في ملتقى الوعد تفرّد موسيقي.. وتضامن مع الأمهات الفاقدات لإبنائهنّ في الحروب

من حكمة الحربِ أن الهوى ساكن في كل ساحتها

الدمام (السعودية) ـ فاجأ الشاعر والإعلامي السعودي منير النمر جمهور الشعر المحتشد في أمسية يوم الشعر العالمي الذي نظمها مساء (الجمعة) ملتقى الوعد الثقافي بالتشارك مع نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وجمعية الثقافة والفنون بالمنطقة الشرقية، النقاد بقصيدته "حكمة الحرب" التي أدان فيها الصراعات التي يشهدها الشرق الأوسط، مبديا تضامنه مع "الأم" التي فقدت أبناءها في الحروب.

والقصيد التي حملت توليدا موسيقيا عروضيا غير مسبوق في الشعر العربي سبقها الشاعر بمفاجأة أخرى لا تقل أهمية في الأمسية الجماعية التي غاب عن شعرائها الـ9 ذكر تضامني مع الأم في عيدها.

وقال النمر قبل إلقاء القصيدة: "في يوم الشعر لا يسعني، إلا أن أهدي الأم التي فقدت فلذات أكبادها في حروب العالم"، موجها تحيته إلى الأم المضحية في يوم عيد الأم". وأضاف "إن الأم الفاقدة لفلذات أكبادها تعتبر أكبر كائن حي يضحي في حروب العالم"، ما جعل الحضور الكثيف يتفاعل بالتصفيق.

وشارك النمر الذي تفرد في الأمسية التي شارك فيها 10 شعراء بقصيدة غرّدت خارج السرب؛ لناحية الفنيات الموسيقية التي ارتكزت على توليد جديد للموسيقى الشعرية، ولناحية الالتفاتة لتضحيات أمهمات العالم، وجاء الشاعر في قصيدته بما هو حديث وجديد في التعبير الموسيقي العروضي، إذ أظهرت مقدرته العروضية وصوره الشعرية على ابتكار توليد موسيقي غير مسبوق عند شعراء عرب.

وأبان نقاد بأن التركيب الموسيقي للقصيدة وصورها كانت ملفتة، فعلاوة على أنها مطلعها من البحر البسيط النادر جدا في القصيدة التفعيلية "من حكمة الحرب أن الريحَ تتبعها"، إلا أن الشاعر كسر النمط الموسيقي المعتاد للبحر النادر لناحية الكتابة فيه "تفعيلةً" في شكل معقد ومنسجم جدا مع المعاني.

وعن القصيدة التي جاءت منسجمة مع تحية الأم المضحية في الحروب قال الناقد علي الشيخ أحمد: "إذا تصفحنا الشعر التفعيلي الحديث فنادرا جدا ما نجد شاعرا يكتب على البحر البسيط، ووجدت محمود درويش كتب عليه وإن بصورة تقترب من النمط العمودي المعتاد"، مضيفا "إن قصيدة حكمة الحرب تنطلق من البسيط بكل تعقيداته في التفعيلة، وسرعان ما تقدم الجديد". شارحا بقوله: "بدأت القصيدة بمستفعلن، فاعلن، مستفعلن، فعلن (من حكمة الحرب أن الريحَ تتبعها) ثم تتخذ إيقاعا جديدا في الجملة الشعرية (أن المدى بدمِ الأشياءِ مسكونٌ بوجه الرصاص.. ووجه القنبلهْ./ دَمَنا كأسئلةٍ قاتلهْ./ ومن رصيفكَ.. داركَ.. جاركَ.. ينبتُ موتُ المرايا، معشبَ الجدرانِ مسفوكاً، غريباً، شارداًعن روحكَ المائلهْ)".

