية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أصبح واقعاً بل أمراً مقضياً بعدما شغل الساحة السياسية لما يزيد على عامين، أي منذ إعلان بوتفليقة نفسه رغبته تعديل الدستور في خطاب أمام المؤسسة العسكرية (القوية جداً) في 4 يوليو/تموز 2006.
فعلى مدار أسابيع وشهور كان مشروع تعديل الدستور هو الشغل الشاغل للطبقة السياسية وغير الطبقة السياسية لكن بوتفليقة انتظر حتى 29 أكتوبر/تشرين الأول 2008 للإعلان عن رغبته في إدخال تعديل جزئي على دستور 1996 صادق عليه البرلمان بمجلسيه بأغلبية 500 صوت من أصل 531 في جلسة استثنائية في 12 نوفمبر/تشرين الثاني.
وشمل تعديل الدستور خمسة محاور أساسية لكن الأبرز فيها كان تعديل المادة 74 بالشكل الذي يجعل العهدات الرئاسية مفتوحة بدلاً من حصرها في ولايتين مدة كل واحدة منها خمس سنوات وتعويض تسمية رئيس الحكومة بوزير أول يكون تحت السلطة التامة لرئيس الجمهورية.
وبموجب هذا التعديل، عين الرئيس بوتفليقة احمد أويحي زعيم التجمع الوطني الديمقراطي في منصب الوزير الأول بعدما كان استدعاه مجدداً في نهاية يونيو/حزيران الماضي كرئيس حكومة بدلاً من عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني. اين المعارضة؟

وبتعبير آخر، نجح بوتفليقة (71 عاماً) في منح نفسه الضوء الأخضر للبقاء في منصبه لولاية ثالثة وربما مدى الحياة، حيث سارعت أغلب التشكيلات السياسية وما يسمى بالمجتمع المدني إلى الانتقال للمرحلة الثانية وهي مطالبة الرئيس بالإسراع في إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل فيما عارضت أحزاب قليلة جداً وهي محسوبة على التيار العلماني الامازيغي التعديل واعتبرته (انقلاباً على الديمقراطية).
لكن تأثير احزاب المعارضة ومن بينها حزب جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية محدود جدا لأساب تتعلق بمجهودات جبارة تقوم بها السلطة لتقزيم أي حزب معارض وخلق انشقاقات بداخله وتحويله الى عدو للوحدة الوطنية في نظر الرأي العام.
اما الاحزاب الاسلامية فاطلقت على نفسها رصاصة الرحمة منذ ان لجأ ناشطون فيها الى العنف والتقتيل لاحداث التغيير، في حين فضل حزب مجتمع السلام (الاسلامي) مؤازرة السلطة للاستفادة من الريع النفطي. القاعدة، كوارث والهجرة الى الشمال؟

في غضون ذلك، واصل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عملياته الانتحارية وشن عدة هجمات استهدفت مراكز أمنية وأهداف مدنية بإقليم منطقة القبائل (ولايات تيزي وزو و بومرداس و البويرة) إضافة إلى العاصمة خاصة في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، أوقعت حوالي 100 قتيل وعشرات المصابين أغلبهم مدنيون.
وتمكنت قوات الامن الجزائرية من القضاء على 185 ارهابيا من عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي خلال العام الحالي من بينهم امراء سرايا وكتائب.
ولم تقتصر مصائب الجزائريين على تفجيرات القاعدة بل امتدت لتشمل كوارث طبيعية، إذ لقي 113 شخصاً حتفهم وأصيب العشرات في فيضانات ضربت 19 ولاية منذ نهاية سبتمبر/أيلول.
ومع تدهور مستوى المعيشة وارتفاع معدلات البطالة اضطر الاف الشباب الجزائريين الى ركوب قوارب الهجرة السرية نحو الشواطئ الاوروبية بحثا عن متنفس اقتصادي يسمح لهم بضمان حد ادنى من الحياة الكريمة.
ولم تستطع الجزائر بعائدات النفط الضخمة ان تضمن لشبابها حياة كريمة رغم ان شعار الرئيس بوتفليقة يرفع شعار "جزائر العزة والكرامة" وهو نفس الشعار الذي يتحجج به البرلمان واحزاب السلطة لمنح بوتفليقة عهدات رئاسية جديدة، لكن لا عزة وكرامة على ارض الواقع وهو ما دفع بالشعب الجزائري الى البحث عنها خارج وطنه بعدما مل الانتظار لاربعة عقود.