في موريتانيا: الماء يساوي وزنه ذهبا

نواكشوط - من حدمين ولد سعدي
الحصول على الماء في نواكشوط يتطلب معاناة كبيرة

في احياء بوحديدة الفقيرة، احدى اكبر تجمعات الاكواخ في نواكشوط، يجول محمود الشوارع الصغيرة بعربته المحملة ببراميل المياه، السائل الثمين الذي اصبح يباع اليوم باسعار خيالية.
ويشرح لفاطمة التي لا تملك المال الكافي على ما يبدو لشراء برميل سعة 200 ليتر وسعره يوازي يورو واحدا ان "الينابيع بدأت تنضب والمياه تباع بسعر اغلى، ونحن لا نقوم الا باضافة هذه الزيادة على اسعارنا".
لكن لفاطمة اسبابها للتذمر، فهذه التعرفة هي اعلى بمرتين عن السعر المعتاد الذي يتقاضاه اولئك الباعة على العربات، وهم المزودون الرئيسيون بالمياه للاحياء المحرومة التي لا تصلها الشبكة الحديثة لتوزيع المياه.
الا ان محمود لا يبالي ويواصل طريقه خلف عربته التي يجرها حمار بالكاد يتحمل وزن البرميلين اللذين تبلغ سعة كل منهما 400 ليتر لكن يجول طوال النهار في شوارع بوحديدة الرملية.
وتكتفي فاطمة اخيرا بشراء عبوة من 40 ليترا، الكمية الوحيدة القادرة على شرائها بامكاناتها المالية المحدودة.
وهذه المرأة التي غادرت مسقط رأسها هربا من اثار الجفاف قالت انها مصممة اكثر من اي وقت مضى على ادراج اسمها على لائحة "المرشحين للعودة الى الاراضي الزراعية".
وهذه العملية تنظمها كل سنة الحكومة لصالح المزارعين ومربي الماشية الذين يرغبون في العودة الى قراهم من اجل الموسم الزراعي.
وفي انتظار ذلك، تعيش فاطمة في حي فقير في بوحديدة حيث لا يوجد لدى سكانه من مصدر اخر للمياه سوى اولئك الباعة الذين يفرضون قانونهم الخاص خلال موسم الحر لبيع "الذهب الازرق".
وحسب الاحصاءات الرسمية فان حوالي ثلثي سكان نواكشوط لا تصلهم المياه، ما يشكل احد الملفات التي ستبحث خلال مؤتمر جوهانسبورغ حول التنمية الدائمة. ويتدبر السكان امورهم من خلال باعة المياه الجوالين او عبر شاحنات تتزود من اماكن عامة موكلة الى حملة شهادات عاطلين عن العمل لتقنينها.
لكن هذه المياه ونظرا لنوعيتها الرديئة تهدد صحة السكان، حيث تتضاعف حالات الاسهال، لا سيما لدى الاطفال، كما يقول الممرض الشيخ ولد احمد الذي يعيش في بوحديدة منذ سنة ويعزو هذه الظاهرة الى "المياه الملوثة" التي يبيعها تجار العربات غير آبهين بالشروط الصحية.
ومخاطر التسمم مرتفعة جدا حتى داخل الاكواخ حيث ان المطابخ وغرف النوم تتداخل في فوضى تتخطى شروط الحشمة.
وقال ولد شريف احد الناشطين في هذا الحي والذي يعتزم اخراجه يوما ما من الفقر ان "شعوب البدو الذين ينحدر منها اولئك الاشخاص لا تعرف كيفية التخلص من النفايات (التي يخلفونها وراءهم مع كل انتقال) وتجهل المبادئ الاساسية للنظافة".
ولمواجهة هذا الوضع المقلق، اطلقت الحكومة لتوها برنامجا واسع النطاق لمكافحة الفقر يشمل خصوصا مشاريع جر مياه ووضع تجهيزات اجتماعية-اقتصادية لمدة عشر سنوات مقابل مبلغ يفوق 140 مليون دولار.
لكن الآمال الكبرى معلقة على مشروع حكومي ضخم اخر تبلغ قيمة تمويله 229 مليون يورو وسيتيح التزود بالمياه العذبة من نهر السنغال في نواكشوط حيث يعيش ثلث الشعب الموريتاني.