وأضاف “في شطرها الثاني الخاص بـ "أن المدى بدمِ الأشياءِ مسكونٌ بوجه الرصاص.. ووجه القنبلهْ" أدخل الشاعر تقنيته الجديدة في شكل غير متكلف، وتابع "نلحظ أنه بدأ بمستفعلن فعلن، وهو أمر اعتيادي حتى الآن، بيد أنه سرعان ما يصدمنا بالجديد حيث تلى ذلك بمستفعلن، مستفعلن لمرتين متتاليتين، بعد ذلك جاء بفاعلن، فعلن لمرتين متتاليتين، وختم بمستفعلن لختام المقطع الشعري، وهو ما شكل توليدا موسيقيا جديدا متفردا بحد ذاته، ويعد من ابتكار الشاعر، إذ لم يتم العثور على ذلك لا في تراثنا العربي، ولا في الشعر الحديث"، مشيرا إلى أن الشاعر لم يستخدم ذلك في مقطع واحد، بل إن ذلك كان في بنية القصيدة من بدايتها حتى نهايتها.

وأضاف "يا أبي: حربُنا هي حكمتنا القاتله. وفي هذا المقطع نلحظ استخدام نوع واحد من التفعيله من نفس الامتداد الموسيقي وهي فاعلن، إذ اوردها لخمس مرات".

وتابع "قال لي وجنازةُ أختكَ تبكي قُبَيْلَ الدفنِ في سهل الغيابْ"، فهنا تم استخدام نفس النمط المدروس بعناية فائقة، إذ استخدم تفعيلة فاعلن لخمس مرات، فيما استخدم بعدها تفعيلة مستفعلن لمرتين من دون أن يشعر الشخص أن هناك نشازا موسيقيا؛ لأن بنية القصيدة قائمة على نفس التكتيك منذ بدايتها حتى نهايتها، وهذا هو الجديد شعريا، وغير المسبوق".

من جانبه شدد الناقد منصور سلاط الذي حضر الأمسية على أن هناك تميزا ملفتا بين الشعراء، وهناك هفوات لدى البعض الآخر من الشعراء، وقال: "إن القوة في القصائد تفاوتت بين الشعراء، إذ توجد قصائد لفتت الانتباه بشكل قوي"، مشيرا إلى أن أكثر ما لفته كان في قصيدة "حكمة الحرب" للشاعر منير النمر، وقصيدة الشاعر ياسر آل غريب، وقصيدة رسائل إلى الأم.

القصيدة التي أقالها الشاعر النمر بمناسبة يوم الشعر العالمي "من حكمة الحرب":

من حكمة الحرب أن الريحَ تتبعها..

أن المدى بدمِ الأشياءِ مسكونٌ بوجه الرصاص.. ووجه القنبلهْ.

دَمَنا كأسئلةٍ قاتلهْ.

ومن رصيفكَ.. داركَ.. جاركَ.. ينبتُ موتُ المرايا،

معشبَ الجدرانِ مسفوكاً، غريباً، شارداً عن روحكَ المائلهْ.

يا أبي: حربُنا هي حكمنا القاتله.

قال لي وجنازة أختكَ تبكي قبيل الدفنِ في سهل الغيابْ:.

من حكمة الحربِ أن الهوى ساكن في كل ساحتها.

حتى إذا ما انتهى من طلقةٍ أملٌ

تجمّعَ الخوف في أحلام مقتولي

من حكمة الحربِ أن الموت غيمٌ يسافر مثل اليعاسيبِ

البعيدة عن نهرها.

من حكمة الحرب تجري رياحٌ على رملٍ فيسحقهُ موتٌ يبطئٌ

خفيفُ الرحيلْ.

ومن مدى الأفق تأتيك زرقة السلامْ.

أبيضٌ أنتَ..، راية حبٍّ، ممدداً كحكمة حربٍ ووجه سلامْ.

للحربِ حكمتها.. للقتلِ حكمتهُ.

لحكمة الحربِ أنكَ ثائرٌ لكل الحمامْ.

وأنكَ القاتل المحكيُّ فوق الغيوم البعيدهْ

وأنّكَ وجه الغمامْ.

من حكمة الحربِ هذا الزنادْ.

هذا الممددْ.

آهاً تشرّدَ ساكنها في الظلامْ.

من حكمة الحربِ أني أنامْ

أنامُ، ثم أنامُ بعيداً عن الحربْ.